الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



تاهوا في تونس ... فاستنجدوا بإعلام الخارج

إسلاميون و«حقوقيون» في مصيدة الأزمة القطرية



بقلم: خليل الرقيق

قد لا ترى تونسيين غيرهم إلاّ في سياق قراءة هادئة وعقلانية ومتأنية لمتغيرات أزمة الشرق الأوسط وقد لا تمثل أزمة قطر بالنسبة لمن لم يتمرغ في محيطاتها الآسنة سوى نتاج منطقي للعبة كبرى بنيت أساسا على اللامنطق لكن المسألة تختلف عند فئة محددة من التوانسة، لأنهم جبلوا طوال الحيثية الانتقالية على اتباع قبلتين، لا ثالث لهما، الدوحة وسياسات الدوحة وإعلام الدوحة وأموال الدوحة، أو أنقرة وسياسات أنقرة وإعلام أنقرة وايديولوجيا حكام أنقرة... وليس غريبا ان ينتج تواشج القبلتين على مستوى المبنى والمعنى نوعا من ترابط المصير عند الأتباع، فإذا مُسَّ حجر من بيت «الربيع» تداعى له جسد الاسلاميين و«الحقوقيين» المكلفين بمهمة بالسهر والحمّى...

لم تمر الازمة القطرية في بواكير نشأتها دون أن تحدث نوعا من هيستيريا الصدمة لدى من ارتبطت مصالحهم وأجنداتهم بمطبخها السياسي وبوسائطها الاعلامية، وربما بتمويلاتها المشبوهة التي هي الان موضع بحث وتحقيق محليا واقليميا ... واذا كانت رؤوس الإخوان قد بدأت تؤثث لائحة الخليج لرموز الارهاب، في انتظار رؤوس اخرى قد تلوح على قوائم «تكميلية» فإن هذا دفع طيفا من سياسيي تونس الى المكابرة على الحقيقة بدل مواجهتها بشجاعة والى التجديف خارج الجغرافيا المحلية عوض العودة إليها في سياق نقد الذات وتصحيح المسار.

إنك لا تستطيع أن تمنع انسانا من أن يتألم حين يشتدّ به الداء، لكنك تستطيع ان تنصحه بسرعة العلاج عوض الاستمرار في الشكوى .. ويبدو انّ هذه المعادلة لا تستقيم مع العينة السياسية التونسية التي بنت كل استراتيجيتها المحلية على «تكتيك دولي» عابر، محدد في السياق والهدف والزمن، فقبل مهرجانهم الصاخب نطق المحافظ الأمريكي غراهام فولر بالحقيقة المؤجلة «ليس أجمل لفضح الأسلمة من تجربة فاشلة في السلطة»...

لقد أقاموا كل أحلامهم السلطوية على جسد إقليميّ مريض، فقبل «صفعة» قطر التي كانت جاهزة منذ 2013 في انتظار استكمال الاجراءات خلال 2017، جاءت صفّارة الانذار من قلب أنقرة في صائفة 2016 على هيئة محاولة انقلاب هي بمثابة لفت نظر أو «نقطة نظام» لعرش السلطان أردوغان...

لم يكن بوسع «الحقوقيين المثقفين» الذين تم تأهيلهم لدور الكومبارس العلماني المضلّل كعزمي بشارة والمنصف المرزوقي وبرهان غليون وغيرهم إلاّ أن يواصلوا اللعبة لأنهم صنيعة أسبابها وأجندتها، ولهذا نفهم مثلا لماذا ظلّ رئيس «أكبر البواقي» شديد التعلق بمنبر «قناة الجزيرة» القطرية، منه يطلق التصريحات النارية، وفيه «يشهد على العصر»، ومن منصته يطلق الحملات السياسية على خصومه حينا وعلى شعبه حينا آخر، وفي أحضانه يطلق زفرة «العاشق المهزوم» لقطر، ولاسهاماتها السخيّة في تمويل مذبحة «الربيع العربي»...

ليس المرزوقي في النهاية سوى صورة لبيدق «حقوقي» صغير في رقعة الشطرنج الاخوانية، ولهذا استنزف كلّ فرصه في الوجود والترقّم داخل هذه المنظومة، بل ظلّ يتبع ظلها من بعيد، بعد أن طرحه الاسلاميون من الحساب خلال انتخابات 2014، وهو اليوم اذ ينعى قطر «الصديقة» فهو ينعى نفسه - بالمعنى السياسي طبعا-.

إنّ اتكاء المرزوقي على ميديا الخارج، وبصورة شبه محليّة، يعكس جوهريّا أخفاقه في إقناع ميديا الدّاخل بالجدوى والاعتباريّة. ولنا الآن أن نتساءل عن الموضوع بعد تراكم المعطيات:لماذا كان المرزوقي «ممجوجا» داخل الاعلام التونسي المحلّي رغم ما تظاهر به من تعصّب للحرية والديمقراطية؟ ثم لماذا كلّ تلك «الرّعونة» التي هاجم بها الاعلاميين التوانسة في كتابه الأسود؟ يبدو أنّ شعورا متبادلا باللّاتناغم قد نشأ بين رئيس لا يشعر بالإنتماء الحقيقي للحيثية السياسية المحليّة، وبين إعلام محليّ كان مدركا بأن المرزوقي هو معطى مسقط أو مملى من خارج الإرادة الوطنية الفعليّة، وقد يكون هو من عزز هذا الاعتقاد وجذّرة في نفوس التوانسة حين حذّرهم من «مغبّة التطاول على قطر»، أو حين رأوه في الجمعية العامة للأمم المتحدة رافعا أصابعه الأربعة، وكأنه معتصم إخواني في ساحة مصريّة...

