الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



يَحْدُثُ في فرنسا:

قِيَمُ «عصر الأنوار» الكونيّة في خطر !



بقلم: الهاشمي نويرة

تَمُرُّ فرنسا بمرحلة دقيقة في تاريخها المعاصر وذلك قبل شهرين والنّصف تقريبا مِنَ الدورة الأولى للانتخابات الرئاسيّة.

وحساسيّة ودقّة المرحلة التّي تعيشها فِرنسا هذه الأيّام تُوحِي وتؤشّرُ لتَغْييراتٍ مُهمّة في المنظومة القيمية التّي تَحْكُمُ المَشْهَدَ والعَمَلَ السياسي في هذه الديمقراطية التي كثيرا ما طَبَعَتْ وأثَّرَتْ وأَثْرَتْ الحياة السياسيّة والفكريّة في مجتمعات عدّة ومِنْهَا المجتمع التونسي.

إِذْ مِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ ومُنْذ عصر فلاسفة الأنوار ـ الذّي وإنْ كان أنقليزي المَنْشإ فانّ تجذّره وانتشاره تحقّق في فرنسا وتحديدا على يَدِ فولتير وروسو وهُيُومْ وكانط ألماني الأصل ـ منذ ذلك العصر الذّي سَاهَمَ فيه تَطَوُّرُ مَلَكَةِ النّقد في التغييرات الكبرى التي عاشتها فرنسا وأوروبا بعامّة، وهذه القوّة الحضاريَة تُلقي بظلالها على بلدانٍ وحضارات أخرى إنْ سلبًا أو ايجابا.

وإنّ الحسّ السّليم يقتضي مِنّا الاقرار بأنّ التداعيات الاولى لفلاسفة الأنوار كانت ايجابية للغاية إذْ كانت الأساس الفكري لقيام المنظومة الليبرالية التّي تعالت فيها مكانَةُ الفَرْدِ وتخلّص تدريجيّا من سَطْوَة «التّبعيّة الايمانية والدّينية».. وهذا التّحرّر الفردي هو حَجَرُ الزّاوية في المنظومة القيميّة الليبرالية التّي كانت الديمقراطية مرحلتها العُلْيا رَغْمَ ما شاب هذه السّيرُورة مِنْ نَكَساتٍ وهزّاتٍ وتَراجُعاتٍ.

ولكن بالمُحصّلة إستطاعت الحضارة الغربية بِفِعْلِ الفِكْر التنويري أَنْ تَقْطَعَ مَعَ الاستبداد السّياسي والدّيني وَمَعَ ذلك بَقِيَتْ بعض رَوَاسِبِ هذه السّطوة السياسية والدّينية وإنْ اتّخذت أَشْكالاً جديدة ومُعقّدة أَحْيَانًا.

نجحت فرنسا والحضارة الغربيّة في الوصول بثورة القّديس طوماس الأكويني الى منتهاها فيما فشلنا نحن في ذلك مع إبنُ رُشد الذي سبق الأكويني في الطّرح رَغْمَ معاصَرَتِه لَهُ ـ ولكنّ هذا موضوع آخر ـ وكان منْ نتيجة النجاح الفرنسي والغربي أن انتشرت حركات الاصلاح في المجتمعات المجاورة لأوروبا وإن كان ذلك بدرجاتٍ متفاوتَةٍ..

وإنّ ما دَفَعنَا الى إسْتِحْضَارِ ماضي فرنسا المـُشرِقِ هو وُقُوفُنَا على عَدِيدِ المؤشّرات في واقِعِهَا الرّاهِنِ تؤكّد أنّ شيئا ما يَحْدُثُ في هذا البَلَدِ الذّي إرتبطنا به وبأفكاره مُنْذُ أَنْ اسْتَقَرَّ الرّأي عندنا بأنّ الديمقراطيّة هي السّلوك الأسمَى وهي مُستقبل الانسانية وهي حجرُ الزّاوية في مبدإ التّضامن الأممي وبين الشعوب والحضارات والدّول.

