الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أحزاب الحكم تهدّد التجربة التونسية

من «عبءٍ» على الديمقراطية إلى خطر عليها


بقلم: مراد علالة

أحدها متهم ـ والمتهم بريء الى ان تثبت ادانته ـ بالضلوع في أعمال ارهابية وحيازة تنظيم خاص سري للغرض تورّط حسب هيئة الدفاع في اغتيال الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي...

الثاني، كالقنبلة الانشطارية او العنقودية، تفككت ففرّخت قنابل موقوتة في كل مكان وصارت في نزاع مع القصبة ولخبطة في باردو واساءة لقرطاج وبالتحديد لساكن القصر الجمهوري مؤسس هذا الحزب وعموم التونسيين وخصوصا منهم الندائيين...

وآخر، يواصل التقية وهي تقنية او خطة اخوانية ونهج سلفي رغم كونه حزبا سليلا للعائلة الدستورية والتجمعية «الحداثية» يتحاشى «الضوء» ويَقْنَع بما يجود به ربان السفينة وكذلك نِعَمُ التمثيل النسبي!...

وحزب آخر قد لا يكون «توّا» في الموقع الذي كان فيه بالأمس منسجما ومنخرطا في لعبة «التوّ» لتلك اللحظة ومن يدري كيف سيصبح «توَّا» في الغد...

حزب آخر، صرنا لا نعرفه أو بالاحرى لا ندرك الرابط بينه اليوم وبين الحزب الأصلي الذي مضى على انبعاثه زهاء القرن للدفاع عن الطبقة العاملة وعن المسحوقين ضد رأس المال وضد «اليمين الرجعي» وضد الامبريالية ومؤسسات النصب الدولي...

هذه حال الاحزاب التي تضطلع بأعباء الحكم في تونس اليوم، بعضها دخيل على الحكم وكان الى زمن غير بعيد مناوئا له ومعاديا للدولة برمتها، وبعضها فتي وحديث النشأة لكنه يقف على تجربة مطوّلة لأتباعه في الحكم وهنا مكمن الغرابة في محدودية النتائج وضعف خراج التجربة الذي لم يعد سرّا ولم يعد اعترافا حصريا من المعارضة بشتى ألوانها او من طرف ا لمنظمات الاجتماعية التي تنتفض هذه الأيام على غرار الاتحاد الوطني للفلاحة والاتحاد العام التونسي للشغل الذي اعلن بعد عن الاضراب العام في القطاع العام في قادم الايام.

واذا استثنينا النهضة التي مضت ثماني سنوات على دخولها الحكم فان النداء والوطني الحر والمسار والمبادرة الدستورية قضوا نصف المدة تقريبا جنبا الي جنب مع الحركة الاسلامية تحت يافطة التوافق فوقفنا على عراك وخصومات و«حروب» هذه الاحزاب في ما بينها وداخلها اكثر مما سجلنا الانجازات والاضافات لتجربة الانتقال الديمقراطي المتعثرة ببلادنا والتي توافق الكثيرون في وقت من الاوقات على ان هذه الاحزاب صارت عبءا على الديمقراطية بدل ان تكون محرّكا ودافعا ومحرّضا وضامنا لها.

ان فاقد الشيء لا يعطيه، والحزب الذي تضيق فيه الممارسة الديمقراطية ويتعذّر فيه التعبير عن الرأي ويعسر فيه افراز قيادة ديمقراطية على قاعدة الديمقراطية والتداول السلمي على المسؤوليات لا يؤتمن على الديمقراطية ولا يمكن ان يكون جديرا بحكم تونس اليوم.

حدّث ولا حرج

ان التركيز على مساوئ أداء حركة نداء تونس ليس بغرض التشفي او لغاية في نفس يعقوب كما يقال فوجود حزب «قوي» حسب تقديرنا ضمانة للدولة ولحسن سير مؤسساتها لكن ما يأتيه الندائيون على مدار الساعة ـ أجل على مدار الساعة ـ صار مبعثا على التندر والهزل وعلى الفزع والخشية على البلاد من مصير مجهول قد تحشر فيه جراء استمرار العبث.

لقد ارتكب الندائيون تقريبا كل ما عرفته الاحزاب من هفوات في ظرف وجيز من نشر غسيل وانشقاق واساءة للذات قبل ذوات الاخرين علاوة على حشر مؤسسات الدولة في «العركة» التي لا يهم ان كانت حقيقة بين هذا «الزعيم» او ذاك او بين هذا الابن البيولوجي والابن السياسي بقدر ما يهم انعكاسها السلبي على الجميع فتواتر التصريحات طورا والاستقالات طورا اخر لا يمكن ان يؤدي الا الى مزيد الانهاك والارباك فماذا بعد تغيير رئيس الحكومة وتغيير الوزراء وتغيّر مدير الديوان الرئاسي للمرة الثالثة في نفس الولاية!؟ وما معنى ان يكون للحزب ناطق باسمه وناطقة باسمه وناطق باسم الكتلة والجميع ينطق بما يريد؟!

