الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بيان حركة النهضة في ذكرى الاستقلال

انتقائية المرجعيات... وازدواجية المواقف



بقلم: خليل الرقيق

من المؤكّد أنّ حديثا عظيما كاستقلال تونس يمكن أن يقرأ من زوايا مختلفة، وربما بتقييمات تتباين فيها المرجعيات الفكرية، لكن المؤكد أيضا أن هناك محورا مشتركا يجعل من 20 مارس 1956 مفخرة لكل التونسيين من مختلف الانتماءات، إذ لا خلاف بينهم حول مركزية الحدث في دلالته أولا على السيادة، وثانيا على الدولة الحديثة، الا اذا كانت الدولة الحديثة في المفهوم والمرجعية والتصور مرفوضة من البعض... والبعض هنا يخص من تمكن في ذهنه الخلط بين معركة الحرية في بعدها الواسع، ومعركة «الهويّة» في أضيق زواياها.

أصدرت حركة النهضة ـ والتي من المفترض أنها «جدّدت» تصوراتها بناء على المتغيرات ـ بيانا بمناسبة الذكرى 61 لاستقلال تونس، وفيه بدءا من الديباجة وصولا الى المضامين، ضروب من الالغاز والغموض، حتى أنّك تلمح تداخلا بين المحاور، لا تفرق معه بين أطياف الذاكرة الوطنية.

في مقدمة البيان المذكور جملة واحدة تدلّل على الحدث المركزي ـ الاستقلال ـ «يحيي الشعب التونسي اليوم الذكرى الحادية والستين لاعلان الاستقلال يوم 20 مارس 1956...» وبعد هذه الجملة مباشرة، وبلا تمهيد ولا تدرّج، تم المرور الى التذكير بـ«ست سنوات من ثورة الحرية والكرامة تحققت فيها مكاسب وخطوات عديدة...»، والمشكلة هنا ليست الاسترسال في سرد مكاسب «الثورة»، لأنها تتأطر أيضا ضمن الذاكرة الوطنية، وضمن منعطفاتها الكبرى، بل هي القفز على مناسبة القول واختزالها في جملة إخباريّة مجرّدة، وهي التي تحمل في الواقع المحددات الجوهرية للحالة الوطنية التونسية كونها مرتبطة بلحظة تاريخية فارقة حوّلت تونس من حقبة الاستعمار والتخلف الى حقبة الاستقلال والتحديث.

لماذا هذا الاختزال الغامض، هذا أمر قد نعثر له على ملمح في ثنايا البيان. وقبل ذلك، لا يمكن أن نمرّ على بعض المحاور الفرعية (والتي تمّ حشرها داخل البيان في هيئة ثنائيات ضدية)، دون أن نلاحظ ذلك الإبهام المحيط بها.

المصالحة... والبلديات والازدواجيات...

تضمّن بيان حركة النهضة نقطة يحيل ظاهرها الى تمسّك مبدئي بفكرة المصالحة كآلية لتجسيم الوحدة الوطنية، لكن التأمل في الجزء المعطوف على «المصالحة الشاملة» يعيدك من جديد الى قلب الازدواجية التي توشح بها خطاب الاسلاميين على امتداد عقود. لقد وردت كلمة المصالحة متبوعة بشرط هو كما يلي «على قاعدة المواطنة والعدالة الانتقالية»... وهنا نقف عند المفارقة الكامنة في عمق الخطاب: مجاراة المجهود الرسمي لشيخ النهضة والمرتبط بالتزام «توافقي» مع الرئاسة يجرّه إلى التماهي مع مبادرتها التشريعيّة حول المصالحة، ثم وبالتزامن مجاراة فكرة «العدالة» على قياس هيئة بن سدرين، والتي كانت الحركة أوّل من نسج خيوطها على قياس أغراضها الخطيّة الضيّقة.

والواضح هنا أن المسارين متضاربان في المرجعية والهدف، فمسار المصالحة الشاملة يستوجب الخروج مطلقا عن فكرة الانتقائية، والخروج مطلقا من صفحة الأحقاد القديمة، أما مسار هيئة بن سدرين، فهو الانحياز لعدالة «مجتزأة»، وممارسة «تحكيم» لا يتوافر على عنصر الحياد.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تم تخصيص نقطة «مبهمة» للحديث عن الانتخابات البلدية، لا فقط من جهة أن المطالبة بالتسريع بموعد الاستحقاق تناقض ما سبق من تعطيل متقصّد مارسته الحركة عبر تمطيط النقاش في موضوع الأمنيين والعسكريين، بل أيضا من ناحية تلك الإيماءة الغامضة «تنظيم الانتخابات المحلية قبل موفى السنة على قاعدة سياسة التوافق التي ميزت التجربة التونسية».