شيءٌ مَا يحدث في فرنسا التي هي مُقْبِلَةٌ بَعْدَ أَزْيَدِ مِنْ شَهْرين على خوض غمارِ الدّورة الأولى لانتخابات الرّئاسة، وهَذَا الشّيءُ يُوحِي بأنّ نظامًا قِيمِيّـًا، تُرَاثُه «عَصْر الأنوار» هو بصَدَدِ الإنْهيار...!

ونَحْنُ نُتَابِعُ الحملة الانتخابية الرّئاسية قَبْلَ إنْطلاقتها الرسميّة يوم 17 مارس المقبل يَزْدادُ يقينُنا كلّ يَوْمٍ بأنّ هذه المنظومة القيميّة التّي أَنْتَجَتْ الديمقراطية في أبْهَى تَجَلّياتِهَا بدأت بالتَّفـكُّكِ والانهيار.

وحيث أنّ الفكر التّنويري مَكّنَ فِرَنْسَا من القضاء على التّطرّف السّياسي والدّيني وفَتَحَ أمَامَهَا بَابَ احتلال المَنْطَقة الوسطيّة، تراءى لَنا هذه الأيام أنّ الطّاغي الآن أضحى التّطرُّف مِن اليَمينِ ومِنَ اليسار وهو تطرّف يَشْترِكُ طَرَفَاهُ في التنظير الذي تَفْصِلُهُ مَسَافَات ضوئيّة أحيانا عنِ الوَاقِعِ المُعاش..

وعلى مَدَى عشراتِ السنوات توقّفْنَا على عَدَمِ قُدْرة اليَسَارِ عُمُومًا على أقْلَمَةِ بَرْنامَج حُكْمٍ قَابِلٍ للتّطبيق بِحُكْمِ أنَّ الاشتراكيين كانت أَعْيُنهم دَوْمًا مَشْدُودَةً الى أقصى اليسار ولم يستطيعوا التّخلّص لذلك من الطوباويّة التي شابَتْ بَرامجهُم السياسيّة.. وهذه العيْنُ المُشدُودة الى أقصى اليَسارِ هي التّي أفرَزَتْ ـ فيما يبدو ـ مُرَشّحًا في الانتخابات الرئاسية المُقبلة قريبا من أقصَى اليَسَارِ هو «بنوا هامون»...

هامون هذا المرشّح الاشتراكي يكاد يكون في قطيعة برامجية مع جُلّ رموز الحزب الاشتراكي ومَعَ جُلّ نواب الحزب في الجمعيّة الوطنية (البرلمان)، وقد كانت الانتخابات التمهيديّة شاهدة على هذا التباعد الكبير في البرامج وفي وجهات النّظر وهو الأمر الذّي قد يُهدّد أَمَلَ الاشتراكيين في الوصول الى الدّور الثّاني لانتخابات الرّئاسة.

وانّ تَضَاؤُلَ هذا الأملِ تضاعف بفِعل ترشُّحٍ آخَرَ لشّخصيّة صنّفت نَفْسهَا في الوسط من دون تحديد إضافي، ايمانويل ماكرون هذا الذي كان وزيرا في الحكومة الحاليّة واشتغل قبل ذلك مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بنى استراتيجيته الاعلامية على الاختلاف مع الآخرين وخصوصا من اليسار وهو يَدَّعِي واقعية الطّرح وهو دائمُ البحث عنْ سندٍ في المنطقة الوسطى بين اليمين واليسار... وَلَمْ يُعْرَف لَهُ الى حدّ اليوم بَرْنامجًا واضِحَ المعَالِمِ وهو يتدرّجُ في استطلاعات الرّأْي مُستغلّاً أزمة التمثيلية في اليسار الاشتراكي تحديدا، ومآسي اليمين الكلاسيكي متجسّدة في «شُبهة فساد» تَعَلّقَت بذمّة فرانسوا فيون ما جَعلَ هذا الأخير يَفْقِدُ قرابة العشر نِقاطٍ في نَوَايَا تَصْوِيتِ الفِرنْسيين بما يُهدّدُ بجدّية وُجُودَ اليمين التقليدي في الدّور الثاني لانتخابات الرئاسة للمرّة الأولى في التّاريخ الحديث لفرنسا.

