الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية


تحقيق
بين ارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاجية

هل الحلّ في الزيادة في الأجور؟!



إعداد: شكري بن منصور

من المنتظر أن يقع قريبا تفعيل الزيادة في الأجور في القطاع الخاص التي يختلف الخبراء في تقييم تأثيراتها على المؤسسات والوضع الاقتصادي العام . فالصعوبات التي باتت تعيشها أغلب المؤسسات عديدة مما قد يجعل هذا الإجراء يمثل عنصرا إضافيا لإغلاقها على اعتبار أنها عاجزة أصلا عن الإيفاء بتعهداتها تجاه أجرائها ومهددة اليوم بالإفلاس وخسارة المزيد من مواطن الشغل. كما أن المؤسسات العاملة في مجال التصدير قد تتضرر بدورها من هذه الزيادة لما لها من تأثير مباشر على تنافسيتها على المستوى الدولي. وفي هذا الإطار أكد خبراء المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية أنّ عديد المعطيات ومن ضمنها كتلة الأجور أثّرت على مستوى نوايا الاستثمار التي أصبحت تتسم بالضبابية، كما أفادت تحاليل المعهد باعتزام ٪37 من المؤسسات الاقتصادية التونسية فحسب القيام باستثمارات في المدى المتوسط ​​والبعيد مقابل إقرار ٪49 من رجال الأعمال بترددهم في هذا المجال و استبعاد ٪14 من أصحاب الشركات ممّن شملتهم عينة التقرير كل إمكانية للاستثمار.

فما هي تأثيرات الزيادة في الأجور على المؤسسات وهل ستساهم في النهوض بالوضع الاقتصادي ؟

الطيب السويسي رئيس الجمعية التونسية للدفاع والحفاظ على المؤسسة اعتبر أن الزيادة في الأجور في القطاع الخاص لا تمثل الحل الأمثل للوضع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد حاليا. فالزيادة التي وقع الاتفاق عليها في حدود 7 % ستتم في ظرف اقتصادي عالمي صعب وكذلك مناخ داخلي غير ملائم خاصة إذا ما علمنا أن نسبة التضخم المعلنة في حدود ٪5 والحقيقية قد تتجاوز هذا الرقم وبالتالي يجب مراعاة عديد العناصر الأخرى ضمن أي زيادة في الأجور.

الزيادة في الإنتاجية أولا

و بالرغم من ذلك ترى الجمعية التونسية للدفاع والحفاظ على المؤسسة أن هذه الزيادة تمثل حقا من حقوق العاملين في القطاع الخاص خاصة في ظل ارتفاع المعيشة وارتفاع الأسعار كما أنها ضرورية لأنها ستساهم في الرفع من الطلب و الاستهلاك وبالتالي الإنتاج لكن يجب أن يقترن هذا الإجراء مع الزيادة في الإنتاجية والإقبال على العمل وأن تراعي الوضع العام للبلاد. فالزيادة في كتلة الأجور ستثقل كاهل المؤسسة إذا كانت دون مقابل وسيزيد من الصعوبات المالية للاقتصاد ككل لان سعر الدينار في تراجع مستمر والواردات زادت بشكل كبير مما أدى إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري.

وحتى تكون الزيادة في الأجور فعالة وذات جدوى يجب أن تقترن بحزمة من الإجراءات الأخرى أهمها ضرورة التزام نقابات العمال والعمال أنفسهم بالزيادة في الإنتاجية مع إرساء ثقافة العمل داخل المؤسسة.يضاف إلى ذلك وضع إستراتيجية للحد من التهرب الضريبي بشكل نهائي و مكافحة التجارة الموازية بشكل جدي خاصة وأنها أصبحت تمثل ٪85 من الاقتصاد والعمل على استرجاع الأموال المهربة.

الإشكال الوحيد المتبقي في ملف الزيادة في أجور القطاع الخاص يتعلق بالنسيج والجلود والأحذية. هذا ما أكده محمد علي البوغديري الأمين العام المساعد المكلف بالقطاع الخاص مضيفا أن اتفاق الزيادة في الأجور وقع إمضاؤه منذ 10 مارس ووقع إصدار الملاحق التعديلية وتوزيعها على كل من اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف وتم التثبت منها وإرجاعها لوزارة الشؤون الاجتماعية.وفيما يتعلق بالصعوبات التي قد تعيق تفعيل هذه الزيادة في الأجور أوضح البوغديري أن الظرف العام مناسب لتطبيق الاتفاق وهو ما سيتم في القريب العاجل كما يعمل الاتحاد العام التونسي للشغل على إمضاء الملاحق التعديلية قبل نهاية شهر رمضان بالتشاور مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والتي ستشمل قطاع النسيج. فالمنظمة الشغيلة تصر على ان تشمل الزيادة جميع الأنشطة الصناعية والفلاحية وبنسب تراعي الارتفاع المشط في المعيشة خلال السنوات الأخيرة بينما تشترط منظمة الأعراف ربط هذه الزيادة في الأجور بالزيادة في الإنتاجية بهدف الرفع من أن مردودية المؤسسة التي تدهورت بشكل كبير في الفترة التي تلت الثورة.

وأضاف الأمين العام المساعد أن المشاورات ستتوسع لتشمل قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي يرفضه الاتحاد بصيغته الحالية لأنه يرغب في أن تحافظ الدولة على القطاعات الإستراتيجية مثل النقل والصحة ضمن أي مسعى للخوصصة.

