الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تفاعلا مع تطورات قضية الشهيدين بلعيد والبراهمي:

النهضة تختار الإنكار والهروب الى الأمام


بقلم: مراد علالة

تأخرت ردود أفعال النهضة نسبيا هذه المرة بخلاف الثاني من أكتوبر الماضي يوم عقدت هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي ندوة صحفية أولى قدمت خلالها لتونس والعالم حقائق صادمة وكشفت وثائق خطيرة متصلة ليس فقط باغتيال الشهيدين وانما باستفحال ظاهرة العنف السياسي والارهاب ببلادنا منذ «انتصار» الحركة في انتخابات 23 أكتوبر 2011 واضطلاعها بأعباء الحكم وتواجدها في الحكومات المتعاقبة، يومها نشرت الحركة في المساء بيانا علقت فيه على مضمون الندوة وقللت فيه من خطورته ونفت المسؤولية بطبيعة الحال وكذلك العلاقة أصلا بالموضوع.

هذه المرة، انتظرنا 24 ساعة تقريبا لنستمع الى تعليق رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني والقيادية في الحركة محرزية العبيدي الى احدى الاذاعات الخاصة ثم تصريح الناطق الرسمي باسمها عماد الخميري الى وكالة الانباء الوطنية. وقد اختارت العبيدي الهزل للتفاعل مع ندوة هيئة الدفاع عن الشهيدين وقالت ان ما فعلته سمح بانضمام 18 الف منخرط جديد لحركتها فيما قدم الخميري موقفا متكاملا استعاد فيه مقولات وأفكار قديمة انبرى قادة النهضة في ترديدها منذ مدة في اطار الدفاع عن النفس جوهرها الإنكار جملة وتفصيلا لكل علاقة بالموضوع وبالشخوص المذكورة فيه مقابل القاء المسؤولية على هيئة الدفاع ومن يقف وراءها وهي الجبهة الشعبية التي تذكرها احيانا وتلمح اليها مرة أخرى.

واللافت في موقف النهضة التي صار كثيرون من قادتها يعتمدون أيضا نظرية «الكأس نصف المملوءة» وخطة «أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم»، أنها تترك جانبا مضمون الندوات الصحفية ومضمون الوثائق المعروضة ومضمون كلام المحامين الذي لا يشك أحد في نزاهتهم ونضاليتهم ليس اليوم فقط ولكن منذ عقود، كما تقفز على انتظارات طيف واسع من التونسيين لتمرّ مباشرة للتشكيك في الهيئة والحديث عن ارتباطها السياسي بجهة يقول عماد الخميري أنها «ترى في النهضة عدوا ايديولوجيا وسياسيا لها... جهة فوضوية لا تريد الاعتراف بالقضاء وبمؤسساته واحتكمت الى وسائل الاعلام والندوات الصحفية عوض الاحتكام الى القضاء» على حد تعبيره لوكالة الانباء.

اكثر من ذلك، ينتصب الخميري مدافعا عن مؤسسات الدولة ويتهم هيئة الدفاع بالتصعيد في التصريحات «والمس من الهيئات القضائية» ويستنتج أن ذلك «شكل من أشكال عدم الاعتراف بالدولة ومؤسساتها ويكتسي خطورة على العملية الديمقراطية في تونس وعلى استقلالية القضاء»!.

ويذهب الخميري الى أبعد من ذلك باعتبار ان هيئة الدفاع بصدد «تلويث الحياة السياسية... ولا ترى في حركة النهضة طرفا سياسيا يمكن التعامل معه بالآليات الديمقراطية».

ويتدارك الناطق باسم النهضة بعد ذلك ليقول ان الاتهامات لا تمس حركته ولا علاقة للحركة بمصطفى خضر.

ويعكس القيادي النهضاوي الهجوم بعد ذلك ويتساءل استنكاريا عن «الأذرعة والتنظيمات الخاصة التي استعملتها هيئة الدفاع للحصول على الوثائق التي بحوزتها» مثلما جاء في تصريحه للوكالة ويجتهد للربط بين هيئة الدفاع و«نهج الرئيس السابق زين العابدين بن علي والاساليب التي كان يعتمدها والتي تقوم على الهرسلة وأساليب الدعاية النوفمبرية وذلك من خلال ضرب خصومهم السياسيين واتهامهم بالارهاب وبالانقلاب على الدولة»..

على أن ما افتقدناه في تصريح الناطق الرسمي باسم النهضة قبل الاجتهاد في الدفاع عن الدولة ومؤسساتها وقضائها بالخصوص هو الموقف من المضمون الذي تقدمه هيئة الدفاع عن الشهيدين في كل مرة حيث لم تنف الحركة أي معطى باستثناء العلاقة بالمتهم الرئيسي مصطفى خضر.

ثانيا، ان الوثائق التي يروج عماد الخميري وقبله كثيرون من اخوته في التنظيم ان هيئة الدفاع حصلت عليها بطرق مشبوهة يتناقض مع الحقيقة فالمحامون يؤكدون ان جميع الوثائق مضمنة في ملفات القضية وهي لم تعد سرا وهم يتحدون النهضة أن تحدّد لهم وثيقة بعينها حصلوا عليها بغير الطرق القانونية.

ثالثا وهذا الأهم، إنه لمن دواعي الانشراح والاطمئنان أن تتحدث النهضة عن الدولة ومؤسساتها وخصوصا عن القضاء فهذا تطور محمود نرجو ان لا يكون مثل مقولة فصل الدعوي عن السياسي لكن ما فات الخميري والحركة بشكل عام هو أن ما تفعله هيئة الدفاع عن الشهيدين هو انتصار للعدالة والقضاء الذي تفاعل ايجابيا بخلاف ما نوته النهضة وتمنته ولا نخال ان التطور الأخير بتوجيه اتهام القتل العمد لمصطفى خضر يخرج عن هذا الاطار لو كان «القضاء المستقل» الذي تتحدث عنه غير مؤمن بوجاهة عمل المحامين ولا ننسى أيضا أن ثلاثة أشهر مضت على أول ندوة صحفية للهيئة ولم ير القضاء الى الآن تجاوزا منها للقانون يستوجب المساءلة في المقابل فتح باب المساءلة والاتهام لمصطفى خضر والأكيد لمن سيكشف عنه البحث والتحقيق من أجل الحقيقة التي طال انتظارها والتي تظل الامتحان الوحيد لنجاح الانتقال الديمقراطي ببلادنا.