الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا أحد سينتظره مستقبلا...!

الشاهد في التوقيت الخطإ...!؟



لطفي العربي السنوسي

تفرض أدبيات التسويق السياسي لصورة الشخصية القيادية شروطا أساسية لا مناص من إدراكها لصناعة صورة مثلى قادرة على التسرّب الذكي داخل المجال الاجتماعي بمختلف مزاجاته ومستوياته الثقافية والادراكية... فصناعة الصورة يتشابك فيها السياسي بالاجتماعي بالمعرفي ما يصنع ـ في المحصلة ـ سلطة رمزية لا تضاهى من حيث قدرتها على اختراق الذاكرة والوعي الجمعي حتى وإن كان «بمزاجات فاسدة» أو مرتبكة وانفعالية...

فـ«الصورة» ـ بهذا المعنى ـ إنّما تتوجه الى عقل المتلقي في تحفيز لكل حوّاسه وادراكاته وبالتالي توجيهها نحو مقاصدها أو بالأحرى نحو المنطقة التي تريدها أي «هدف بثّها» سواء كان هدفا سياسيا انتخابيا أو هدفا استهلاكيا تجاريا أو رياضيا...

وعليه فانه ـ من البديهي ـ ان تتوفر شروط اساسية نسمّيها «أرض البث الخصبة» لهذه الصورة حتى لا تكون لها نتائج عكسية أو نتائج عابرة أو نتائج غير متوقعة أو أن تمر كأي منتوج استهلاكي سرعان ما تطرده «العين الرائية» من ذاكرتها المكتظة بالسلع الاستهلاكية النمطية والمملّة (انواع الياغورت والمشروبات الغازية والحلويات واعلانات التخفيض في الاسعار بمناسبة ودون مناسبة... الخ).

ومن شروط البث المُثلَى:

أولا الدقّة في اختيار توقيت بث الصورة ووسيلة البثّ مع مراعاة مزاجات الرأي العام ومدى استعداده لتقبل الخطاب السياسي مع التأكيد على ان يكون المحتوى مكثّفا وجديدا وفيه ما يدعو الى استقبال الصورة (كونها مجموعة دلالات ورسائل) استقبالا انفعاليا بحوّاس العقل التي تكون متحفّزة ومستعدة لاعادة انتاج هذه الصورة بتحويلها ـ بعد بثّها ـ الى فضاء النقاش العام بحيث يتلقّفها حتى من فاته توقيت بثها ومن ثمة تخزينها في ذاكرة «العين الرائية».

فماذا فعل السيد يوسف الشاهد «كشخصية سياسية» وكرئيس حكومة مساء أول أمس الاحد على القناة الوطنية ؟ لقد أخلّت الجماعة المكلفة «بصورته» بكل شروط «البث الذكي» الذي من شأنه ان يخترق المجال الاجتماعي بسهولة ودون عناء...

لقد اختار التوقيت الخاطئ زائد محتوى فارغ ولم يراع مزاجات الرأي العام مساء أحد مملّ وثقيل كل الحواس فيه متوتّرة وغير مستعدة لقبول ما يعتبر نشازا في التقويت المشار اليه...

فالظهور التلفزي للسيد رئيس الحكومة تمّ الاعلان عنه بشكل فجئي طارئ ودون مقدمات سابقة مع تعمّد ابطاء الظهور (الكلمة مسجلة مسبقا) ما نفهم منه ضمنيا انه ثمة ـ بالفعل ـ اشياء طارئة استعجلت رئيس الحكومة لمخاطبة الشعب من داخل توقيت مخصص لحصة الاحد الرياضي (ما يؤكد ان المسألة طارئة ومستعجلة بالفعل) ما هيّأ جمهور المشاهدين المعنيين وغير المعنيين «بالاحد الرياضي» لتقبل حدث جلل وقد اشتغلت «حواس العقل» في غير توقيتها استعدادا لكلمة رئيس الحكومة ما أضفى ـ في الأخير ـ الى نتيجة عكسية أطردت الصورة والكلمة من ذاكرتها تماما كما يُطرد المنتوج الاستهلاكي المكرّر والممل بحيث مرّ ظهور السيد يوسف الشاهد لكأنّه فاصل إشهاري بلا محتوى وبلا رسائل وبلا معنى ـ فقط ـ لملء الفراغات...

توقيت خاطئ خاطب مزاجات متوترة بطبيعتها أنهت لتوّها أسبوعا صعبا كان محدّدا لمصير أبنائنا التلاميذ حيث كانت العائلات تستعد لاستقبال أسبوع العودة المدرسية لتجد نفسها مضطرة لمتابعة الأحد الرياضي الى غاية ظهور «سيادته» ليبشرهم بما هم على علم به وقال في ما قال بأنّ المفاوضات في قطاع الوظيفة العمومية وقطاع التعليم الثانوي كانت صعبة وقد توّجت في الأخير بتوافق مع الشريك الاجتماعي ووجه تحيّة الى اتحاد الشغل والى الموظفين والى المتقاعدين والى الأمنيين والعسكريين غير المستثنين من الزيادة وطمأن العائلات المعوزة وبشرها بمنظومة الأمان الاجتماعي ووجه تحيّة الى نواب الشعب بعد توصلهم الى إنهاء أزمة مجلس هيئة الانتخابات وتحدث عن تحسّن نسب النمو والاستثمار والتصدير والسياحة... ثم دعا «المواطنين» الى العمل ثم العمل ثم العمل... ليختم بقوله «تحيا الديمقراطية التونسية» بدلا عن «تحيا تونس» حتى لا يتّهم بالترويج لحزبه بامكانيات الدولة...

وبعده مباشرة عاد مقدم الاحد الرياضي ليتحدث عن ضربة جزاء مهدورة في ملاعب البهجة الشعبية...!

ولم يكن الشاهد يدري وهو يدعو الناس الى العمل كم كان وقتنا ووقته مهدورا قبل وبعد كلمته التلفزية «الطارئة جدا» والمستعجلة جدا والفارغة جدا من كل محتوى يستعدي ظهوره المستعجل في التوقيت الخاطئ وفي البرنامج الخاطئ فكان «كالفاصل» في غير مكانه وسط جملة ضعيفة في مضمونها..

والواقع ان السيد يوسف الشاهد قد اندفع في توقيت مملّ ولا شيء كان مستعجلا للرد على اشاعة الصافي سعيد في تدوينة له بقوله ان منح الاساتذة ستتكفل بها قطر على امتداد سنتين ما نفاه بانفعال رئيس الحكومة ولم يكن مطالبا بذلك ـ في الواقع ـ اضافة الى تأكيده ـ وبانفعال ايضاـ بانه كان وراء نجاح المفاوضات في قطاعي الوظيفة العمومية والتعليم وان لا أحد يشاركه في ذلك غير اتحاد الشغل وهذا ـ ايضا ـ ردا على مناورات راشد الغنوشي ولم يكن الشاهد مطالبا بذلك حتى ضمنيا.. بل هو لم يكن مطالبا ـ أصلا ـ بالظهور تلفزيا كفاصل في حصة رياضية ليخاطب «أرض بثّ» متوترة وبمحتوى فارغ شكلا ومضمونا...

لا شيء كان يستدعي ظهور الشاهد متأخرا وبتلك المقدمات التي تعمدت ابطاء البث... فلا أحد سينتظره مستقبلا.. حتى وان طرأ طارئ حقيقي..!!

مع العلم أنّ التوقيت التونسي فيه أكثر من طارئ يستدعي الظهور التلفزيوني المستعجل حتى وإن كان من نافذة النشرة الجوّية...!؟.