الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المخاطر البيئية والصحية

هل عرّتها الفيضانات الأخيرة أم كانت سببا فيها ؟



اعداد: سميحة الهلالي

كشفت الفيضانات التي جدّت مؤخرا ببلادنا وتحديدا بولاية نابل هشاشة وحجم الخراب الذي تعاني منه البنية التحتية بالبلاد مثلما بينت زيف ما روّجت له الحكومات المتعاقبة قبل وبعد الثورة من مشاريع موجهة لدعم البنية التحتية.

ولم تكن هذه الفيضانات الاولى ببلادنا بل سبقها سيل من الفيضانات في عديد المحطات التاريخية للبلاد...لكن يبدو ان الخسائر المادية والبشرية المسجلة في كل مرة تبقى مجرّد ارقام ومجرد فترة سوداء يؤشر اليها برقم ويوم معين ثم سرعان ما يتم نسيان حجم المصاب وتدخل كغيرها في طي النسيان إلى ان تباغتنا نفس الكارثة مرة اخرى ولكن بانعكاسات اكثر حدة ومرارة ويتم التعامل معها من قبل الحكومة بفشل اشد وطأة من التعاطي الفاشل مع الكوارث من قبل الحكومات التي سبقت. ويبدو أن الفيضانات الأخيرة مثلما خلفت خسائر بشرية ومادية، فقد خلفت مشاكل بيئية وصحية.

فما هي تداعياتها على قطاعي الصحة والبيئة؟

ان مقومات جودة الحياة تنهار امام الفيضانات ذلك ما عبّر عنه الخبير في المجال البيئي عادل الهنتاتي مفسرا ذلك بان الفرد لم يعد آمنا على بيئته الصحية نتيجة انتشا ر الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات على غرار مرض حمى غرب النيل والأمراض الأخرى المنقولة بواسطة الحشرات باعتبار أن عديد الأمراض الخطيرة على غرار حمى غرب النيل تتنقل بسهولة كلما توفرت الأرضية المناسبة لانتشار الأوبئة التي تنتقل بالناموس والبعوض في المياه الراكدة .

فالفيضانات تتسبب في تزايد المياه الراكدة سواء في المدن أو في الأرياف الأمر الذي يوفر أرضية ملائمة لانتشار الأمراض وبالتالي يدعو محدثنا الى ضرورة القضاء على جحور كل الحشرات. ودعا محدثنا الى ضرورة أن تتحرك كل السلطات المعنية للاهتمام بنظافة المحيط لتلافي هذه المخاطر التي أصبحت تهدد صحة المواطن خاصة مع تزامن انتشار الحشرات نتيجة تراكم كميات هامة من مياه الأمطار داخل وخارج المدن. واعتبر محدثنا ان تراكم النفايات الناتجة عن الفيضانات يمثل خطرا محدقا بالبيئة وله انعكاسات سلبية على صحة المواطن وعلى التربة في الان ذاته ذلك ان عديد الهكتارات من الاراضي الفلاحية التي جرفتها السيول لا يمكن تعويضها وتخسرها الدولة الى الابد باعتبار انها تصبح اراضي بور غير صالحة للزراعة وبالتالي غير صالحة للإنتاج وهو ما ينعكس سلبا على الاقتصاد ببلادنا ويصبح المواطن مهددا في امنه الغذائي والصحي واعتبر محدثنا ان ذلك يعد من العلامات الكبرى المباشرة لتداعيات الفيضانات على البيئة وعلى جودة الحياة.

من جهة اخرى افاد محدثنا ان المنطقة المتوسطية لا يمكن ان يحدث بها تسونامي على عكس ما يروج له في بعض وسائل الاعلام ولكنه أفاد انه من الممكن ان تشهد بلادنا زوابع كبيرة باعتبار ان مياه الامطار تصب في الاودية والسيلان السريع في البر والبحر سيكون مستواه مرتفعا نتيجة التغيرات المناخية وبذلك لا يتم صرف المياه بسهولة .وهو ما سيكون له انعكاس سلبي على جميع الاصعدة وسيربك المجال الاقتصادي والاجتماعي .ومن ناحية اخرى اكد على ضرورة توخي الحذر وتنبيه المواطن حتى يتهيأ لمثل هذه المخاطر في المستقبل مما يمكن من تفادي الخسائر كما دعا الى ضرورة تخصيص اعتمادات اكثر في الميزانيات القادمة للبنية التحتية وتدريب المواطن على كيفية حماية نفسه بمفرده من الفيضانات حتى نقلل من حجم الخسائر.

معاناة قديمة....

وتعتبر الفيضانات ظاهرة طبيعية قديمة في تاريخ بلادنا حيث أن الفيضانات اجتاحت عدة مناطق منذ القدم على غرار الفيضانات التي شهدتها مدينة قابس ومنها اجتاحت أيضًا منطقة الجريد وبالخصوص توزر ونفطة وذلك تحديدًا سنة 1962، حيث أدت الى وفاة 50 شخصًا وتسجيل 7000 متضرّر.