وخطورة هذا السّيناريو تَكْمُنُ في أنّ مَشْهَدَ انتخابات الرّئاسة في فِرنْسَا أضحى كالآتي مُرشّحة أقصى اليمين ماري لوبان أضحى وُجُودُهَا في الدّور الثاني منَ التّحصيل الحاصل والمقعد الثّاني يَتَنَافَسُ عَليه منطقيا كلّ مِنْ ايمانويل ماكرون بـ22 من نوايا التصويت حسب آخر استطلاعات الرأي وفرانسوا فيون بـ20 في المائة حسب ذات الاستطلاع وبنوا هامون بـ15 في المائة...

وقد نُسْأَلُ لماذا هذه التَفاصيل التي تبدو وثيقة الارتباط فقط بالشّأن الفرنسي؟؟ والجواب أنّ هذه التفاصيل هي على دَرَجَةٍ كُبرى مِن الأهمية لأنّها قد تكون تُؤَشّرُ على بداية النّهاية لنَمُوذَجٍ فِرَنْسِي مَارَسَ فِعْلَ السّحْرِ لأَحْقابٍ عديدة على دُولٍ ومجتمعات مِنْ كلّ أرْكَانِ الأَرْض...

وأيُّ شَأْنٍ أَخْطَرُ مِنْ أَنْ نتصوّر أنَّ الدور الثّاني في انتخابات الرئاسة الفرنسية سيكون مِنْ دُون وجود مُمَثِّلِي القوى السياسية والحزبية التّي مثّلت على مدى تاريخ هذا البَلَد الصّديق، الجِهَازَ العَصَبي للمنظومة المجتمعية التّي أنْتَجت قَيمَةَ الديمقراطيّة وقنّنتها وانصهرت فيها وجعلت مِنْها مُرْشِدًا سُلُوكِيّا للوطن والمواطن؟!

لَكَأَنّنا بدأنا نَشْهَدُ نهاية نَمُوذج فرنسيّ، إنْطَلَقَ بالتأكيد مِنْ مَوْرُوثٍ تَنْويريّ يُفترض أنّه سيؤدّي آليّا الى القضاء على الاستبداد السياسي والديني رغم أنّ مِنْ مفارقات الثورة الفرنسية أنّها أنتجت نقيض المنظومة القيمية التي بَشَّرَ بها فَلاسِفَةُ عَهْدِ الأنْوَارِ: نابليون بونابرت، ولكنّ هَذاَ النّموذج بدأت مَلاَمِحُ فَنَائِهِ تظهر للعيان..

وتلك التفاصيل الصغيرة التي تحدثنا عنها أعلاه، مِنْ غياب صراع البرامج الواقعية والاقتصار على الطوباويات مِنَ اليمين ومِنَ اليسار و«الانفلات الامني» مؤخّرا وما سَبَّبَه مِنْ شَرْخٍ في المواقف مِنَ الجهاز الأمني حيث تبايَنَتْ مواقف أقصى اليمين واليَسَار بين المساندةِ المطلقة للأجهزةِ الأمنيّة والإدانة المُطلقةِ لها وتَاهَتْ بَيْنَهُما المواقِفِ الوَسَطية النّقديّة التّي ميّزت أحْزَاب الحُكمِ في فرنسا، كلّ هذه «التّفاصيل» هي مؤشّرات جديّة على وُصُول النموذج الفرنسي الى مرحَلَةِ العجْزِ عَنْ إعادَةِ إنتاج نفسه واعادة انتاج منظومته القيميّة المُنْبَنِيةِ على فَلْسَفَةِ عهد الأنوار..

