الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الحرّية كاملة... أو لا تكون

الإعلام في مواجهة «بيت الطاعة»



بقلم: خليل الرقيق

تقدم الساحة الإعلامية في هذه الفترة على استحقاقات كبرى منها تكوين مجلس الصحافة كهيكل للتعديل الذاتي، وعقد مؤتمر النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أيام 19 ـ 20 ـ 21 ماي القادم...

والحديث عن الإعلام التونسي خاصة خلال السنوات التي تلت انتفاضة 14 جانفي 2011، يمر بمسالك متشعبة، ومكتنفة بسياقات صراع لا يتوقف بين تطلع الحرية الكاملة وضغط «الحرية المنمطة» المبرمجة على قياس الأطماع السلطوية في تطويع منصات التعبير المختلفة لصالح الأجندة السياسية.

قبل الحديث عن الصراع اليومي مع «الحرية المنمّطة»، لا بد من المرور بما حصل من تفاعلات داخل البيت الإعلامي ذاته، ففي نفس اللحظة التي خضع فيها الجميع لاحتواء اللحظة «الثورية»، وربما سحرها، تداخلت وسائط المعلومة وتشابكت فيها الروافد المؤثرة، ومنها دخول «الميديا الجديدة» بقوة على ساحة الفضاء الافتراضي، وبقدر ما كانت جرأتها أخّاذة ومؤثرة، بقدر ما كان سقوطها في فخ الاحتواء سهلا.

ويعتبر الدكتور الصادق الحمامي في هذا الصدد أن «الميديا الجديدة تتشكل في سياق آليات الحوار والابتكار، إذ تتيح نشاطات وأشكالا جديدة من الظهور، وتفاعلات مستحدثة، وهي تساهم على هذا النحو في التغيير الثقافي، لكنها تخضع للاحتواء السياسي والاجتماعي والثقافي».

لقد مرت هذه التعبيرات بعد 14 جانفي 2011، بكل النطاقات، دون أن تكون مضبوطة بما يفرض على الإعلامي المهني من ضوابط أخلاقية وموضوعية وقانونية، فأنتجت كل شيء، من أول منابر الشباب الثائر على «الأب السلطوي»، والفاعل في مجريات الساحة المطلبية والاحتجاجية، الى اخر الشباب المجند افتراضيا ثم واقعيا في مستنقع التكفير والعنف والإرهاب...

لكن حاجة البلاد الفعلية لصحافة الرأي والعمق المعرفي، والفعل الوظيفي ظلت أكيدة، وما إن خفت صوت الانبهار والاحتواء والانفلات، صار للإعلام المهني الذي حورب بكل الطرق دور تاريخي في انتشال تونس من مخطّط رهيب استهدف جوهر الدولة المدنية العصرية.

تقول الإعلامية اللبنانية ديانا مقلد «في السوسيال ميديا نعيش ما يشبه احتضار النص والكلمة لصالح تضخم دور الفيديو والصورة، بات الكل ينحاز للكلمة اللمّاحة المختصرة لا الى المطولات النقاشية المعمقة، ومع هذا لا يمكن لأي تطور مهما كان، أن يجرّد الصحافة من دورها الأساسي» وفعلا، لم تمنع الآلات السياسية الرهيبة التي انحشرت في لعبة المحامل الدعائية، أن تطمس دور الإعلام الحقيقي في الإفلات من لحظة النمذجة وفق منهج الاستبداد الجديد.

وإذا تحدثنا عن الإعلام السياسي تخصيصا، باعتباره لصيقا بالعملية السياسية، متأثرا بها ومؤثرا فيها، فإننا سنتحدث عن مرحلتين، إذ مرّ هذا الإعلام بوجهي المعادلة.

كان «إعلام ثورة» بالمعنى التفاعلي الانطباعي الأول، فانخرط كما قطاعات أخرى في عملية تماه أفلت فيها الخيط الناظم، كان الإعلام في الفترة الأولى لانتفاضة 2011 ابن اللحظة، لأنه واكب بداياتها بكثير من المماهاة، وربما الإنفعال، واكب انفلاتاتها فانفلت، الى مناطق أخرى غير المعلومة الموضوعية، وواكب إنجازاتها فراكم مادة متنوعة ذات مضمون تعدّدي، وظل ميّالا في كل ذلك الى هامش من الاستقلالية، رغم أن بعض فروعه ذهبت مطواعة الى التورّط (بالمعنى الحزبي الضيق) فلم تصمد طويلا.

ونأتي هنا الى الطرف الثاني من المعادلة، فكون التعبيرات الإعلامية على الفضاءين الافتراضي والواقعي (صحافة الكترونية ـ صحافة مرئية ومسموعة ـ صحافة مكتوبة)، قد رفضت في أغلبها الانزواء داخل ماكينة الأحزاب، فهذا يعني أن هناك ثورة إعلام قد انبثقت عن «إعلام الثورة» أو هي تمردت عليه أصلا لترسم طريقا آخر، فإذا كان «إعلام الثورة» يعني مادة تستند الى خلفية من صنع الحدث السياسي أحزابا ومنظمات فإنه بهذا المعنى قد فشل في الوصول الى نبض الشارع، ولنا أن نلاحظ شبه اندثار العناوين الإعلامية المتحزبة، والتي لم يبق منها ربما سوى جريدة يتيمة وقناة يتيمة منحازة إلى حزب ميسور اسمه حركة النهضة وغير قادرة على الاشتغال الذاتي دون دعمه ورضاه.

