الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي (الأليكا)

الحكومة تراهن على التمرير الناعم


بقلم: جنات بن عبد الله

عندما تعهد رئيس الحكومة يوسف الشاهد في الندوة الصحفية التي عقدها يوم 25أفريل 2018 ببروكسال بعد لقائه برئيس المفوضية الأوروبية جون كلود كونكر، أن تونس ستوقع على اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2019 ، كان على يقين بأن مجلس نواب الشعب سيصادق على جميع مشاريع القوانين ذات الصلة بهذه الاتفاقية والتي تشكل الإطار القانوني لتطبيق بنودها في مجالات تحرير القطاع الفلاحي وقطاع الخدمات والاستثمار والملكية الفكرية.

ومنذ توليها لمهامها لم تجد حكومة الشاهد صعوبات، رغم الانتقادات التي وصلت في بعض الأحيان الى حد الرفض، لتمرير هذه المشاريع التي يتم تقديمها كجزء من برنامج الإصلاحات الهيكلية التي تعهدت بها تونس تجاه الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي من جهة، وتجاه المقرضين الدوليين من مؤسسات مالية دولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي من جهة ثانية، والتي ستفتح أمام الاقتصاد التونسي آفاقا جديدة.

وبعد قانون الاستثمار، وقانون النظام الأساسي للبنك المركزي، وقانون المنافسة، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وقانون البنوك والمؤسسات المالية...شرعت حكومة الشاهد في التسويق لمشروع قانون يتعلق بالسلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات.

هذا المشروع بدأ الاعداد له منذ سنة 2005 على أساس انطلاق المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق في سنة 2008 بناء على اتفاقية الشراكة لسنة 1995،الا أن الظروف السياسية حالت دون مواصلة النظر فيه،لتتم إعادة النظر في محتواه انطلاقا من شهر أوت 2014 ويعرض على مجلس وزاري مضيق بتاريخ 17 ماي 2016 في عهد الحبيب الصيد ثم عرضه على مجلس الوزراء في 23 سبتمبر 2016 واحالته على مجلس نواب الشعب يوم 28 سبتمبر 2016 .

وبعد رحلة طويلة انطلقت في لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة يوم 20 ديسمبر 2016، حط مشروع القانون الرحّال مرة أخرى في اللجنة للنظر فيه يوم الخميس 3 جانفي 2019 كمشروع عادي يرمي الى حماية صحة الانسان والحيوان وتأمين الوقاية من المخاطر الصحية.

من هذا المنطلق حظي هذا المشروع بترحاب جميع الأطراف من حكومة الى منظمات نقابية ومهنية منوّهة بمزاياه باعتبار أن الهدف منه هو إيجاد اطار قانوني خاص وموحّد لضمان السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات لتأمين صحة الانسان والحيوان والوقاية من المخاطر الصحية المرتبطة باستهلاك مواد غذائية لا تتوفر فيها شروط السلامة الصحية، كما يرمي الى ملاءمة التشريع الوطني في مجال المواد الغذائية وأغذية الحيوانات مع ما هو معمول به على المستوى الدولي وخاصة الأوروبي بالنظر، كما جاء في وثيقة شرح الأسباب، الى حجم المبادلات التجارية في هذا المجال مع الشريك الأوروبي.

حكومة الشاهد سوّقت لهذا المشروع على أنه يندرج ضمن سلسلة من الإصلاحات الهيكلية الهادفة الى حماية صحة المواطن وتطوير الاقتصاد الوطني، وهو هدف نبيل تشكر عليه حكومة الشاهد التي تفطنت الى أهمية حماية صحة المواطن، والحيوان أيضا، في ظل تدهور المقدرة الشرائية وجميع المؤشرات المالية والاجتماعية التي أدت الى انهيار الدينار وجعلت ميزانية الدولة تحت رحمة الاقتراض الخارجي وفي قبضة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

وزير التجارة عمر الباهي، وحتى لا يتّهم بإخفاء الحقيقة، ونحن في عهد الشفافية، وأثناء عمل اللجنة، لاحظ أن الهدف من هذا المشروع هو ملاءمة التشريع التونسي مع التشريع العالمي، دون تحديده،ليتدارك ويوضح بالقول، وخاصة التشريع الأوروبي، وذلك لدعم التصدير، دون أن ينسى، ودائما في إطار الشفافية، أن يضيف يندرج أيضا في اطار تحرير التجارة، ودائما دون تحديد القطاع المعني، «في ظل نمو الطلب العالمي والتطور التكنولوجي في المجال الفلاحي وفي قطاع الصناعات الفلاحية».

جملة طويلة ومعوّمة أراد من ورائها تجنّب ذكر تحرير المبادلات التجارية للمنتوجات الفلاحية في إطار اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق.

ومرة أخرى تصرّ حكومة الشاهد على مغالطة الشعب التونسي لتمرير مشاريع قوانين بإخفاء الأسباب الحقيقية لإصدارها وبعدم التنصيص على مرجعيتها الأصلية المتمثلة في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق المرفوضة من قبل عديد الجهات والمنظمات والتي سيتم التوقيع عليها مع الاتحاد الأوروبي هذه السنة حسب تعهد رئيس الحكومة.

