الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بما أن الحقيقة وقد بدأت تطلّ برأسها ..

حذار من المبشّرين بالفوضى ..و«بجانفي دموي»..!!



بقلم: لطفي العربي السنوسي

يمكن تشبيه الوضع العام ـ اليوم ـ في البلاد التونسية بذاك «المتسوّل المجنون» وكان يجوب شوارع العاصمة اواسط التسعينات صارخا في وجه العابرين بأن «الجحيم» في انتظارهم وقد آن اوان القيامة ولا خلاص لهم ـ ان هم ارادوا الخلاص ـ سوى ان يدفعوا له ما تيسر لردّ البلاء أو أن ينسحبوا من الشوارع ..

وضع شبيه بمآثر عدد من سياسيينا على المنابر التلفزية وهم «يبّشرون» الناس بأن الأيام القادمة ستكون جحيمية وان ثورة «البطون الخاوية» انّما تغلي على مرجل وبأنّ الاشتعال العظيم سيتزعمه آكلو لحوم البشر نيئة على يد مستهلكي مخدّر «الفلاكا» وقد تم احتجاز كميات هائلة منه ـ مؤخرا ـ بميناء حلق الوادي وأن المتآمرين على البلاد قد أحاطوا بها وحاصروها من كل اطرافها .. ولن يسلم لا الأخضر ولا اليابس .. لا البشر ولا الحجر من احتجاجات جانفي القادم والتي ستكون جحيمية بلا مثيل ..

ولئن كانت هذه الرواية شبيهة بفيلم «زمبي» فانها وردت على لسان نائب شعب رواها وهو مترّبع على «بلاتو تلفزي» وكان واثقا مدعما كلامه بما أسماه مصادر خاصة..

وفي رواية اخرى ـ مقابلة ـ يُشاع بأن حركة الاخوان بصدد تخزين العدة والعتاد استعدادا لمواجهات قادمة مع «دولة السبسي» الذي يسعى لاستئصالها ـ تماما ـ كما تم استئصال اخوان مصر وفي هذه الرواية حديث عن أسلحة ومقاتلين اخوان بصدد الاستعداد للمواجهة ..!؟

هذا ما نسميه «روايات الخوف» او ما يعرف باسم «الديستوبيا» dystopia، وهو جنس أدبي دشّنه في الاربعينات من القرن الماضي جورج أورويل في روايته المعروفة بعنوان «1984» وهي رواية جحيمية ينبه فيها الكاتب الى خطورة الأنظمة الشمولية التي تسيطر على شعوبها بالعمل على ادامة حالة الخوف لتغذية الحقد والكراهية وتعمد اشعال الفتن والاكاذيب لدفع الناس الى التقاتل والكراهية أو الى الانسحاب من الشأن العام نحو عزلتهم حيث شقاؤهم الأبدي ..

و«الديستوبيا» هي المدينة الفاسدة التي تتحول فيها الأحلام الى كوابيس وحيث الشرّ مطلقا وحيث العالم مجرد من كل ما هو انساني بل هو عالم جحيمي افراده ممسوخون يتقاتلون من اجل بقائهم .. «ماكيافلي» في كتابه «الأمير» يقول من الانجع للسلطة ان تشيع الخوف بين الناس وان تمارس سياسة التخويف politique de la peur حتى لا ينتفضوا عليها ..

نحن ـ هنا ـ في تونس على مشارف مدينة فاسدة لا بالمعنى القيامي او الجحيمي كما تحدث عنه جورج أرويل في روايته المشار اليها ولا كما يروج له ساسة الصدفة وانما بالمعاني الدنيا المتعفنة التي يسعى اصحابها الى ارباك التونسيين ودفعهم الى الاصطدام..