إجراء غير كاف

زيادة الأجور ستزيد في أعباء المؤسسة خاصة العاملة في مجال التصدير وستضعف تنافسية المنتوجات التونسية في الأسواق العالمية. ففي تقدير الخبير الاقتصادي والمالي محمد صالح فراد لا تقتصر نسبة الزيادة على ٪7 فقط بل ستصل إلى حوالي ٪12 نظرا لان تأثيرها سيشمل سنتي 2016 و 2017 كما أن زيادة الأجور تفترض زيادة سعر البيع حتى لا تتضرر الموازنات المالية للمؤسسات وهو الأمر الذي سيجعل من منتوجات الشركات التونسية المصدرة غير تنافسية وبالتالي لا يمكن اعتبار هذه الزيادة الحل الأمثل في هذا الظرف الصعب.

و على الرغم من تأثير الزيادة الايجابي على الوضع الاجتماعي العام إلا أنها تبقى غير كافية لمجابهة تدهور المقدرة الشرائية التي تأثرت بعدة عوامل أخرى مثل انهيار الدينار التونسي وارتفاع التضخم. فالمقدرة الشرائية تواصل تدهورها وفق ما تشير إليه الأرقام، لتصل بالنسبة إلى الطبقات الوسطى في حدود 37 بالمائة إضافة إلى نقص الإنتاج الذي يقع تغطيته باللجوء إلى التوريد بالعملة الصعبة و كذلك إلى نقص الإنتاج والإنتاجية. وأضاف محدثنا أن الأسعار ارتفعت بصفة كبيرة لأن المراقبة لم تعد تقوم بدورها.

ضغوطات اجتماعية وسياسية

ويتطلب الوضع الاقتصادي والاجتماعي جملة من الإجراءات حتى تعطي أي زيادة في الأجور فاعليتها من ذلك أن الرفع من الإنتاجية يعتبر أولوية الأولويات على مستوى المؤسسة في الوقت الراهن لأنها انحدرت إلى مستويات متدنية جدا . إضافة إلى ذلك يجب التحكم في نسبة التضخم المرتفعة والتي تجعل الزيادة في الأجور غير مجدية ما دامت الأسعار مرتفعة ونسبة النمو ضعيفة.

فمعدل زيادة الأجور بحوالي ٪6 يرافقه إرتفاع الأسعار بمعدل ٪5 سنويا أي أن تأثير الزيادة سيكون منعدما بدون زيادة الإنتاج و التحكم في أسعار البيع.

ويمكن القول أن الزيادة تمت تحت ضغط اجتماعي وسياسي وقعت ممارسته على الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية مع التأكيد على أن المنظمة الشغيلة قامت بمجهود يشكر عند المفاوضات عندما وافقت على قيمة الزيادة في الأجور في ظرف صعب كالذي نعيشه اليوم . كما شدد محمد صالح فراد على أن الطريقة المعتمدة لاحتساب الأجر يجب أن تتغير ليقع ربطه أكثر بنسبة الإنتاج والمردودية على المؤسسة.

وترفض الجامعة الوطنية للنسيج تفعيل اتفاق الزيادة في أجور القطاع الخاص لما له من تبعات خطيرة وفق بيان أصدرته مؤخرا أفادت من خلاله بأن وضع القطاع كارثي بعد أن أعلنت 470 مؤسسة تابعة لهذا القطاع إفلاسها و أحيل أكثر من 30 ألف عامل في القطاع على البطالة خلال الخمس سنوات الأخيرة. كما أن المشاكل المتراكمة والمزمنة التي يعانيها قطاع النسيج منذ سنوات تجعل من الصعب التزام أصحاب المؤسسات بالزيادة التي وافقت عليها المنظمة الشغيلة وهو ما وصل إلى حد تهديد المكتب التنفيذي للجامعة الوطنية للنسيج بالانسحاب من الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية ما لم يتم التراجع عن قرار الزيادة مع التأكيد على ضرورة استثناء القطاعات التي تمر بضائقة مالية والمهددة بالإفلاس باعتبار أن عديد المصانع أصبحت عاجزة كليا عن الإيفاء بتعهداتها تجاه أجرائها. كما يرفض أصحاب مؤسسات الجلود والأحذية هذه الزيادة لنفس الأسباب حيث أكدت الجامعة الوطنية للجلود والأحذية أن مؤسسات إنتاج الملابس والجلود والأحذية ترفض تطبيق اتفاق الزيادة في الأجور بالقطاع الخاص والذي أقر زيادة بنسبة 6 بالمائة بأجور الناشطين في القطاع الخاص. ودعت الحكومة الى محاربة التهريب والتجارة الموازية في قطاع الأحذية و التوريد العشوائي للجلود من تركيا والصين.

وينظر البعض من الخبراء للزيادة في الأجور كمحرك للاقتصاد سيسهم بفاعلية في رفع الطلب و تحفيز الإنتاج، أما البعض الآخر فيعتبرها عائقا جديدا سيزيد من صعوبات المؤسسات التونسية لذلك لا بد من وضع مخطط متكامل لا يقتصر على الزيادة في الأجور بل يأخذ كذلك بعين الاعتبار مصلحة المؤسسة التي تصب استمراريتها وبقاؤها في مصلحة العامل في نهاية المطاف.