الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أيهما أكثر إصرارا على البقاء...؟

دولة القانون و«دولة الفساد»!


بقلم: لطفي العربي السنوسي

هل يحتاج الرأي العام في تونس الى تقرير منظمة «مجموعة الازمات الدولية» حتى يقف على حجم الفساد الذي صنع له دولة في تونس ولا تنقصها غير راية مخصوصة تدل عليها...؟ هل يحتاج الرأي العام الى تقرير هذه المنظمة حتي يعرف ان الثراء الفاحش والفجئي الذي ظهر على عدد من الشخصيات السياسية قد بلغ منتهاه...؟ هل نحتاج الى هذا التقرير حتى نفهم ان البلاد انما تدار مؤسساتها وأجهزتها بطرق ملتبسة ومشبوهة وان «القرار» بيد من سماهم التقرير بـ «رجال الظل»...؟ هل نحتاج... حقا ـ الى هذا التقرير حتى ندرك ان الانتقال الديمقراطي في تونس انما تعطله المحسوبية و«السمسرة» و«الرشاوى» التي اخترقت كل أجهزة الدولة وتحولت الى ممارسة يومية وثقافة «يتدبر» أمرها في المجالس والنوادي وفي كواليس الحكم وفي كواليس المجلس النيابي وفي كل المواقع ذات «السيادة العليا»...؟

 

هل نحتاج الى هذا التقرير حتى نعرف ان آفة الاقتصاد الوطني واحد أسباب تداعيه انما هي التجارة الموازية التي يديرها «بارونات» التهريب ممن كانوا الى وقت قريب في مواقع القرار السياسي والتشريعي ألم يتم ـ مؤخرا ـ القبض على نائب من جماعة المجلس التأسيسي وهو بصدد تهريب كميات كبرى من «التبغ» قدرت بالملايين...؟

لقد نبهنا أكثر من مرة وفي أكثر من مقال بأن الفساد في تونس ـ بكل اشكاله ـ انما هو من فساد أهل السياسية ـ ثمّة استثناءات بطبيعة الحال ـ ممن وفدوا على المشهد ما بعد الثورة وان هؤلاء تربطهم حلقات متماسكة بحيث يصعب فكّها باعتبار ان «الكلّ» بأيديهم ملفات فساد مالي و«أخلاقي» ضد الكل بحيث لا أحد يجرؤ على كشف ملفات خصمه بما ان خصمه لديه ذات ملفات الادانة فيحصل ـ في الآخر ـ بينهما ما يشبه «التواطؤ» أو «الاتفاق» ينتج عنه في المحصلة «شراكة» متينة في الفساد... فكل «الديار من زجاج يا صاحبي»...!؟

جاء في التقرير :«ان المهربين بالمناطق الحدودية مع ليبيا والجزائر راكموا بعد الثورة ثروات طائلة بمليارات الدولارات وانهم يريدون اليوم مكانة وحظوة سياسية واقتصادية مثل تلك التي يحظى بها رجال اعمال «النخبة» في الساحل والعاصمة والذين يعطلون اقامة مشاريع تنموية بالمناطق الداخلية حتى لا تؤثر على مصالحهم»...

هل نسمي الاشخاص باسمائهم...! من لا يعرف ـ اليوم ـ ان داخل الحزب الحاكم «رجل مال» متنفذ جدا اختبأ وغاب عن الانظار في السنة الأولى من الثورة وكان مطاردا ومطلوبا لدى «الثوار» ثم صنع لنفسه ومن حوله منابر اعلامية كلفت «بتنظيف وتلميع صورته» الى ان كان له ذلك فأغدق ماله على «الاحزاب الكبرى» وكان له الفضل في تمويل الحملة التشريعية للحزب الحاكم الذي أصبح واحدا من أهم قياداته «السياسية» وقبل ذلك كان عرض خدمات «ديبلوماسية» وكلف نفسه بها بين ليبيا وتونس وهو الذي استقبل الارهابي عبد الحكيم بلحاج وقدمه الى التلفزات كرجل دولة ورجل وفاق... هو اليوم صاحب قرار يصول ويجول يهتك الاعراض ويسب الناس يمينا ويسارا ولا أحد يجرؤ عليه و يحاسبه بما أنه ممسك «بالكل» من المواقع الموجعة...!؟

أشارت المنظمة أيضا في تقريرها :«الى أن البحث المستمر عن التوافق خصوصا في مجلس نواب الشعب أدى الى زيادة المفاوضات السرية وانتقال النقاش السياسي الى قنوات غير رسمية متمثلة في الشخصيات النافذة بالاحزاب السياسية وعائلاتهم والمقربين منهم وابناء جهاتهم وزملاء دراستهم وأوساط الأعمال وانه بامكان فاعل اقتصادي لديه سيولة مالية كبيرة أن يقوّض حزبا سياسيا وأن التأثير المتنامي لرجال الظل في المؤسسات العمومية شلّ جزءا من الاصلاحات فيها .

