الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



فشل ذريع في احتواء التضخّم المالي :

تجويعٌ مُمنهج للشّعب التونسي ؟


بقلم: جنات بن عبد الله

للشهر الثالث على التوالي استقرت نسبة التضخم في شهر نوفمبر 2018 في مستوى 7،4 % وذلك حسب آخر نشرية للمعهد الوطني للاحصاء حول مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي لشهر نوفمبر 2018.

ولئن تتقبل للحكومة والبنك المركزي مثل هذا الاستقرار بكثير من الارتياح في ظل استمرار الضغوط التضخمية، فان استقرار نسبة التضخم في مستوى 7،4 % يعكس فشل الاجراءات التي اتخذها البنك المركزي منذ بداية السنة الى اليوم والمتمثلة في الترفيع الدوري في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي لاحتواء التضخم لتصل اليوم مستوى 6،75 % مقابل ارتفاع نسبة الفائدة بالسوق النقدية (TMM) اي مستوى 7،25 %.

ولئن يعترف البنك المركزي بمحدودية دور السياسة النقدية للضغط على التضخم باعتبار ان مصادر التضخم ليست نقدية بالاساس، فان اصراره على مواصلة اتباع سياسة نقدية متشددة من خلال الترفيع الدوري في نسبة الفائدة المديرية لا يخلو من مخاطر عميقة على الاستثمار وعلى ديمومة المؤسسة، وعلى الاستقرار الاقتصادي والمالي بصفة عامة.

مثل هذه المخاطر التي تبقى تحت السيطرة حسب البنك المركزي، فان تداعياتها لا تقل تهديدا مقارنة بسياسة الصمت التي تمارسها السلطة التنفيذية التي تقف وراء الضغوط التضخمية الناتجة عن الترفيع كل ثلاثة أشهر في أسعار المحروقات بالتوازي مع التخلي التدريجي عن دعم المواد الأساسية، وعن عدم التدخل للتحكم في عجز الميزان التجاري الذي بلغ مستويات قياسية خرجت عن السيطرة وتهدد بانهيار حاد للدينار التونسي، وبالعجز عن تسديد ديوننا الخارجية وتغطية حاجياتنا الاستهلاكية الضرورية من أدوية وحبوب.

لقد أضحى الاقتصاد التونسي في عهد حكومة الشاهد في قبضة سياسة نقدية مدمرة من جهة، وصمت ممنهج تجاه توريد مكثف، منظم وعشوائي من جهة اخرى، قضت على منظومة الانتاج والقدرة التنافسية للمؤسسة، وعلى المقدرة الشرائية للمواطن.

لقد كشفت نشرية المعهد الوطني للاحصاء ان اسعار مجموعة النقل سجلت اكبر ارتفاع مقارنة ببقية المجموعات المكونة لقفة المستهلك، وبلغ هذا الارتفاع 13،5 % في شهر نوفبر 2018 مقارنة بشهر نوفمبر 2017. وتفيد النشرية ان هذا الارتفاع يعود الى ارتفاع اسعار السيارات بنسبة 16 % واسعار مواد استعمال السيارات وقطع الغيار والمحروقات بنسبة 13،5 % مع الاشارة الى ان هذه المواد كلها موردة بدينار ضعيف وهو ما يكشف عن ثقل وزن التضخم المورد في سلة المؤشر.

مجموعة النزل والمطاعم تأتي في المرتبة الثانية بارتفاع بنسبة 9،6 % تفوق معدل التضخم المسجل في شهر نوفمبر 2018، ثم مجموعة الأثاث والتجهيز المنزلي بنسبة 9،4 % فمجموعة الملابس والأحذية بنسبة 8،3 %، فالتعليم بنسبة 8،1 % فمجموعة التغذية والمشروبات بنسبة 6 % تسبقها مجموعة السكن والطاقة المنزلية بنسبة 6،1 %.

قراءة سريعة في ترتيب المجموعات المكونة لسلة المستهلك على أساس نسب ارتفاع اسعارها تكشف عن ان مجموعة التغذية والمشروبات تراجعت في هذا الترتيب لفائدة مجموعة النقل والتعليم والسكن والطاقة المنزلية. فتراجع نسبة ارتفاع اسعار مجموعة التغذية والمشروبات لا يعود الى تحسن العرض وظروف التزويد بقدر ما يعود الى تدهور المقدرة الشرائية للمستهلك وعجزه عن تأمين حاجياته الغذائية واعطاء الأولية للسكن والتعليم.

في هذه القراءة استندنا الى النتائج التي افرزتها عملية المراجعة التي قام بها المعهد الوطني للاحصاء والمتعلقة بتغيير سنة الأساس في احتساب نسبة التضخم واعتماد سنة 2015 عوضا عن سنة 2010 في خطوة نحو تحيين سلة الاستهلاك.

فاستنادا للمسح الوطني حول الانفاق والاستهلاك الأسري للفترة 2016-2015 الذي كشف عن تغير نمط الاستهلاك الأسري في تونس تمت مراجعة الأوزان الترجيحية لمختلف المواد المكونة لسلة المؤشر من تغذية ونقل وتعليم وصحة وملابس وسكن وطاقة وترفيه.

نتائج هذه المراجعة كشفت عن تراجع حجم الانفاق الأسري بعنوان التغذية والمشروبات في ميزانية الأسرة حيث كانت تمثل 28،1 % من ميزانية الأسرة في سنة الأساس 2010 لتتراجع الى 26 % في سنة 2015. هذا التراجع جاء لتغطية اولويات اخرى في الأسرة التونسية قبل التغذية والمشروبات وهي السكن والطاقة المنزلية حيث اصبحت هذه المجموعة تستحوذ على 19 % من ميزانية الأسرة في سنة 2015 مقابل 17 % في سنة 2010 و14 % في سنة 2005. كما جاء هذاالتراجع في وزن مجموعة التغذية والمشروبات في سلة المؤشر لفائدة مجموعة التعليم التي اصبحت تستحوذ على 3،2 % من ميزانية الأسرة في سنة 2015 مقابل 2،4 % في سنة 201٠ و1،7 % في سنة 2005.

ولئن يعتبر تقلص وزن مجموعة التغذية والمشروبات في سلة المؤشر وفي ميزانية الأسرة مؤشرا على تحسن مستوى العيش في المجتمعات المتقدمة باعتبار أن هذا التراجع كان لفائدة مجموعة الترفيه، فان الوضع في تونس يختلف تماما باعتبار أن هذا التراجع جاء نتيجة ارتفاع تكاليف التعليم والسكن وهي مجموعتان تحتلان الأولوية المطلقة في ميزانية الأسرة التونسية خاصة وان وزن مجموعة الترفيه في سلة المؤشر تراجع الى 2،1 % في سنة الأساس 2015 مقابل 2،5 % في سنة 2005.

وفي الوقت الذي يروج الشاهد لانجازات واهية في المجالين الاقتصادي والمالي، تصدع مؤشرات المعهد الوطني للاحصاء بحقائق صادمة وخطيرة تكشف عن فشل السياسة النقدية في احتواء التضخم المالي، وعن فشل «اصلاحات» الحكومة وخياراتها التي أدت الى مزيد تفقير الشعب التونسي وتجويعه.