فالكل يعلم ان دولة الفساد في تونس قد تغولت وتوسعت .. والكل يعلم بان دمار هذه البلاد انما بسبب حكامها الجدد .. والكل يعلم مدى اتساع دائرة الفقر والبطالة واشتعال الاسعار وتدهور المقدرة الشرائية والكل يعلم مدى فشل منوال التنمية والسياسات الاجتماعية لحكومات ما بعد الثورة التي زادت في تعميق الهوة بين ابناء البلد الواحد .. والكل يعلم ان الثروة في تونس انما هي بحوزة اقلية نهبت خزائن الدولة وانهكتها .. والكل يعلم ان رؤوس الفساد وكبار باروناته متواجدون ـ بالفعل ـ في السلطة وبجوار قصورها .. لكن هذا لا يحجب ان تونس ـ في الواقع وفي العمق وفي الحقيقة ـ قد خطت خطوات عملاقة في تشييد مؤسساتها الديمقراطية وان الحريات قد تحولت الى مكسب وقيمة راسخة وان الانتخاب هو الفيصل وهو الطريق الوحيدة نحو الحكم، وان مظاهر الاستبداد لن تتكرر حتى وان بانت بعض انيابها وان التونسي اليوم بامكانه ان يفتك حقه وان يتظاهر وان يحتج وان منظمات المجتمع المدني قد تحولت الى بوصلة حقيقية لتعديل السياسات الخاطئة .. وان الاعلام قد افتك استقلاليته وان تونس ـ رغم كل شيء ـ ما تزال مدينة منورة في الثقافة وفي الفن وفي محافظتها على ريادتها في القانون وفي الدستور وفي الحقوق والحريات، وهي كذلك ـ بالفعل ـ رغم التشوهات على وجهها والتي عمقتها ـ وخاصة على المستوى الاجتماعي ـ الانتهازيات التي تحكمها وما تزال تسعى الى تعميقها.

فمن هؤلاء الذين يسعون الى تخويف التونسيين والى ارباك عيشهم اليومي والى دفعهم للاصطدام والتقاتل ..؟ من له مصلحة حقيقية في اندلاع الفتن والفوضى حتى تتحول تونس الى «مدينة فاسدة»..؟ هم «القتلة» في الواقع ممن تلطخت اياديهم بدماء التونسيين .. هم قتلة شكري بلعيد والحاج البراهمي ولطفي نقض وكل ابنائنا المغدورين من المؤسستين الأمنية والعسكرية .. وكل من علقت بهم جرائم الاغتيالات الارهابية وقضايا الفساد والنهب ـ هؤلاء ـ سواء كانوا افرادا او كيانات سياسية يخشون ـ بالفعل ـ ان يكون القضاء مستقلا والاعلام محايدا ـ يخشون من تقوّي الدولة ومؤسساتها الدستورية ومن رسوخ قيمة العدالة والحق .. هؤلاء لا يمكن ان يستمروا الا وسط الفوضى وباحداث الفتن والدفع لانتفاضات واحتجاجات وهمية .. لا يمكن لهم ان يستمروا الا بالعمل على استدامة الخوف وعلى اشاعته بكل ما لديهم من اصوات وأبواق وامكانيات لذلك تجدهم وهم يبشرون الناس بان تونس ومع مطلع العام الجديد وخلال شهر جانفي تحديدا ستتحول الى بلد جحيمي وأن الاحتراق سيكون كبيرا وبأن الاحتجاجات ستمتد على كامل البلاد التونسية وان «التسونامي» الاجتماعي سيكون ـ تماما ـ كطوفان اسطوري .. وهذا ما يسعون اليه بالفعل وهذا ما يشيعونه بين الناس للتصدي للحقيقة .. حقيقة الدم المهدور لابنائنا من شكري الى البراهمي الى نقض وغيرهم من شهداء الأمن والجيش وكل الذين سقطوا في باردو وسوسة وفي الشعانبي وفي سمامة .. فالحقيقة بدأت تطل برأسها ولا شيء يردها ـ غير قضاء متواطئ وهو يعمل حثيثا الان انتصارا للقتلة واعلام فاسد توسّعت دوائره و«خطاب تخويف» هو بصدد صياغة «أطروحته القيامية» من خلال التبشير بفوضى متوقعة ستهز كل شيء بما في ذلك الحقيقة المخفية لدى القتلة وعلينا ان ننتبه الى مثل هذه الخطابات وعناوينها وابوابها ومصادرها الخبيثة ..!؟