كَأنّنا نَشْهَدُ عمليّة ثأرية ينفّذها الموروث السّلبي للثّورة الفرنسية ضدّ العَقْل النّقدي الذّي أَنْتَجَ الدّيمقراطية الكونية على مَرَاحِلَ... وهذا التطوّر الدراماتيكي له أسبابه الكامنة في النّموذج الفرنسي ذاته..

إذْ وإضافَةً الى رواسب الاستبداد السيّاسي والدّيني التّي بَقِيَتْ كامنة في المجتمع الفرنسي والأوروبي عامّة، كان هذا النموذج الفرنسي مركزيّا بالأَسَاسِ حيث هُنَاكَ «باريس العاصمة والبقية صحراء» كَمَا يُقَالُ في فرنسا، والمركزيّة هُنَا هي مركزية السلطة والامكانيات والقرار..

وهو نَمُوذَجٌ أنْتَجَ فوارق كُبْرى إقتصاديّا وإجتماعيّا، وَلَمْ تنجح السّياسات المتعاقبة في الحدّ مِنْ هذه الفُوارق المُجْحِفَةِ بما رَاكَمَ على مدى الأحقاب حالات احْتِقَانٍ تُنْذِرُ بالانْفِجارِ في أيّ لَحْظَةٍ، وَلَمْ تكُنْ كَذلك المساواة أَمَامَ القانون ولا الحرّية المطلقة لتخفي الفوارق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وهْوَ الأَمر الذي نَجَمَ عَنْه ممارسة العنف في أَكثر من مرّة ومَوضع..

النموذج الفرنسي رَاهَنَ أيضا على الحُروب الخارجية وجَعَلَ منها جزءا لا يتجزّأ من منوال تنميته وذلك مُنذ نابليون وإلى الآن وذلك بقطع النظر عن طبيعة هذه الحروب، استعمارية كانت أم تحت عناوين أخرى كالحقّ في «التدخل الانساني» والحروب باسم »الشرعية الديمقراطية» وغيرها من العناوين..

وكلّ هذه النقائص والخصائص إخْتَمَرَت على مدى الأحقاب لتصل الى النقطة التي وجَبَ فيها التقييم وطرح الاسئلة الحقيقية، لأنه في غياب ذلك سنقول بأنّ فرنسا وَصَلت مَرْحَلَة العَجز الحضاري وأنَ العقل الفرنسي النقدي أَضحى في حالة مَوت سريري.

نَمُوذج نَرَاهُ يَتَرَنَّحُ وفيه الهامشيون من اليمين واليَسَار في حالة نشْوةٍ وآنتصار يخالون ذلك والحال أنّ كلّ شيء يُؤَشّرُ على دَمَارٍ قريب?!

نَكَادُ نرى أنْفُسَنَا فيما يحْدُثُ في فرنسا يمين يُهَرولُ الى فنائه ويَسَار يُريدُ أن يَحْكُمَ في ظروف مثالية وفوضويون يزرعون الخراب.. فهل انْعَكَسَتْ الآية وأَضْحَتْ فرنسا مهدّدة بعدْوى المثال التونسي الجديد ؟?!!

يفترض انّ هَذَا السيناريو هو مُستحيل التحقيق، لأنّ الإرث التنويري سيتفوّق قطعا على الجزء السلبي من الموروث.. وقَدْ بدأت بعد الأجراس تُقْرَعُ في المنابر والمقاهي والكنائس والمآذن وفي كلّ مكان تنَاثَرَتْ فيه بذُور فلسفة الأنوار..

وانّ المتابع لما يجري جرى في فرنسا بدأ يلاحظ أنّ عَدْوى الخوف من المجهول تمكّنت بأغْلَب الفرنسيين، بمَا جَعَلَ الأصوات العاقلة تتعالى وتطالب بأنّ الموروث النيّر يَعْلُو ولاَ يُعلَى عليه..

الأمل معقود على أنّ الديمقراطية ستدافع عن كيانها المهدّد وهو أَمر يَحدُثُ في فرنسا ويحدث في أمريكا وأمَلُنا أن يُصْبحَ واقعا تونسيا مُعَاشا.