الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



حشرتها الحقيقة في الزاوية

النهضة تستجير بـ«القضاء» وتغازل القدر!


بقلم: مراد علالة

تقف النهضة اليوم في مربع لا تحسد عليه، هو الأدق والأعسر والأخطر على الحركة منذ تأسيسها قبل زهاء خمسة عقود، هي الآن فوق فوهة بركان وضعية لم تعرفها الجماعة حتى في سنوات الجمر كما يقال حين كانت تجاهد من أجل إقامة الخلافة السادسة ولم تعرفها كذلك زمن اضطلاعها بأعباء الحكم في إطار الترويكا عندما لفظها المجتمع المدني والسياسي وأجبرها على الرحيل.

مربع الخطر هذا ليس فقط على الجماعة الاسلامية وإنما على البلاد برمتها لأن حشر النهضة في الزاوية يفتح امامها حالات ومجالات العنف واستحضار رقصة الديك المذبوح وانفلات الذئاب المنفردة كما جاء في الأدبيات الجهادية، ولنا في تاريخ هذا التنظيم الاعلامي شواهد على جنوح ابنائها الى هذا النهج وهذا الاسلوب وقد تم في اطار التقية التنكر لهم في البدء ثم استرجاع رصيدهم واعتبارهم من «شهداء الحركة» كما حصل مع محرز بودقة على سبيل المثال!.

وقد كانت وقائع الجلسة العامة لمناقشة مشروع ميزانية المجلس الاعلى للقضاء للسنة المقبلة مساء الاربعاء الماضي لافتة الى ابعد الحدود حيث اظهرت مدى ارتباك النهضة ومدى حرص نوابها على استباق الأمور بالتأكيد على ان المؤسسة القضائية محل تجاذب كبير على حد قول وزير العدل السابق ورئيس الكتلة نور الدين البحيري فيما أكد سمير ديلو على «الثقة في أحكام القضاء والقبول بها مهما كانت» وكأن الجلسة لم تكن مخصصة للنظر في الميزانية المرصودة للمجلس الاعلى للقضاء قصد توفير ما يلزم لضمان فعاليته واستقلاليته، بل لاستجارة القضاء ومغازلة القدر بعد التطورات الاخيرة المتصلة بقضايا الاغتيالات السياسية والتنظيم السري وغيره.

اعادة انتشار

ان الارتباك واضح في أداء النهضة اليوم ويتجلى ذلك في«اعادة انتشار» قياداتها في المشهد العام والمنابر الاعلامية مع الاجتهاد في تقديم الحركة في صورة الضحية المستهدفة واختيار تكتيك الهجوم كأفضل وسيلة للدفاع مع المزج بين التباكي وذرف الدموع والتغني بالتسامح والتوافق من جهة ومن جهة اخرى التوعد بالفوز الكاسح في الاستحقاقات الانتخابية القادمة في 2019.

وقد بلغ الارتباك ذروته في تقديرنا في هذا الغزل غير المعهود في سلوك الاحزاب المدنية والحداثية بالقضاء والقضاة ورجم كل من يخاطب هذا القضاء ويحثه على ان يكون عادلا وناجزا ليس فقط في معالجة شؤون الناس على قاعدة ان العدل أساس العمران وانما ايضا البت والحكم بالقسطاس في الملفات القضائية التي تعني النهضة بالذات من قريب ومن بعيد فالجميع يعلم اليوم داخل تونس وخارجها ان التطورات الأخيرة في ملفات الاغتيالات السياسية وكذلك العنف والارهاب الذي انتشى وازدهر تحت حكم الاسلام السياسي وموضوع الجهاز السري تجعل الحركة في وضع لا تحسد عليه الى ان ترفع الجلسة كما يقال.

وفيما يتواصل احتجاب ما قيل أنهم من الصقور دفعت عملية اعادة الانتشار وهي تقنية عسكرية، بالحمائم الى الواجهة بنفس الخطاب ونفس المفردات تقريبا الامر الذي يدحض مرة أخرى وجود هذا التصنيف القصري والمسقط على الجماعة الاسلامية بين اصلاحيين ومتشددين او بين المحسوبين على الشق الدعوي والشق السياسي وها هو محمد بن سالم مثلا يتنقل من شاشة الى أخرى وها هو المنتدب الجديد في المؤتمر الاخير محمد القوماني ذو الخلفية الحقوقية والمحسوب على اليسار الاسلامي ينزل بثقله ايضا في المنابر الاعلامية ليقدم نفس المقاربات ويظل الامتياز في هذا الباب لنورالدين البحيري وسمير ديلو وغيرهما من النواب الذين نهوا عن المحاكمات الاعلامية للقضاء لينصّبوا بأنفسهم محاكمات نيابية للقضاء تحت قبة البرلمان!