هذه الفقرة المقتطفة من تقرير «منظمة مجموعة الأزمات الدولية» تجيبنا ـ في العمق، عن سؤال بقي مفتوحا، لماذا تمت تنحية رئيس الحكومة الأسبق الحبيب الصيد ..؟ ونفهم ايضا من هذا المقتطف سرّ تلك الحملة التي سبقت عزله والتي قصفته بكل مرادفات الفشل وعدم الأهلية لادارة شؤون الحكم .. حملة شنتها عليه قيادات من الحزب الحاكم والتي لم تهدأ الا بعدما نجحت في عزله بمباركة الرئيس ...

لم يكن السيد الحبيب الصيد فاشلا في ادارة شؤون الحكم بل اصبح كذلك عندما اعلن عزمه على مقاومة الفساد والمحسوبية وعندما أعلن عن غضبه من الحزب الحاكم ورفض قبول «تعيينات» صدرت له في شكل تعليمات خارجة من «البيت العائلي» للحزب الحاكم ورفض أن تكون حكومته مجرد «ماريونات» يحركها «رجال الظل» واصحاب السيولة المالية الكبرى ـ كما ساهم التقرير ـ ممن لهم القدرة والنفوذ على تقويض حزب سياسي بأكمله وقد تمكنّوا ـ للأسف ـ من تقويض حكومة الصيد برمّتها ..

سيناريو الصيد يتكرر للإطاحة بالشاهد :

نفس السيناريو الذي تمّ على اثره عزل الحبيب الصيد بصدد التكرّر وتعدّه نفس «اللوبيات» التي تتبادل المصالح والمنافع مع قيادات النداء بل ان هذه «اللوبيات» تمكنت من اختراق النداء وتحولت الى قيادات سياسية زائد ما بين يديها من سيولة مالية وهي تتحرك الان «لضرب» رئيس الحكومة حيث اصبح مطلب الاطاحة به مطلبا مستعجلا بما انها مهددة في صميم مصالحها وفي سلامتها ايضا خاصة وان الشاهد قد اعلن عزمه وجديته على مقاومة الفساد وهوا لذي احال ـ مؤخرا ـ على القضاء ملفات «حيتان كبرى» ـ كما في التوصيف الاعلامي ـ اضافة الى انه لم يعد ينصت الى ما يصدر عن قيادات النداء من تعليمات فيما يخص التعيين أو العزل اي أن «الرجل» يتصرف بمفرده ويمارس سلطات الحكم كاملة بوصفه رئيسا للحكومة بالتشارك مع وزراء من خارج النداء وعليه فقد تحول الى مصدر ازعاج وخطرا على «اللوبيات» المتنفذة داخل النداء التي ترى أن الشاهد بصدد استهدافها والتحرك ضدّ مصالحها .. لذلك هي تتحرك ـ الآن بالتأكيد على أن الشاهد ليس رجل المرحلة ـ تماما كما كانت البدايات مع الحبيب الصيد .. وانه فشل في ادارة شؤون المرحلة وانه كذب وغالط الرأي العام عند الاعلان عن تحقيق نسبة نمو بـ 2،1 في الثلاثي الأول لسنة 2017 (وهي النسبة الصادرة عن معهد الاحصاء وهي ايضا النسبة التي توقعها صندوق النقد الدولي) ..

وحتى نخلص فان هذه اللوبيات ـ سياسية ومالية ـ تتحرك للتأكيد على أن الشاهد لم يعد ضروريا لهذه المرحلة وانه من الضروري اسقاطه وهي لذلك تقدمه ـ في تدخلاتها ـ على أنه لا تتوفر لديه شروط القيادة لمرحلة صعبة اجتماعيا واقتصاديا والواقع ان هذه «اللوبيات» انما تسعى لاسقاطه لما اصبح يمثله من خطر على مصالحها وعلى نفوذها وهو الذي يتحرك بمفرده دون الرجوع الى «منظوريه» من قيادات النداء .. فهل يصمد الشاهد على رأس الحكومة امام «نيران صديقة» لم تعد تراه رجلها المناسب ..

نعود الى سؤال البدء ـ هل كنّا في حاجة الى تقرير منظمة مجموعة الأزمات الدولية حتى نعرف حجم الفساد ومدى تمدد دولته...؟

لقد أجاب مبروك كورشيد أمس بقوله هناك مداخيل كبرى من المال العام لم يتم ايداعها في خزينة الدولة وقبله تساءل محافظ البنك المركزي: ويني فلوس السياحة من العملة الصعبة...؟

لقد توسعت «دولة الفساد» والمعركة ـ الآن ـ بينها وبين دولة القانون .. فأيهما اكثر اصرارا على البقاء ..؟!