الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في فرنسا .. كما في تونس :

ماكرون و المتشبّهون به..!


بقلم: الهاشمي نويرة

مِنَ المُهِمّ أن نعي ونَعْلَمَ أنّ المجتمعات تأخذ وقتا كبيرا حتّى تستقرَّ الأُسُسُ التي تنبني عليها، وهو ما يفسّر أنّ التغييرات الفُجئية الجذريّة و«الثورية» هي إستثناءات في تاريخ الأمم والشعوب وأنّ الأصل في الأشياء هو الإصلاح وليس الثورة خصوصا إذا لم تتأسّس هذه الأخيرة الى رؤية فكريّة وسياسية واضحة، وذات الشيء ينطبق على التحرّكات الواسعة «العفوية» والعنيفة التي تسعى الى هَدْمِ ما هو موجودٍ دون التفكير في عملية البناء وهذه التحرّكات تحمل إسْمًا في تاريخ الفكر السياسي هو : الفوضويّة.

وذلك يعني أنّ «الثورات» وعمليات «الاصلاح» الجذريّة الفاقدة لكلّ تصوّر وكذلك التحرّكات العنيفة ذات الطابع العفوي في بداياتها، كلّها كانت وبَالاً على الدّول والمجتمعات.

ومناسبة الكلام هو ما يحدث الآن في فرنسا التي تشهد حراكًا مجتمعيا واسعا جرّاء سياسات الحكومة والتي رأت فيها الفئات الضعيفة والهشّة وحتى المتوسطة خطرا على وجودها واستهدافا مباشرا لمقدرتها المعيشية،

تحرّك أصحاب «السترات الصفراء» تحوّل مِنَ المطالبة بتجميد الضريبة الموظّفة على المحروقات والكهرباء والغاز الى مطالبة بالتغيير الجذري للنظام السياسي وللقواعد التي انبنت عليها المنظومة الديمقراطيّة الحالية.

تغيّرت المطالب إذن وأصبحت تشمل مسألة التمثيلية المبنيّة على الانتخاب، ابتداء مِنَ النقابات الى رئاسة الجمهورية مرورا بالمجالس النيابية.

والسبب المباشر لما يجري في فرنسا هو نزوع الحكومة الى اعتماد سياسات وتمريرها بـ «القوة» حتى وان كانت استندت الى شرعيّة الانتخاب التي أعطت الأغلبية الساحقة الى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وهي شرعية وإن كانت مهمّة وحتى أساسية في المنظومة الديمقراطية التمثيليّة إلاّ أنّها قد لا تكون كافية في ضوء التطوّرات التي تعرفها المنظومة الليبرالية عموما والتي تحوّلت واقعا مِنْ حُكْمٍ باسمِ الشعب الى حُكْمٍ بشراكة مع الشعب عبر وسائِطِهِ الحزبية والمجتمعية ومنها النقابات.

ويبدو أن حكومة فرنسا أوقعت نفسها في وَرْطَةِ استحالة الحُكْمِ بالشراكة مع الشعب ووسائطه وهي سياسة إراديّة لجهة أنّ ماكرون خطّط لها منذ البداية، فهو إراديّا دمّر المشهد الحزبي التقليدي الوسطي والمتكوّن مِنَ اليسار واليمين التقليديين، وهو إراديّا همّش دور الوسائط النقابية ومنظمات المجتمع المدني واعتبر أنّ دمج هذه الأخيرة في الحُكْمِ تعويضا كافيا لوجودها خارجه وهو الأمر الذي أبَاحَ له اتخاذ ما يراه مِنَ القوانين حتّى ضدّ رغبة منظمات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب المعارضة،

النتيجة كانت حالة غضبٍ غير مسبوق لا قِبَلَ لأيِّ طرف بالسيطرة عليها، هي فوضويّة التشكّل، قصْوَويّة المطالب ومِنْ نتائجها المباشرة مزيد اضعاف الأحزاب الوسطية والنقابات وتَقْويَة التطرّف يمينا ويسارا وطغيان التحرّكات المنفلتة ..

ويُخشى أن فرنسا مُقبلة على أيّام حالكة قد لا ينفع معها إلتجاء الحكومة الى الأطراف التي حاولت تدميرها لأنّ الحلّ قد يكون خرج مِنْ أيدي الأحزاب والنقابات وستضطر الى التراجع تِلْوَ التراجع عن قراراتها بما يؤشّر الى دمارٍ محتوم للدّولة.

هذه حالُ فرنسا، وفي تونس هناك مَنْ يرى في ماكرون مثالا و«إسوة حسنة».

سياسةٌ مُمَنْهَجَةٌ لتدمير الأحزاب وتهميش دور الاتحاد العام التونسي للشّغل وكلّ ذلك يتمّ بتخطيطِ وتعليماتِ «حزب» لا يملك مقوّمات الحزب السياسي المدني، اضافة الى افراغ عَمَلِ مؤسّسات الدولة مِنْ محتواه، وبالتوازي مع ذلك، فَرْضُ سياسات اقتصادية واجتماعية مجحفة وجائرة في حقّ الفئات الضعيفة والمتوسطة، والنتيجة المنتظرة هي مزيد الاحتقان الاجتماعي الذي قد يؤدّي الى انفلاتات لا يمكن السيطرة عليها وستكون بالضرورة مجالا خِصْبًا للتطرّف والارهاب ولانتعاشة الأحزاب الايديولوجية ومنها «النّهضة» خصوصا في ضوء عدم وجود مؤسسات دولة قادرة على حماية المنظومة الديمقراطية وهو ما يفتح الأَمْرَ ضرورة على سيناريوهات «الاستبداد الديني» و«المدني».

إنَّ الهَوَسَ بالحُكْم قد يؤدّي بصاحبه الى الهاوية السياسية وهو أَمْرٌ ينطبق على ماكرون ـ الذي لا يشدّني إليه غير إعجابه بالباجي قايد السبسي ـ كما ينطبق على المتشبّهين بماكرون والذين لَمْ يُحسنوا تقدير قدرة ودهاء رئيسهم، وهو وَضْعٌ انتقالي ووقتي بالضرورة سواء كان الأمر في فرنسا أو في تونس لأنّه بخلاف ذلك سيكون دمارا فعليّا للمجتمع والدّولة ..

واذا كان مِنَ الممكن لدولة مثل فرنسا، استقرّت فيها الديمقراطية ومؤسساتها أن تَحُدَّ كثيرا من الخسائر ومِنْ حجم الدّمار فانّ الوضع في تونس يختلف جذريا، لأنّ نجاح مثل هذه السياسات الهوجاء سيقود تونس «طَوَّالِي» الى الدّمار ثمّ الاستبداد تحت أيّ شكْلٍ مِنَ الأشكال.

 

والمُتَشَـــبِّــهـــون بـــــه !