اما النهضة فحدّث ولا حرج، حزب في وضع لا يحسد عليه، اخلاقيا على الاقل، فالاتهامات خطيرة وما رشح حتى الآن من «حقائق» و«وثائق» يثير الريبة ومع ذلك يجد مجلس الشورى وهو الهيئة القيادية العليا في التنظيم الاسلامي بعد المؤتمر المتعة وراحة البال للدعوة الى الحفاظ على «العلاقة الايجابية» مع رئيس الدولة الذي فك معه الارتباط و«مواصلة التفاوض مع رئيس الحكومة لاستكمال الشروط الضرورية للشراكة» وهو تفاوض سرّي نكتشفه للمرة الاولى في البيان اضافة الى «الحرص على ايجاد علاقة بناءة مع اتحاد الشغل» في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني ان المنظمة الشغيلة «لا تحتاج الى وساطة» على حد قول الامين العام في تفاوضه مع السلطة التنفيذية في وقت ينصبّ اهتمام الساسة على المحطة الانتخابية 2019.

وفيما يتابع المسار والمبادرة الاحداث في «هدوء» يتحرك الوطني الحر في الاتجاهات الاربعة في نفس الوقت فيحل كتلته وينضم الى كتلة الائتلاف الوطني التي يفيد المراقبون انها ستكون نواة لحزب جديد بقيادة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد وهو ما يطرح ألف سؤال حول موقف باعث هذا الوطني الحر!.

انسداد الآفاق

وبالرجوع الى الادبيات الاخيرة لهذه الاحزاب الحاكمة وأساسا الحزبين «الكبيرين» وهما النهضة والنداء. يلحظ بجلاء حجم الفجوة بين هذه الكيانات وبين اكراهات ومتطلبات الاوضاع الراهنة فلا تفاعل يتناسب مع حجم الأ زمة الاقتصادية والإجتماعية وحتى «التخريجات» السياسية والمواقف المعلنة الصادرة عن الهياكل القيادية مليئة بالعموميات والاطلاقيات وكأنها تتحدث عن بلاد اخرى غير بلادنا.

أغرب ما في الأمر ان تتحفظ احزاب حاكمة وتنتقد الحكم وتعبر عن قلقها من هذا الفرع او ذاك من السلطة بحسب حضورها ووزنها السياسي فيه فالنهضة تسائل البيئة والفلاحة والسياحة على سبيل المثال فيما يصب النداء جام غضبه على الصحة والاستثمار والتعاون الدولي!

وستكشف الايام القادمة حجم الخطر الذي صارت تمثله هذه الاحزاب على التجربة التونسية التي قيل الكثير حولها ووقع اعتبارها التجربة الجديرة بالحياة والنجاح في المنطقة عندما يناقش مجلس نواب الشعب ميزانية 2019، حينها سيتفرج التونسيون والعالم كذلك على نواب احزاب حاكمة لا نواب شعب ينتفضون صباحا على الخيارات اللاوطنية واللاشعبية المضمنة في مشروع قانون المالية ثم يصوّتون مساء لصالحه مثلما كان الحال في السنوات السابقة، سنوات عجاف بكل المقاييس اغرقت البلاد في الديون وضربت الدينار التونسي وقلصت من مخزون العملة الصعبة وألهبت الاسعار ودمرت القدرة الشرائية للفئات الواسعة من التونسيين وفتحت تونس على مصراعيها للمؤسسات الدولية والقوى النافذة في العالم وفشلت في استكمال بناء مؤسسات الدولة.

والأسوأ مما تقدم هو أن هذا الواقع الذي تسببت فيه احزاب الحكم رفع منسوب التشاؤم في صفوف التونسيين ودفع بالمئات بل الآلاف من الشباب والكهول العاطلين عن العمل والكفاءات المهنية ايضا الى الهروب والبحث عن ملاذات في الخارج سواء بالقاء النفس في البحر بحثا عن جنة الشمال او الهرولة الى الجامعات والمصحات والادارات والمؤسسات الاجنبية وخصوصا في الخليج العربي بسبب انسداد الافاق الأمر الذي جعل تونس الثورة للأسف تتصدر قائمة الدول المصدّرة والمفرّطة في خبراتها وادمغتها وكفاءاتها.

ان احزابا لم يترب أعضاؤها على الديمقراطية ولم يتشبعوا بثقافتها واستسهلوا شراء الاصوات وكسب ثقة الناخبين بشتى السبل اضافة الى افتقارهم الى البرامج المجتمعية الواقعية والثورية ايضا التى تغير حياة الناس نحو الأفضل لا يمكن المراهنة عليها لتأمين البلاد اليوم وتأمين مستقبل الأجيال القادمة بالخصوص.