الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بين التصعيد القطاعي والتهدئة المركزية ..

.. أو الطريق السريعة لتحقيق المطلب الأصلي ..!؟


بقلم: لطفي العربي السنوسي

في لقاء فكري نظمته جمعية «مراجعات» وجد وزير التربية ناجي جلول من الوقت والجهد ـ في أوج أزمته مع نقابة التعليم الثانوي ـ ليتحدث ـ وكان ضيفا رئيسيا على الجمعية ـ عن السلفية اليسارية والبداوة الفكرية واعتبرهما من أخطر ما يهدد الحداثة التونسية .. بل هي علل من علل النخبة التونسية وأقرّ في حديثه ان الكائن السياسي منقرض ـ بالضرورة ـ على خلاف المثقف فهو أبديّ بل هو يمنح الأبدية الى مجتمعه ..!

وتأسيسا عليه .. نضيف أن ما يحدث ـ اليوم ـ بين نقابة التعليم الثانوي أو بالاحرى بين اليعقوبي النقيب وجلول الوزير هو من قبيل «البداوة الفكرية» ومن صميمها تلك التي لا تتردد في ضرب كل مكتسبات الحداثة من أجل تحقيق مقاصد ضيقة ..

وبما ان جلول ضد البداوة الفكرية باعتبارها آفة وعلّة من علل النخبة فإنه بالتالي مؤهل ـ فكريا ـ باعتباره «عقلا» يفكر من خارج هذه «البداوة الفكرية» وباعتباره مثقفا حداثيا ان يضع حدا بل بامكانه الان ـ الآن ـ ان يحسم معركته مع نقابة التعليم الثانوي وان يترك لليعقوبي «البداوة الفكرية» التي يمقتها جلول ويعاديها فكما اعتذر السبت الماضي عن اساءته لرجال التعليم بامكانه ان يذهب الى أكثر من ذلك بأن يعلن ـ على الملإ ـ استقالته من الوزارة ـ طوعيا وبنبل ـ دون ضغوط وبعيدا عن ذاك الخطاب الذي يعلق اخفاقاته على «هيبة الدولة وشرفها» وبذلك يضرب كل العصافير بحجر واحد فيحفظ مصداقيته وكل ما حققه سياسيا ويكسب ـ ايضا ـ تعاطف الرأي العام وقد يرفع فوق الرؤوس لو يدرك ..؟

لقد وصلت المعركة اليوم الى منتهاها بين نقابة التعليم الثانوي ووزير التربية ناجي جلول... ويبدو أنّ ما يحدث في الكواليس أكبر من الرجلين ـ جلول واليعقوبي ـ.. فحكومة الشاهد لن تخذل الأيادي الممدودة لاتحاد الشغل الذي لم يخف ـ بدوره ـ عزمه على مساندة الحكومة والذهاب عميقا في التهدئة.. واتحاد الشغل لن يخذل نقابة التعليم الثانوي ـ في العمق ـ ولن يترك اليعقوبي ـ وحيدا ـ.. وكل ما يحدث اليوم انما يتوزّع تكتيكيا..بين المعلن للرأي العام والمخفيّ عن الرأي العام.. فاتحاد الشغل رفض ـ تكتيكيا ـ تعليق الدروس واختار التهدئة بما يتلاءم مع اتفاقات بينه وبين الحكومة ويبدو ـ من خلال المعلن والظاهر ـ لكأن الاتحاد قد دخل في معركة مع واحدة من أكبر نقاباته القطاعية برفضه قرار تعليق الدروس لكن المتأمل في «بيان السبت» الذي أصدره الاتحاد يدرك أنّ المعلن لا علاقة له بالمخفيّ، فاتحاد الشغل متمسك بالمطلب الأصلي لنقابة التعليم الثانوي أي إقالة الوزير اليوم أو غدا... ولا مفرّ من ذلك.. وهو ـ هنا ـ إنّما يرمي رميتين :

الرمية الأولى موجهة الى نقابة اليعقوبي وفيها رسالة واضحة مفادها ان المركزية النقابية لن تتخلى ـ أبدا ـ عن المطلب الأصلي لنقابة الثانوي (اقالة الوزير) فقط ـ هناك ـ خلاف اجرائي في أشكال التحرك وقد تجد المركزية خلال الساعات القادمة ما هو أنجع من تعليق الدروس وما يرضي اليعقوبي نهائيا.

الرمية الثانية موجهة الى السيد يوسف الشاهد رئيس الحكومة وفيها رسالة واضحة أيضا وهي ان الاتحاد لن يتراجع في خيارات التهدئة كشكل من أشكال الإسناد للحكومة حتى وان دفعه ذلك الى الاصطدام مع نقابة في حجم نقابة التعليم الثانوي وبالتالي فإن الكرة في ملعب الشاهد المطالب ـ بدوره ـ بالتحرك تجاه تحقيق المطلب الأصلي أي اقالة جلول ونعتقد أن موضوع الاقالة قد حسم في انتظار التوقيت وتاريخه... وقد يجيء بعد الانتهاء من قرار تعليق الدروس وبعد التوافق بين المركزية النقابية ونقابة التعليم الثانوي ... وفي قول اليعقوبي تكمن التفاصيل «يخطئ من يعتقد انه بالإمكان ارباك الاتحاد على أساس الخلاف حول تعليق الدروس ونرفض كل أشكال التجريح والشتم لأعضاء المركزية فالمنظمة الشغيلة محتاجة الى الوحدة والى كل ابنائها». واعتبر اليعقوبي ان الخلاف حول تعليق الدروس مع المركزية النقابية انما هو شأن داخلي سيقع حله بالتوافق ومن داخل أطر الخيار الديمقراطي...

وكما يبدو جليّا فإن اتحاد الشغل يتحرك على أراض يعرفها جيدا... يتحرك بين التصعيد القطاعي والتهدئة المركزية ـ كخيار ـ ليكسب ـ في الآخر ـ المعركة الأصلية وليحقق المطلب الأصلي أي اقالة جلول بأخف الاضرار...

جلول الوزير ما يزال يتحرك على أساس حزبي فهو يعتقد بأن نداء تونس بامكانه ان يسنده وان يدافع عنه حتى يستمر... وهذا معطى غير جدي للوهن الذي عليه النداء وضعف ثقله لدى رئيس الحكومة (خاصة بعد واقعة التسريبات) كما أنه يتحرك متمسكا بشعار «هيبة الدولة وشرفها» ففي اقالته سقوط لهذه الهيبة كما يقول وهذا أيضا معطى غير صحيح وغير جدي فالوضعية التي وصلتها المنظومة التربوية وترديها الى مستوى حضيض هي التي من شأنها ان تضعف الدولة وان تنزع عنها هيبتها... فالهيبة الحقيقية هي في الحسم السريع والناجع لكل ما من شأنه أن يعطل أو أن يربك مؤسسات الدولة والمدرسة العمومية هي واحدة من أهم هذه المؤسسات.

لذلك كله نقول لوزير التربية أنه كما اعتذرت بنبل لا ضير في ان تستقيل بنبل بما يحفظ لك مكانتك السياسية وبما يعليك لدى الرأي العام فالاستقالة اليوم خير من الاقالة التي تطبخ ـ بسرعة ـ على نار هادئة... وقد يحسب لجلول ـ لو استقال ـ أنه اختار نزع الفتيل وسيقال من بعده أنه بادر بذلك من أجل ابنائنا ومن أجل المصلحة الوطنية ما يفتح له الأبواب شاسعة لاعادة ترميم مساره السياسي....