الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية





وأمّا عن الانقلاب ..فحدّث!


بقلم:زهير مخلوف

منذ قرابة نصف عام جلست مع أحد الأمنيين المعزولين ممن قبعوا في السجن لأكثر من سنة وشهرين وقد حدثني عن سيناريو انقلاب مفترض وكان ذلك بعد تسلم السيد لطفي براهم مقاليد وزارة الداخلية وذكر لي أسماء ورتب بمؤسسة الداخلية يتآمرون على أمن الدولة الداخلي ويخططون لانقلاب مفترض.

للحقيقة ضحكت حد الاختناق من السيناريو الموهوم الذي اكتنزه ذهن هذا الأمني المعزول .أراد أن يقنعني بالسيناريو الوهمي المعشش في ذهنه بشتى الطرق ولكن لم يفلح . أعلمني أنه بمجرد ما يتمكن لطفي براهم بدواليب وزارة الداخلية فإنه سيعمل على إقالة يوسف الشاهد ورئيس الدولة السيد الباجي قايد السبسي بطريقة الانقلاب الطبي كما فعل بن علي وسيقوم بحل البرلمان و يعلن حالة الطوارئ ويمسك برئاسة البلاد ويلغي الدستور وووووو.

للحقيقة كان ردي أني ضحكت وقلت له إن هذا من وحي خيالاتك وأوهامك وذهبت إلى حال سبيلي أردد « مسكين لقد اختل الرجل بمجرد ان سجن لبضعة أشهر» . تمرّ الأيام وأفاجأ بذات السيناريو يردده سياسيون ونشطاء ومبحرون وصحافيون محليون ودوليون. أدركت حينها أن الوهم والخيالات يمكن أن يمررها منفصمو الشخصية ومختلو العقول ومرضى النفوس ويتمكن هؤلاء من السيطرة على عقول بعض الاعلاميين والسياسيين وليصبح حديثهم من وحي خيالات هؤلاء المرضى.

أدركت حينها أن تحنيط الأذهان وتعليب العقول قد ارتكس قهقرى ليصلنا بالعصر الفرعوني الذي أجاد تقنية التحنيط والحفاظ على المومياهات وإبداع تقنية السحرة وتأليه الخرافة والحجارة. وأدركت حينها أن أساطير الأولين قد أضحت آيات تتلى وقرآنا يرتل على جدران وحيطان مواقع التواصل الاجتماعي !!!.

أدركت أن العقل الخرافي لم يكن حبيس عصر حجري أو فترة سيطرة السحرة والجن على انسان العهود الغابرة بل يمكن أن تسافر هذه الخرافة عبر التاريخ والزمن وتصاحب هذا الكائن البشري وتشد معه رحالها مختصرة الزمان والمكان والأذهان لتحط قريبا منه في هذا العصر مصطحبة ذات خزعبلاته وترّهاته وخيالاته وتوهماته وأسحاره لتصل تلك الحقبة الزمنية بخيوط عصر التكنولوجيا المبدعة وعلم الإشعاع النووي وزمن الشريحة الذكية. قرأت وسمعت من كثيرين عن إعداد لانقلاب والتحضير له والتخابر مع أطراف دولية واختراق مؤسسات الدولة وتعطيل مسار كامل اعتمد دمقرطة الحياة السياسية التونسية . ضحكت في مناسبة ثانية وأنا أقرأ أخبارا متواترة !!!

عن إقحام إسم دول صديقة وشقيقة وإخطارها السلطة التونسية بإمكانية قيام وزير الداخلية التونسي « لطفي براهم بانقلاب وشيك . ضحكت في مناسبة ثانية وأنا أستمع لنفس رواية الأمني المقال والمسجون سابقا على لسان « نيكولا بو».وبعض ثقفوت هذا الزمن البائس.