أجل لقد عاب سمير ديلو في اكثر من مناسبة على الاعلام الوطني ما اعتبره تسرعا في الحكم على تنظيمه والانحياز في المقابل لخصومه وصاغ نظرية «الزمن الاعلامي للمحاكمة والزمن القضائي للمحاكمة» حيث يتميز الأول بالسرعة والتسرع الذي يفضي الى اصدار أحكام عاجلة في غضون ساعات تؤثر في الرأي العام ويصعب تعديلها. أما الزمن القضائي فهو يسير على مهل ولا يرتبط بالرأي العام ولا مانع لدى الرجل في ان يطول أمد هذه المحاكمة.

الكيل بمكيالين

لقد جانب القيادي النهضاوي الصواب لأكثر من سبب فهو يتجاهل بداية أن المكسب الوحيد الذي هو محل اجماع بيننا هو حرية الاعلام وليس من مصلحة أي طرف سياسي أو اجتماعي مدني رسم مربع تحرك الاعلام أو الرغبة في اعادته الى بيت الطاعة.

ثانيا، أن الاغتيالات السياسية والتسفير والارهاب وغيرها من المآسي التي تكاثرت تحت حكم الاعلام السياسي هي في نهاية المطاف قضايا رأي عام وكم كان بودنا لو حصل بث محاكمة قتلة الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي وكذلك العديد من شهداء مؤسستينا الأمنية والعسكرية كما كان يحصل في الماضي فهل كان صدر الدكتاتورية أمس أوسع من صدر الديمقراطية اليوم حتى نخشى على قضاتنا وقضائنا وعدلنا من مشاعر الناس؟

ثالثا، لنسلّم كما ذهب الى ذلك ابناء وبنات النهضة بأن «المحاكمات الاعلامية» كما سماها ديلو «رجس من عمل الشيطان»، أليست المحاكمات النيابية والسياسية التي نصّبوها خلال الأيام الماضية تحت قبة البرلمان هي بنفس وقع المحاكمات الاعلامية أو ربما أكثر خطرا على سير العدالة وعلى أداء القضاة الذين سيكونون في وضع حرج أمام «رسائل» نواب النهضة الملغّمة والتي يمتدحون فيها ويستجيرون بالسلطة القضائية وينبهونها الى عدم الوقوع في فخ السلطة الرابعة أي سلطة الاعلام؟ ان قضاتنا أكبر من ان تنطلي عليهم مثل هذه الحيل ولهم من المهنية والواعز الوطني ما يكفي للنهوض بسلطتهم.

هي مقولة «حلال علينا حرام عليكم» والتي صارت معتادة في سلوك النهضويين فهم أصمّوا آذاننا وأدموا قلوبنا بعد ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة بالحديث عن سنوات الجمر والتضحيات والعذابات لتبرير التعويضات ولم يتوانوا لحظة في استثمار جهادهم في سبيل تحقيق مشروعهم الاسلامي وصراعهم مع سلطتي بورقيبة وبن علي الأمر الذي مكنهم من الظفر بكعكة الحكم في 2011 مثلما غنموا مركزا متقدما سمح بمواصلة البقاء في الحكم المركزي في 2014 وتعزيزه بالحكم المحلي في 2018 رغم الاجماع على ضعف خراج حكمهم بل وتنكرهم لشعارات ومطالب ثورة الحرية والكرامة. في المقابل، يعيب النهضويون اليوم على خصومهم استثمار تضحيات شهدائهم ويستغربون من الجبهة الشعبية مثلا اصرارها على كشف الحقيقة في اغتيال زعيميها بلعيد والحاج البراهمي. ليس ذلك فحسب يعيبون على رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمن القومي تفاعله الايجابي مع ما قدمته له هيئة الدفاع عن الشهيدين من وثائق وحقائق جعلتها تحوّل الاتهام السياسي والاخلاقي للنهضة في التورط في الاغتيالات السياسية الى اتهام جنائي لعدد من قادتها وهذا امتحان لجميع الفاعلين السياسيين والمدنيين وكذلك مؤسسات الجمهورية الجديدة التي لن تبني الديمقراطية اذا سقطت في امتحان الحقيقة.