ولسنا ندري هنا ما الرابط بين التوافقات، فالتنظيم على ما نعلم لا يخضع إلا لقاعدة الشفافية والحياد، أما التوافق فنتيجة سياسات تخص الأحزاب ولا تخص الهيئة المنظمة.

وفي الواقع، قد تقودنا هذه الجملة المبهمة إلا تأويلات شتى منها «القائمات المشتركة» مع حركة نداء تونس، أو غيرها، لكن الأكيد أنها جملة حمالة أوجه، تحوم في فضاء الزئبقية السياسية المألوفة لدى فريق مونبليزير.

لماذا لا يعترفون بزعماء الاستقلال؟؟

نأتي الآن الى النقطة الأكثر إثارة للتأويل، والأكثر إبهاما، وهي المحور المتعلق باحتفالية استقلال تونس، والذي ورد كما يلي :«تثمين كل الإنجازات والمكاسب التي تحققت منذ الاستقلال بجهود الإدارة وخبراتها، ومبادرات رجال الأعمال وتفاني العمّال، ومساهمات المنظمات وكل التونسيات والتونسيين» كلام «جميل» لولا أنه غيب المهم، إذ لا بناء بدون أساس، والأساس في الحدث هو جيل الاستقلال، من زعماء حركة وطنية ونخب سياسية ومقاومين، ومناضلين.

إن الإدارة التي أشادت بها الحركة هي منتوج عقل رموز الاستقلال، والخبرات ورجال الأعمال والمنظمات، والمنجزات كلها كانت إفرازا لمشروع الدولة الحديثة الذي صاغه بناة الاستقلال أي بورقيبة ورفاقه من الدساترة والنقابيين والكفاءات الوطنية في شتى المجالات.

وإذ لا يمكن مهما بلغ الخلاف الإيديولوجي حده أن ينكر أي حزب أو منظمة وطنية فضل هؤلاء الرموز في صياغة لحظة الاستقلال التاريخية، فإن الغريب فعلا هو أن حركة النهضة تخاتل امتدادات جيل الاستقلال في الحاضر بعقلية المقاسمة السياسية، وتغيبهم من الماضي بعقلية العداء الإيديولوجي المستحكم. وهذا فعلا تداخل في المرجعيات يحيلنا الى وجهين لحركة واحدة، وجه حركة تحكم في الراهن جنبا الى جنب مع تعبيرة تعلن انتماءها الى الإرث البورقيبي، ووجه حركة لم تغادر ذهنيا منطقة الماضي، حيث اشتعلت معركة «الهوية» بينها وبين بورقيبة، وحيث أعلنت عن عدائها لمقومات دولته الحديثة بدافع أنها «لائيكية».

لا توجد في بيان حركة النهضة جملة واحدة تتحدث عن زعماء الاستقلال، ولا عن المقاومين، وهذا يعني أحد شيئين: إما أنها تناست ذلك من باب «الغفلة التاريخية» وإما أنها غيّبته من باب التضارب المطلق مع الأرضية الفكرية والسياسية لدولة الاستقلال، أي أنها ما تزال مسكونة بالجينات الذهنية للمرجعية الإخوانية.

ولعل تعويم الاستقلال كذكرى داخل أحداث أخرى ومنها انتفاضة 14 جانفي والبلدية و«دستور الثورة» و«إرساء المؤسسات» يدل بقوة على أنه المعطى المغيّب والغائب في ذهن حركة بنت نشأتها التاريخية على أرضية مضادة لبناء الدولة الحديثة.

وفي الحقيقة، لم نلمح في البيان الإحتفائي المبهم أي أثر لما أسمي بالمراجعات التي باشرتها الحركة، تناغما مع وضعيتها الجديدة صلب «المنظومة التوافقية»، ونكاد نرى نفس الجوهر المتناقض مع مرجعية دولة الاستقلال، والتي قامت على ركائز التحديث الذي رأى فيه الإسلاميون «بدعة» و«ضلالة».

التاريخ مرّ بـ 14 جانفي 2011 هذا صحيح، لكنه لم يبدأ في 14 جانفي 2011، وفيه من المحطات ما هو حري بعدم التغييب أو التعويم، أو التسطيح المتعمّد. ويمكن القول أن حدث الاستقلال هو أب كل المحطات الكبرى في تونس، وأن رموز الاستقلال ـ المغيّبين في بيان حركة النهضة ـ هم بناة الإنجازات المضيئة، فلماذا انتقائية المرجعيات، وازدواجية المواقف؟