ضحكت حينما لم تتحرك النيابة العمومية وهي تستمع لجوهر مبارك يروي قصة ألف ليلة وليلة عن مخطط انقلابي يعده وزير داخلية الدولة التونسية. ضحكت بسبب ان النيابة العمومية لم تطلب اعتقال مدبّر هذا الانقلاب الموهوم والمتآمر على أمن الدولة الخائن . ضحكت بسبب أن التخابر تم بشكل علني مع السعودية !!

في رحلة رسمية تمّ إعلام رئيس الجمهورية بأدق تفاصيلها. ضحكت بسبب ان التخابر مع أطراف أجنبية قد تمّ أثناء لقاء سري!!( مكشوف) حصل منذ بضعة أشهر مع المخابرات الإماراتية في الجنوب التونسي!!! ضحكت بسبب أن الانقلاب أعده شخص واحد بقدرات خارقة انكشف أمره وأقيل وحده ولم تكتشف مخابراتنا أي أطراف كانت تساعده في هذه الخيانة الموصوفة !!! وكانت تتآمر معه على أمن الدولة الداخلي !!! ضحكت بسبب أن الجميع أصبح ينسج من ابداعات خيالاته حيثيات وحوادث وأخبارا تدعم سيناريو الانقلاب، وإلى حد الاعتقاد أن الجميع كان ماردا من مردة جن سليمان وكان مطلعا على خفايا الأمور وعلى أبسط تفاصيل الانقلاب. أتساءل لماذا لم تتحرك النيابة العمومية لردع المدّعين والزاعمين والناقلين لتفاصيل الانقلاب الموهوم ؟؟؟؟

أتساءل جدلا لو كان هناك انقلاب مثلما ادعى «نيكولا بو» : لماذا لم تتحرك النيابة العمومية لمحاسبة ومساءلة المتآمرين والجناة؟؟ أتساءل لو عمدت دول محددة اختراق مؤسسات دولتنا ومحاولة إحداث انقلاب في بلادنا :لماذا لم تبادر حكومتنا الموقرة استدعاء سفراء تلك البلدان ومساءلتهم وقطع العلاقات معهم ؟؟؟؟ أتساءل لماذا لم تطلعنا الحكومة بعموميات أو تفاصيل التآمر على أمن الدولة الداخلي ؟؟ ولماذا لم تخبر الحكومة شعبها بما كان يتهددها ويتهدد الجماهير من مآمرات وخيانات وأخطار ؟؟؟؟ أتساءل لماذا تجندت بعض الصفحات المحرضة ومعلومة الخلفيات الإمعان في نشر الأخبار الزائفة وبث الفتنة والرعب في قلوب المواطنين والتأثير السلبي على السياح الوافدين وتخويف المستثمرين المفترضين من خلال تعمد ايهام الناس والعالم كله بمثل هذه الجريمة السخيفة ؟؟. أتساءل لماذا لم تبادر جماعة الحكم وأحزاب السلطة تكذيب هذه الخرافات من أجل طمأنة الشارع وبناء مقومات ثقة المواطنين بدولتهم وبقاء هيبتها ؟؟ أم أن هذه الأحزاب آثرت مصلحتها الخاصة على المصلحة العامة وهي تتنعم بنشر مثل هذه الأخبار الزائفة ولها مصلحة مباشرة في الترويج لمثل هذه الأوهام والخرافات والافتراءات ؟؟؟. لماذا يتعمد بعض الأطراف شيطنة كل من شاركهم في الحكم ممن لم يرضوا عن أدائه تقنيّا وإجرائيا ويتعمدون إزاحته والإطناب في ملاحقته بالاتهامات واللعان والشيطنة بعد إقالته او خروجه؟؟ هل يراد من كل ذلك بعث رسالة يشعر فيها الجميع بندمهم على الخدمة التي قدموها للدولة والتضحيات المبذولة لصالح الخدمة العامة ؟؟؟.

الحكاية تصلح ان تكون خرافة من خرافات عبد العزيز العروي . سيذكر مؤرخو الزمان والمكان ان في عصر الفضائيات والسماوات المفتوحة والشرائح المخزنة كان ذات العقل أشد التصاقا بالخرافة من عصر الخرافة.