الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ما تبقّى من وثيقة قرطاج لم يعد يفي بالغرض:

التحوير القادم قد ينسف التّوافقات


بقلم: محمد بوعود

ما عاشته الساحة السياسية خلال فترة الاحتجاجات الاخيرة، ابتداء من أقصى الجنوب في الفوّار والكامور، وصولا الى قلب العاصمة في شارع بورقيبة وتحت قبّة البرلمان، أظهر عدة حقائق يحاول الكثيرون إخفاءها أو التستّر عليها، خصوصا اذا ما تعلّقت بالتماسك الداخلي للحكم، أو ببدايات التصدّع داخل التركيبة الحكومية نفسها، بعد أن لم تعد خافية مسألة انتهاء وثيقة قرطاج كمرجعية عليا للحكم، والتي لم تعد موجودة الا في أذهان من لا يريد أن يصدّق أنها انتهت منذ الجولة الاولى من مفاوضات المحاصصة وتوزيع الحقائب.

 

فالوثيقة/المبادرة التي أراد واضعوها أن تكون سقفا أعلى يجتمع تحته طيف واسع من المشهد السياسي، ويلتقي حول أهدافه أكبر عدد ممكن من قادة الاحزاب والتيارات السياسية، يبدو أن ما بقي منها اليوم لم يعد يفي بالغرض، واصبح لزاما على القائمين عليها ومن وضعوا اسسها أن يعيدوا التفكير في كيفية تعويضها أو على الاقل بثّ الروح فيها من جديد، خاصة وانها قد فقدت بريقها منذ زمن، وتحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى الى مراجعات، سواء من حيث هيكلتها سياسيا وتنظيميا كوثيقة مرجع حُكم، أو تدعيمها بأفكار ومبادرات جديدة من شأنها أن تجمّع حولها الفاعلين السياسيين من جديد.

فقد كانت الجولات التفاوضية حول توزيع الحقائب الوزارية بعد ازاحة السيد الحبيب الصيد وبداية تقاسم النفوذ في الحكومة الجديدة، بداية الانقسام الحقيقي في الوثيقة نفسها، وكان خروج السيد سليم الرياحي وحزبه انذارا مبكّرا بأن هذه الوثيقة ليست مرجعا أعلى كما أراد واضعوها، ثم تلته ضربة أكثر عنفا وقساوة هي خروج السيد محسن مرزوق ومشروعه، ثم ما أعقبه ونتج عنه من خروج أيضا لسائر الطيف الذي ذهب فيما بعد مع السيد محسن مرزوق الى جبهة الانقاذ، كالحزب الاشتراكي وحزب العمل الوطني وحزب الثوابت وغيرها من التيارات الاشتراكية اليسارية التي كان تواجدها حول المبادرة يشكل نوعا من المشروعية التي كانت ستفتقدها لو بقيت حكرا على الحزبين الحاكمين، النهضة والنداء.

آخر الملتحقين برتل الانسحابات، والذي لم يعلن ذلك صراحة، لكن اعتراضه على تصرفات حكومة الوحدة الوطنية، وخصوصا على مبادرات رئيس الجمهورية وآخرها إعادة عرض قانون المصالحة الاقتصادية من جديد على مجلس نواب الشعب، هو الحزب الجمهوري، وحزب المسار، واللذين جعلا حكومة الشاهد في وضع حرج، لا تُحسد عليه، باعتبار أن السيد الشاهد لأول مرة يجد نفسه يجلس في مجلس الوزراء مع وزيرين يقومان بوظيفتهما في صلب الحكومة في الوقت نفسه الذي يتظاهر حزباهما في الشارع ضد هذه الحكومة ويتهمانها بالفساد والعجز ويطالبان بإسقاط مشروعها الذي تبنّته عن رئيس الجمهورية.

السيد عصام الشابي أكد خلال الأسبوع الحالي في عديد التدخلات الإذاعية والتلفزية أنه ماض في معارضة قانون المصالحة الاقتصادية، وأن حزبه يقف جنبا الى جنب وفي طليعة القوى المطالبة بسحب هذا القانون، وبمحاسبة الفاسدين ومكافحة الفساد، ويرى ان السلطة السياسية الحاكمة الان غير جادة في هذا الموضوع، وان كان يدافع عن بقاء حزبه في حكومة الشاهد ويعتبر ان تحميلها مسؤولية الفشل هو توزير لها بهنّات ليست من أوزارها.

لكن بالمقابل اشتدت هجمات المكلف بالشؤون السياسية في حزب نداء تونس السيد برهان بسيس على حزب عصام الشابي، واعتبره يلعب على الحبلين، ويتعامل بمنطق «ساق في الحكومة وساق في المعارضة» بل اتهمه بازدواجية الخطاب، وبتغيير المواقف، وقال بالحرف أن عصام قد جنى على الوزير اياد الدهماني، وما على هذا الاخير الا ان يوضّح موقفه نهائيا وبشكل صريح ولا لُبس فيه.