لم تصمد في النهاية سوى المادة الإعلامية الرافضة للإصطفاف وربما تواصل وفقا لذلك الصراع المزمن بين السلطة والإعلام.

تواصل الصراع بقوة في الحقبة التي تلت انتخابات أكتوبر 2011، وسرعان ما تحول ما كان يسميه أصحاب غنيمة السلطة بإعلام الثورة الى «إعلام عار» تنصب أمامه محاكم التفتيش، وتسدّ أمامه الأبواب بعضلات الروابط المفتولة (انظر ما أسمي باعتصام إعلام العار زمن حكم الترويكا).

كان زمن التضييق ذاك نقطة انبعاث جديد للإعلام السياسي التونسي، فصار مجندا بكل فروعه من السوسيال ميديا الى الجرائد الى الإعلام المرئي والمسموع لفضح التجاوزات في حق حرية التعبير، بل كان أول من نبه الى تسلل التعبيرات اللامدنية الى الحالة الانتقالية، وتهيكلها في شكل ميليشيات «ثورجية» حينا، و«جهادية» حينا آخر... ظل الإعلام في تلك المرحلة الحارقة مفتوحا لأصوات الرفض ونذكر هنا على سبيل المثال، تلك المساحة الاعلامية التي فضح فيها الشهيد شكري بلعيد مخطّط تسريب السلاح الى تونس قبل يوم فقط من استشهاده...

نعود الى كلمة البداية «لا يمكن لأي تطوّر مهما كان أن يجرد الصحافة من دورها الأساسي»، لقد انهزمت الآلات الدعائية الضخمة لحكام تلك الفترة أمام إصرار السلطة الرابعة، نفس السلطة التي لعبت الدور المحوري، وربما رقم 1، في قيادة الوعي المضاد للاستبداد الجديد، وصولا الى اعتصام الرحيل بباردو، ولحظة الحوار الوطني المفصلية.

انها الفترة التي انهزم فيها الاعلام المتحزّب رغم تسخيره لجيش افتراضي بأرقى التكنولوجيات الحديثة.

لقد كان هناك وعي داخل نشطاء المجال أن الاعلام تقدمي بالضرورة، مضاد للتخلف بالضرورة، وأن دخول بعض الاسقاطات عليه لن يمنعه من مواصلة الرسالة.

لنذكر جيدا ماذا كان أداء الإعلام السياسي بعد خرق المعاهدات الدولية وتسليم البغدادي المحمودي الى السلطات الليبية...

لنذكر جيدّا كيف صار الاعلام والاعلاميون هدفا لنفس السلطة، وكيف تهدد نشطاؤه بالتصفيات الجسدية...

صار هناك ثورة اعلام، ما في ذلك شكّ، رغم أنها اكتنفت ببعض انفلات من هنا وهناك، وببعض مقاربات سطحية عمدت الى تشخيص الصراعات دون التعمق في أبعادها الفكرية والاستراتيجية.

وها نحن اليوم في 2017، نواكب تضييقا آخر على الصوت والكلمة والصورة، فالأحزاب التي كانت مختلفة، وصارت مؤتلفة، قادها منطق الحاكم الى فرض الرقابة، وحجب البرامج والتوجيه والضغط (انظر ما حدث في قناة حنبعل).

نحن لا نملك في تونس اعلاما سياسيا نموذجيا، هذا صحيح لكننا تمكنا من المقدمات الأولى لذلك، وأولها أن الحاكم الحقيقي على الصحفي هو ضمير الصحفي.

لا نملك ذواتا ملائكية تقدم نفسها قربانا لمصالح الشعب، لكننا نملك نواة لتجربة طرق جديدة في النهوض بالرسالة الاعلامية خارج بيت الطاعة.

ولو تقدمنا في ذلك عبر كل المحامل، دون أن نكون جزءا من تراكمية البؤس، بؤس الخطاب وبؤس اللغة، سننجح في ذلك..

يقدم الاعلام التونسي اليوم على الاستحقاقات الكبرى الهيكلية والتنظيمية، وهو محمّل بمفخرة الفعل التاريخي في اللحظة المضادة للاستبداد الجديد، ومجهد بتحديات الاستمرارية في زمن ضاق فيه الخناق المادي على الصحافة الجادة، في مجاليها العمومي والخاص. لقد قدم لتونس رغم كل السلبيات والأخطاء مراكمة هامة في مجال الحرية، ولم يغنم من اللحظة ما غنمه آخرون تعاطوا معها على سبيل الفرصة أو «التعويض» والمعركة متواصلة، طالما هناك من يرغب في التطويع والترويض، ويشهر سيف العقاب في وجه الكلمة الحرّة.. المعركة متواصلة، لأن الحرية كاملة... أو لا تكون.