الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أطفال ما يسمى بـ «المدارس القرآنية»

«ضحايا» بحاجة للإنقاذ والإحاطة؟


«الصحافة اليوم» منصف عويساوي

عندما يرفض طفل لم يتجاوز الخمسة عشر من عمره مصافحة امرأة ( نائبة ) وآخر تقريبا في عمر مشابه يهدد بالعودة إلى «الجبل» وعندما نشاهد أطفالا في عمر الزهور يرفضون ارتداء ملابس عادية واستبدالها بالقمصان الأفغانية، فانه على كافة المسؤولين ومندوبي الطفولة وعلماء الاجتماع والنفس ايلاء هذه المظاهر والسلوكات الأهمية التي تستحق وضبط استراتيجية محكمة للإحاطة بهؤلاء الأطفال الذين غرر بهم وتمت دمغجتهم وتمرير فكر متطرف عبر سنين من التلقين وغسل الأدمغة وقتل براءة الطفولة والحلم فيهم مقابل تكريس سلوك التطرف والعنف والوحشية.

هؤلاء الأطفال اليوم الموجودون بمركز مختص لإيواء الأطفال بتونس الكبرى يرفضون ممارسة أي سلوك مدني أو له علاقة بمدنية الدولة وبسلوك طفل في عمر الزهور وفي مرحلة التعلم الايجابي وفق منظور تربوي ،بيداغوجي ،سلمي مدني منفتح على الآخر ووفق مناهج تعليمية رسمية، ويتشبثون بما لقّن لهم طيلة السنوات الفارطة من دروس غير مطابقة للبرامج الرسمية أو العادية ودروس «دينية» وتجويد للقرآن في فضاء مختلط مع عدم احترام الحد الأدنى من حقوق الطفل وحقوق الإنسان.

فعندما نتأكد اليوم من خلال متابعة وضعية بعض الأطفال الذين قبلوا الخضوع لفحص الطب الشرعي وتصريحات الجهات الرسمية المتابعة لهذا الملف وتأكيد حصول اعتداءات مادية واعتداء جنسي على هؤلاء الأطفال، فنحن اليوم للأسف أمام ظاهرة مفزعة وجب تجنّد جميع الأطراف المتداخلة لحماية الطفولة ومستقبل الأجيال القادمة والذين بدورهم سيحملون المشعل لضمان مدنية الدولة وليس لتمرير الفكر المتطرف والتشجيع على الاتجار بالبشر وضرب كافة المواثيق الدولية لحقوق الطفل وحقوق الإنسان وضرب مدنية الدولة في مقتل لبناء «إمارتهم» التي يحلمون بها.

إن ملاحظة عدد من النوّاب خلال زيارتهم مركز إيواء أطفال المدرسة القرآنية بالرقاب لمظاهر تشدد لدى الأطفال لا يمكن أن تمر مرور الكرام بمجرد انتهاء مدة الإحاطة المخصصة لهم بأحد مراكز الإيواء المختصة بتونس الكبرى، بل يجب على كل الأطراف المتدخلة في مثل هذا الموضوع، من وزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن إلى وزارة التربية إلى مجلس نواب الشعب ووزارة الشؤون الدينية وهي الهياكل الرسمية في علاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، حيث يجب عليها وضع استراتيجية إحاطة طويلة المدى تهم المحيط الخارجي للأطفال في الدراسة أو حتى في شبكة علاقاتهم وفي الأسرة، ناهيك أن هؤلاء الأطفال تم إرسالهم من قبل أوليائهم وهو ما يعني أننا إزاء عائلة تحمل الفكر المتطرف عن وعى أو عن جهل (في حال تم التغرير بهم أيضا على غرار أبنائهم القّصر).

وإذا ما سلّمنا بملاحظات السادة النواب التي تؤكد أن هؤلاء الأطفال يحملون فكرا أو مظاهر تشدد فإننا نتحدث في هذه الحالة عن قنابل موقوتة وجيش من «ميليشيات ودواعش» المستقبل خاصة أن هناك اليوم من يرجّح أن هناك العديد من «المدارس القرآنية» خارج الأطر القانونية والرسمية المشابهة للمدرسة القرآنية بالرقاب موجودة في عديد المناطق الأخرى ومن ضمنها تونس الكبرى،وما يؤكد هذه الفرضية وهذا الترجيح أنه تم خلال هذا الأسبوع غلق أربعة مبيتات تابعة لمدارس قرآنية بعدد من معتمديات ولاية مدنين لعدم حصولها على التراخيص القانونية.

فمصير هؤلاء الأطفال ومستقبلهم - وهم في المحصلة أبناؤنا مهما غرر بهم لأنهم قصّر، واللوم كل اللوم على أوليائهم- من مسؤولية الدولة ككل لا فقط الوزارات المعنية أو الحكومة أو الولاة، « فالمدرسة القرآنية» بالرقاب التي هي أبعد ما يكون عن تعليم القرآن بل هي معسكر لتدريب «الدواعش» و لتنشئة الأطفال على الفكر المتشدد فهي ليست الأولى ولن تكون «المدرسة القرآنية» الأخيرة إن لم يستيقظ المسؤولون ويتم استئصال نوعية هذه المدارس باعتبارها بؤر تفريخ الإرهابيين في بلادنا.

بعد النتائج الطبية «المفزعة» وشهادات الأطفال المخيفة والتي تؤكد أن هذا الفضاء الذي يسمونه «مدرسة قرآنية» هو معسكر لتفريخ الإرهابيين خاصة عندما يتحدث الأطفال أنفسهم عن قائدهم والنظام الداخلي لهم في إقامتهم والاعتداءات المادية والجسدية التي يتعرضون لها،فان معاينة الأخصائيين النفسيين لهؤلاء الأطفال واتخاذ التدابير الاستثنائية وإيواؤهم في مكان آمن وتوفير إطار من المربّين تظل اجراءات غير كافية لحماية أبنائنا القصّر من احتمال العودة إلى الشارع وتبني فكر متطرف والانضمام إلى مجموعات إرهابية وبذلك نصبح نتحدث عن كتائب جديدة وقنابل موقوتة تهدد أمن ومستقبل البلاد ومدنية الدولة.

ووفق هذا الطرح فان كافة الأطراف المتداخلة في هذا الملف مطالبة اليوم برسم استراتيجية شاملة في علاقة بالمدارس القرآنية وبحماية هؤلاء الأطفال في فضائهم الأسري والخارجي ومتابعتهم متابعة لصيقة لحمايتهم أولا وحماية الأطفال الآخرين من إمكانية استقطابهم، هؤلاء الأطفال المتضررون من التهميش العائلي وجدوا أنفسهم في أحضان «القادة الدواعش» لدمغجتهم والاعتداء عليهم والاتجار بهم -وهي تصرفات ممنهمجة لتكوين «وحوش داعشية للمستقبل»- وهم في مسؤوليتنا وعلينا حمايتهم من أنفسهم ومن أوليائهم وعلى الدولة حماية أبنائها وضمان مدنية الدولة.