وزير آخر لا يقل موقفه حرجا عن اياد الدهماني، وهو السيد سمير الطيب وزير الفلاحة، الذي نزل حزبه، حزب المسار، الذي هو في نفس الوقت ممثله في الحكومة وأمينه العام، نزل الى الشارع يوم السبت الفارط وطالب بسحب قانون المصالحة الاقتصادية، وهو ما اعتبره حزب نداء تونس أيضا يدخل في باب «الانتهازية السياسية»، ويفتح الباب على جميع الاحتمالات.

احد أبرز الاحتمالات الواردة في هذا المجال هو التحوير الوزاري، الذي تقول مصادر شبه مؤكدة انه لن يتجاوز نهاية شهر جوان القادم، وأنه سيكون واسعا وسيشمل عديد الوزارات سواء التي هي شاغرة الان او وزارات أخرى، يبدو أن «رؤوسها قد اينعت وآن قطافها» كوزارة البيئة والجماعات المحلية التي يعاني وزيرها السيد رياض المؤخر مشاكل كبيرة في الاتصال والاعلام، حيث سُجّلت عليه في الاشهر الثلاثة الاخيرة، عديد الهفوات الغريبة، والتي يبدو أنها تسارع باخراجه من الوزارة، ولن يقع تعويضه بوزير من آفاق تونس، نظرا لان النية تتجه لدى صانعي القرار في نداء تونس تحديدا، بأن يكون تقاسم الحقائب مطابقا للحجم الانتخابي لنتائج 2014 ما يعني ان افاق تونس سيخسر مكان المؤخر ليعوّضه اما وزير من النهضة أو من النداء، وهذا الاخير هو الاقرب، نظرا لحجم الرهانات الانتخابية القادمة التي تبرز فيها خطورة وأهمية وزارة الجماعات المحلية بالخصوص.

في الوقت نفسه يبدو أن رحيل السيدين اياد الدهماني وسمير الطيب بات أمرا شبه مفروغ منه، خاصة بعد عشية السبت الفارط في شارع بورقيبة، وهو ما يعني عمليا انتهاء مصطلح حكومة الوحدة الوطنية وتعويضه مرحليا بحكومة التوافق الوطني او الائتلاف الحكومي، بين حزبي النهضة والنداء، ومن قد يلتحق سواء بقي آفاق تونس بعد أن يخسر موقعا أو اثنين، وسواء التحقت أحزاب أخرى بالتشكيلة الحكومية.

مراقبون لا يستبعدون ان تسلك السيدة ماجدولين الشارني ممرّ المغادرين، خاصة وأن أداءها لم يقنع الى حد الان، رغم أنها في وزارة تبدو متوتّرة طيلة السنة، وأصبحت مسابقاتها محط أنظار الرأي العام الوطني كل أسبوع وأحيانا مرات عديدة في الاسبوع، وهي وزارة الرياضة، التي عاد الكثيرون من خُطّابها الى حضن نداء تونس، وقد يطلبون يدها من جديد، وقد يكونون عادوا أصلا من أجلها.

أما فيما يتعلق بوزير التجارة والصناعة السيد زياد العذاري، فرغم ما قيل مؤخرا حول دعمه اللامشروط للسلع التركية على حساب صناعاتنا المحلية، ورغم ما قيل ايضا عن مسألة خردة الحديد في منزل بورقيبة وغيرها الا ان التسريبات من أروقة الحكومة تقول ان الرجل لا يزال مدعوما من قبل مونبليزير بكل قوة، وقد لا يتجرأ الشاهد على تغييره حتى لو توّفرت لديه بدائل أكفأ وأهمّ.

في نفس السياق تتحدث التسريبات ايضا عن غضب من القصبة على وزير الداخلية خصوصا بعد عملية سيدي بوزيد الاخيرة والتي لم يعلم بها الوزير الا من وسائل الاعلام، وما يُقال عن خروقات في مكتبه جعلت القائمين على مكافحة الارهاب يتكتّمون كثيرا على العمليات الاستباقية بالخصوص، كما يتحدث الكثيرون عن عودة التوتر بين بعض رؤساء الفرق والمصالح داخل الوزارة، وحتى عن نبش في الملفات من قبل مسؤولين كبار سابقين في الوزارة.

في الوقت نفسه تبدو أوضاع وزراء الخارجية والدفاع والعدل والتعليم العالي وكتابة الدولة لاملاك الدولة مستقرّة نوعا ما، مع ما قد تدفعه السيدة وزيرة الصحة من ثمن لاخطاء قد تكون ساهمت فيها وقد تكون ضحية مخلفات من سبق، لكن مصيرها في الوزارة يبقى رهين توافقات حزبها مع الحزبين الاغلبيين، وبالخصوص مع قصر قرطاج، الذي يبدو أنه يفكّر في مرحلة جديدة، ومبادرة جديدة، بعد أن أصبح المتبقي من وثيقة قرطاج لا يفي بالغرض.