وقد جاءت هذه الفيضانات بعد ثلاث سنوات من فيضانات كانت قد شهدتها مناطق الساحل والقيروان وقابس سنة 1959،لم تخلّف حينها خسائر بشرية ولكنها خلفت خسائر مادية كبيرة بلغت قيمتها حينها 2 مليون دينار. ومن أكثر الفيضانات دمارًا في تاريخ البلاد أيضا، فيضانات 1990 التي شهدتها مناطق الوسط وبالخصوص سيدي بوزيد وأودت بـ 60 شخصا على الأقل وخسائر مادية ضخمة بعد تضرر 58 في المائة من المساحات الزراعية.

كما عرفت ولاية تطاوين ايضا فيضانات عارمة إثر أمطار غزيرة سنة 1995ما أدى الى وفاة 20 شخصًا على الأقل، مع تسجيل خسائر مادية ايضا. وايضا الفيضانات التي عرفتها تونس الكبرى سنة 2003 التي أدت الى وفاة 4 أشخاص،إضافة الى خسائر مادية فادحة.ثم فيضانات 2007 وتضررت حينها منطقة تونس الكبرى وتحديدًا منطقة سبالة بن عمار وقد خلفت 19 حالة وفاة إضافة الى خسائر مادية كبرى . كما شهدت منطقة الرديف من ولاية قفصة فيضانات سنة 2009 أدت الى وفاة 17 شخصًا على الأقل مع خسائر مادية كبيرة.وقد امتدت الفيضانات إلى مدن قابس وصفاقس والمهدية وغيرها من المدن الاخرى وايضا فيضانات 2015 بولاية جندوبة التي خلفت عديد الخسائر. وأخيرا أدت الفيضانات التي عرفتها ولاية نابل مؤخرا الى وفاة 6 أشخاص مع خسائر مادية فادحة شملت الممتلكات العامة والخاصة . وتجدر الاشارة الى ان ولاية نابل عرفت فيضانات قبل ما يزيد عن 30 سنة وهي فيضانات 1986، التي تسببت حينها في وفاة 7 أشخاص. هذا مع التأكيد أن هناك عدد كبيرا من الفيضانات التي جدت ببلادنا ولم نذكرها كلها.

انتشار الاوبئة

رغم ان بلادنا عرفت على مرّ التاريخ وفي عديد المحطات خسائر موجعة بشرية بدرجة اولى ومادية بدرجة ثانية نتيجة للفيضانات إلا أن سبل التوقي من الفيضانات مازالت غائبة وكل مرة تحدث فيها فيضانات تبدو وكأنها الاولى في تاريخ البلاد لما تكشفه من فشل ذريع في كيفية التعامل معها ولما تعكسه من فراغ مدو في السياسات المعتمدة للتوقي من الكوارث الطبيعية . هذا الاشكال لم يكن من أولويات الحكومات المتعاقبة . ولكننا اليوم امام وضع كارثي على جميع الاصعدة خلفته الفيضانات الاخيرة على حد تعبير عديد المتدخلين في هذا الشأن من خبراء في المجال البيئي معتبرين ان الوضع البيئي في خطر خاصة أن التلوث وتكدس الأوساخ «الميلوسي» والمياه الراكدة أدى إلى تفشي بعض الامراض الخطيرة كما ان هناك العديد من المناطق الزراعية جرفتها المياه حيث يقول الخبير في المجال البيئي حبيب مهني ان الفيضانات لها تداعيات مباشرة على البنية الاساسية للدولة والبنية التحتية أي كل ماهو صرف او ربط او تغذية ( الماء والكهرباء والغاز والاتصالات والتطهير) وكذلك لها تأثير مباشر على التجهيزات ( الملك العمومي والخاص ) واعتبر محدثنا ان لها تأثيرات مباشرة على البيئة في الوسط الطبيعي ذلك ان الانجراف ادى الى تقليع الاشجار وكذلك توسع الاودية وخروجها عن مسارها مثلما وقع في الفيضانات التي جدت في بوسالم. وكذلك لها تأثير على البيئة في الوسط الحضري( المدن)التي تعرف كثافة سكانية ذلك ان 70 بالمائة من سكان تونس موجودون بالمدن وعادة ما تتسبب الفيضانات بالمدن في خسائر موجعة .واستحضر محدثنا في هذه الحالة فيضانات سنة 1969 التي شهدتها بلادنا وهي تعتبر وفق بعض الدراسات الأكثر دمارًا في تاريخ البلاد إذ تسببت في وفاة 542 فرد على الأقل، وتدمير 70 ألف مسكن مما أدى الى تضرر 300 ألف عائلة مع تسجيل خسائر مادية ضخمة .وقد شملت مختلف مناطق البلاد خاصة العاصمة وتحديدًا القيروان. وكذلك فيضانات 1973 التي شملت شمال تونس وتحديدًا المناطق المجاورة لوادي مجردة، وقد تسببت في وفاة 100 شخص مع تسجيل خسائر مادية فادحة.واشار محدثنا الى فيضانات صفاقس سنة 1982 التي تسببت في خسائر بشريةومادية كبيرة.وبين محدثنا ان بلادنا تغرق كل سنة بمجرد نزول الامطار رغم ان بها شبكة تصريف مياه الامطار التي تركتها فرنسا ومنذ ذلك الوقت لم يقع الاهتمام بها وتنظيفها وصيانتها .ودعا الى ضرورة الاهتمام بشبكة تصريف مياه الامطار والعمل على مزيد تطوير البنية التحتية وجعلها من اولويات العمل الحكومي.