ودائما في باب التضليل والتعويم، أشار وزير التجارة الى أن هذا المشروع يعتبر من بين الالتزامات المحمولة على الجانب التونسي في اطار الالية الأوروبية للدعم المالي الكلي ومن ضمن التزامات برنامج دعم الاندماج الاقتصادي، توضيح أراد من خلاله الوزير مزيد تعميق الضبابية والامعان في التضليل باعتبار أن المقصود من كل مما ذهب اليه هو أن المرجعية القانونية لهذا المشروع هي اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية والمعوقات الفنية أمام التجارة للمنظمة العالمية للتجارة والتي صادقت عليها الجمهورية التونسية بالانضمام اليها بموجب القانون عدد 6 لسنة 1995 المؤرخ في 23 جانفي 1995 ، وأن هذا الشروع هو أحد البنود الأساسية لاتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق في باب تحرير القطاع الفلاحي والتي بدورها تستند الى أحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة.

بعبارة أوضح، مجلس نواب الشعب بمصادقته على مشروع القانون يكون قد استوفى نسبيا الاطار التشريعي لدخول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق حيز التنفيذ، في هدوء وبعيدا عن الاحتجاجات والانتقادات والرفض، بما يؤمّن للشاهد كل شروط التوقيع على الاتفاقية في سنة 2019.

وتعمل حكومة الشاهد على تمرير هذا المشروع بصفة منعزلة عن اطاره السياسي الخطير المتمثل في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق والمتعلق بتحرير القطاع الفلاحي كمشروع عادي يرمي الى حماية صحة المواطن وتطوير الاقتصاد الوطني، كما روّجت له.

لقد كشفت حكومة الشاهد، ومن خلال طريقة تسويقها لمشروع القانون، عن ولائها الحقيقي للاتحاد الأوروبي عندما غيبت طرح التداعيات الحقيقية والخطيرة لدخول هذا القانون حيز التنفيذ على أمننا الغذائي وعلى قطاعنا الفلاحي السيادي الذي دمر بغياب سياسات فلاحية حقيقية منذ الاستقلال الى اليوم لإقحامه في مسار تحريري رفضه الاتحاد الأوروبي في علاقة مع الولايات المتحدة الامريكية في اطار اتفاقية تبادل حر.

لقد كانت اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية للمنظمة العالمية للتجارة والتي تعتبر المرجعية القانونية لمشروع القانون، ولا زالت، محل خلاف حاد في مستوى المفاوضات التجارية متعددة الأطراف بين مجموعة البلدان الافريقية، التي تنتمي لها تونس، والبلدان المتقدمة الأعضاء بالمنظمة منذ المؤتمر الوزاري المنعقد بالدوحة في سنة 2001 باعتبار طبيعة التحديات التي تطرحها هذه الاتفاقية في البلدان الافريقية والمتمثلة أساسا في محدودية الخبرة البشرية وضعف القدرات المالية لتحليل المخاطر واجراء الاختبارات وفحص الصحة النباتية، الى جانب عدم القدرة على اتقان التكنولوجيات وامتثال البنية التحتية لإثبات الامتثال لمعايير الصحة والصحة النباتية، لتتعطل المفاوضات تحت ضغط البلدان النامية التي ستواجه صعوبات، في صورة اقرارها على المستوى الوطني، للنفاذ الى الأسواق العالمية وتحديدا السوق الأوروبية بالنسبة للبلدان الافريقية بما في ذلك تونس.

ويتفق بعض الخبراء في التجارة الدولية على أن احترام أحكام هذه الاتفاقية من خلال ملاءمة التشريع الوطني معها، كما هو الحال في تونس، يتطلب تمويلات هامة وكفاءات عالية فضلا عن قطاع فلاحي متطور وقادر على الاستجابة لمثل هذه المعايير التي تتحول الى قيود أمام النفاذ الى الأسواق الأوروبية.

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تتولى حكومة الشاهد التنبيه لمخاطر مثل هذا المشروع على صادراتنا الفلاحية نحو السوق الأوروبية وفي مقدمتها صادرات زيت الزيتون والتمور المدعوة الى احترام المعايير الفنية، في اتجاه العمل على تدعيم شروط احترام هذه المعايير، اتجهت هذه الحكومة الى التسويق للمشروع بطريقة يغلب عليها التواطؤ مع الاتحاد الأوروبي ضد الاقتصاد الوطني والسيادة الوطنية.

وعلى عكس ما تروّج له الحكومة من أن المشروع يهدف الى حماية صحة المواطن وتطوير الاقتصاد الوطني، يشكل هذا القانون تهديدا حقيقيا لصادراتنا الفلاحية، وتمهيدا لانتصاب الشركات الأوروبية والعالمية في مجال الصناعات الغذائية وصناعة الادوية وكل المجالات المرتبطة بالقطاع الفلاحي والصيد البحري والغابات للانتفاع بمزايا هذا القانون والبرامج المنبثقة عنه والمتعلقة بالتأهيل وتدعيم البنية التحتية في اطار المساعدة الفنية والمالية على غرار برنامج تأهيل الصناعة الذي أقر في اطار اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لسنة 1995 الذي استفادت منه الشركات غير المقيمة على حساب الشركات التونسية، في خطوة أخرى نحو مزيد تدمير اقتصادنا الوطني.