الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ذكرى «غزوة» السفارة الأمريكية:

عندما إنقلبت موازين كثيرة وتغيّرت معادلات بأكملها


بقلم: محمد بوعود

في مثل هذا اليوم من سنة 2013، زحفت مجاميع بالآلاف على السفارة الأمريكية بالبحيرة الثانية، لا يدري أحد إلى الآن من سمح لها وكيف وصلت الى السفارة، ومن تواطأ معها، ومن سهّل لها اقتحام المباني المحصّنة، ومن خوّل لها أن تنتقم بنفسها من موظفين ودبلوماسيين عُرض في دولتهم فيلم مسيء للرسول، ولماذا حصل كل ذلك العنف والحرق والقتل، ومن الذي استفاد من كل ذلك؟

كلها أسئلة بقيت معلّقة في فضاء الاحتمالات والتأويلات، طالما أن السلطة السياسية في بلادنا، ورغم تعاقب الحكومات وتناقضها، لم تكتسب من الجرأة والشجاعة السياسية ولا القضائية ولا حتى الأمنية، أن تنشر التحقيقات كاملة غير منقوصة وان تسمي الأشياء بأسمائها والأشخاص بصفاتهم، وان تضع حدّا للقراءات التي لم تتجاوز الى حدّ الان الاتهامات او التبريرات.

ومع مرور الوقت، لم تمتلك الدولة التونسية الى حد الآن رواية موّحدة وثابتة وصحيحة عمّا جرى يومها، ولم تسع حتى الى تقديم رواية مقنعة للمتابعين وللرأي العام الوطني والعالمي.

قد تكون اكتفت بتقديم الرواية الحقيقية للأمريكان لانها لا تستطيع أن تكذب عليهم او تغالطهم، فهي تعرف أنهم يعلمون أدقّ التفاصيل التي لا تعلمها، واكتفت ايضا بدفع غرامة مالية تجاوزت المائة وعشرين مليون دينار من مال الخزينة العامة للدولة التونسية، اي من جيوب المواطن دافع الضرائب، الذي لم تكلّف نفسها حتى ان تطلعه على اسماء من اقترفوا تلك الفعلة التي كان لها الأثر الكبير في تونس في الفترة التي تلتها، والى الآن ربما.

كما أن مجلس نواب الشعب لم ير غضاضة في التوقيع على أمر يلحق الارض التي بُني عليها المعهد الامريكي في الجهة المقابلة للسفارة، بملكية السفارة الامريكية، واعتباره تعويضا عن الاضرار التي لحقت بها ذلك اليوم، وهو أيضا من أملاك المجموعة الوطنية التي لم تعرف الى الان أسماء المجرمين الذين جنوا عليها كل هذه الخطايا والغرامات، لا من نفّذ ولا من أمر ولا من خطّط ولا من تساهل أو تواطأ.

وبغضّ النظر عن ملابسات العملية، وعما أحاط بها من تواطئ رسمي وصل الى حد تشجيع المتظاهرين من قبل أعوان أمن على التوجّه الى السفارة، وبلغ ايضا حدّ التواطئ في رفض أوامر اطلاق النار رغم ان الخطر كان ظاهرا للعيان، حتى المجرّدة، ورغم ان المصيبة كان يمكن أن تكون كارثة لولا تدخّل بعض الوحدات المختصة التابعة للامن الرئاسي، والجيش الوطني في آخر لحظة لانقاذ السفير ومرافقيه، والا لكانت تونس دفعت ربما أثمانا باهظة جدا، فإن الانعكاسات الخطيرة لهذا الحدث الكبير، لم تكن على صعيد الامن والاقتصاد فحسب، بل كانت بالخصوص على صعيد المشهد السياسي الذي انقلب بعدها انقلابا شبه كامل، لناحية تعديل أوتار السياسات الامريكية، ومواقفها المساندة في تلك الفترة للاطراف الحاكمة في تونس.

وحتى لا نبتعد كثيرا في التأويل، فان أحداث السفارة الامريكية، كانت متزامنة تقريبا مع مثيلة لها وقعت في سفارة الولايات المتحدة ببنغازي في ليبيا، وانجرّ عنها مقتل السفير الامريكي، وسحل جثمانه والتنكيل به في مشهد وحشي لا سابق له، بالنسبة لدبلوماسي أمريكي.

هاتان العمليتان دفعتا الإدارة الأمريكية، التي أصابتها صدمة مرعبة من مشاهد الدماء والحرق، إلى مراجعة سياساتها القائمة إلى حدود تلك اللحظة، على دعم جماعات الإسلام السياسي الذين فتحت لهم خزائن الدّعم على مصراعيها، والذين راهنت عليها بضمانات القطريين والأتراك، على أن يكونوا قادة المنطقة في المرحلة التي أعقبت ثورات الربيع العربي.

لكن الصدمة المروّعة التي حدثت في البحيرة الثانية وقبل أيام في بنغازي، أعادت صقور البنتاغون الى وعيهم، أو دفعتهم بالأحرى إلى مراجعة سياساتهم، التي دعّمت وأوصلت الاسلاميين الى السلطة في تونس وفي غيرها من البلدان العربية التي شهدت حراكات 2011.

هذا الانقلاب على الاسلاميين بعد حادثة السفارة، أوجد بالتأكيد مشهدا آخر لا يقل أهمية عن سابقه سواء في تونس أو ليبيا او باقي البلدان الشبيهة.

فإسقاط الاسلاميين في 2013 سواء بالانتخاب أو بالعصيان المدني والحراك المجتمعي، أفرز أمرا واقعا جديدا أمام الادارة الامريكية التي تظنّ أنها تهندس العالم وتخطط مستقبل الشعوب.

فقد وضعت الاحداث التي أعقبت عملية السفارة الامريكان أمام خيار من اثنين: اما ان يقبلوا بصعود تحالف القوى الثورية واليسارية والتنظيمات الديمقراطية الحداثية والنقابية والحقوقية، واما أن يركنوا الى فكرة اعادة المنظومة القديمة الى الحكم، بعد رسكلتها وتهذيبها، وهو ما تمّ فعلا، وأوجد بالتالي حالات شاذة وغريبة في السلطة، اختلط فيها النظام السابق بالشعارات الثورية واليمين بالوسط باليسار، وخلقت حكما هجينا لا يمكن فرزه ولا تقييمه ولا حتى محاسبته، وهو الذي استمر إلى الآن.

وان لم يغب الإسلاميون تماما عن المشهد بعد الحادثة، فإنهم استطاعوا أيضا أن يتكيّفوا مع الوضع الجديد، واستطاعوا أن يحافظوا على شتاتهم، وغيرّوا الكثير من خطابهم ومن طرق عملهم، وتمكّنوا من يعودوا كرقم أصعب حتى من السابق في الساحة السياسية.

ولا شك أن ما جرى في السفارة الأمريكية يومها، ومع غياب الرواية الرسمية الموثوقة، يبقى نقطة استفهام كبرى، خاصة وأننا لم نر إلى حد الآن أحدا يتحمّل المسؤولية ويُحاسب، بل رأينا فقط مجموعة وطنية تدفع – عن طيب خاطر - غرامة وثمن ما اقترفته مجموعة ارهابية، وهو من الأمور التي لا تحدث الا في تونس ربما.