قد يكون هو أيضا، قد جذّر هذا الاعتقاد حين أسرّ للصحفي الإخواني أحمد منصور في «شهادته» المشروخة على العصر، بأحقاده على السياسيين والاعلاميين التوانسة، وعلى الشعب التونسي أصلا.

ليس الرجل في النهاية سوى صنيعة لحظة سياسة منبتّة عن فضائها الطبيعي، وقد نسي في معرض انتشاءته المؤقتة بالرئاسة المؤقتة أنه وصفة قصيرة المدى، أوجدت أساسا للتعمية على أجندة اختراقية لتوطين الإخوان المسلمين صلب مؤسسات الحكم...

 

الشيخ راشد... تونسي ظل طريقه الى «الأناضول»

أوّلا لابدّ أن نقرّ بالفرق الشاسع بين لاعب ثانوي على المسرح «الربيعي» اسمه المنصف المرزوقي، وبين لاعب رئيسي في منظومة الإسلام السياسي اسمه الشيخ راشد الغنوشي. فالأول لعب خارج منابته لينتهز فرصة حكم، والثاني يلعب على ميدانه ليدافع عن مشروع حكم. ولهذا لا يمكن اليوم أن نسلب الشيخ راشد الحقّ في التألم تفاعلا مع هزيمة نكراء مُنِيت بها منظومته السياسية والإيديولوجية على أطراف أزمة قطر. ولا يمكن اليوم إلاّ أن نعتبر اصطفاف حركة النهضة كليّا مع الإمارة، تماهيا مع انتماء حقيقي للفضاء الإخواني الذي احتضنته قطر قبل أن تجبرها «الصفعة» على التفكير في طرد جزء منه توقيا من مصير فاجع. هذه مسألة تصنّف ضمن طبيعة الأشياء، ولا أحد ينتظر من الشيخ راشد غير مساندة حلفائه... ومع علم الجميع بأن أخبارا كتلك التي فاحت عن الملحق العسكري القطري «الجربوعي» وتمويلاته المشبوهة لدوائر سياسية محددة بين تونس وليبيا، فان هذا يظل متروكا للقضاء... والقدر... لكن الملفت في موضوع الحال هو اصرار الشيخ راشد على اعتماد منصات اعلامية ذات رمزية موغلة في العمق الاخواني كوكالة الأناضول التركية، رغم أنه أعلن مرارا وتكرارا عن دخوله في طور المراجعة والتونسة وما الى ذلك من مسارات هدف من خلالها الى الترويج للبوس المدني لحركة النهضة.

ألم يجد الشيخ وكالة أنباء أو وسيلة إعلام محلية لبث مشاعره وشكواه، غير وكالة الاناضول التركية التي توجه من أعلى منبرها مخاطبا خادم الحرمين الشريفين داعيا إيّاه أن «يجمع كل أبنائه مجددا على طريق واحد»؟

إن هذا الاختيار يصنف في الحقيقة ضمن باب المكابرة، ومواصلة الاستتباع الامتثالي للماكينة العالمية للاخوان المسلمين، ويؤكد من جديد على أن كل ما أعلنته حركة النهضة من مراجعات وتصحيحات، لا يعدو أن يكون «هبوطا اضطراريا» الى أرض الواقع، فيما تظل النفس عالقة بالمشروع السياسي الأساس، والذي لا يتضمن نصف مؤشر على النقد والتجاوز...

يقول الشيخ مثمنا دور الباب العالي في محاولات رأب الصدع بين أبناء المطبخ الوهابي «الموقف التركي موقف أصيل ومبدئي وهو موقف الناصح المتألم لما يحصل بين الاخوة، فالأتراك علاقاتهم قوية جدا مع المملكة العربية السعودية والامارات وقطر، مثل علاقة تونس القوية مع المملكة وقطر».

وفي لحظة وجدانية التقت فيها تقريبا كل مكونات العائلة الموسعة لغرفة «الربيع العربي» أضاف الشيخ راشد: «كما يتألم الاتراك يتألم التونسيون لما يحدث في الخليج، ويتجهون الى القادة، الى خادم الحرمين الشريفين في قبلة المسلمين أن يجمع كل أبنائه مجددا على طريق واحد... وهذا ما دعا اليه الرئيس أوردوغان، بل تمنى على خادم الحرمين الشريفين الا ينقضي رمضان الا وقد جمع ابناءه في الخليج، واحتضنهم مجددا»... وهكذا بدت الحكاية وكأنها شأن عائلي يهم مجموعة «النار والياسمين» التي «تألقت» سنة 2011 في صناعة نموذج «الربيع الاسلامي: قطر وتركيا والاخوان...

هذه مسألة تهم الشيخ وحركته ولكنها لا تهم كل التونسيين الذين أسند لنفسه الحق في التكلم باسمهم.

وفي الواقع، يلوح تناقض رهيب بين الخطاب الاعلامي للشيخ راشد في الداخل التونسي، وبين خطابه في الخارج، ولنا ببساطة أن نقارن بين الشحنة الزائدة من «المدنية» في بيانه المحلي احتفالا بالذكرى 36 لتأسيس حركة النهضة، وبين تصريحه لوكالة الأناضول التركية والذي انطوى على جرعة عالية من المزج بين الدين والسياسة، يقول «نحن في النصف الثاني من شهر رمضان، وفي يوم متميز وهو يوم بدر (17 رمضان)، وذكرى نزول القرآن، يستشعر المسلمون روحانية خاصة وشفافية خاصة، فكما تتواصل قلوبهم مع السماء، تتواصل قلوبهم أفقيا مع إخوانهم المسلمين ومع الانسانية ومع كل كائن» وخلص الشيخ بالنتيجة الى ان تزامن الايام المقدسة مع أزمة الخليج يجعله يشعر بـ«حزن شديد في يوم ينبغي ان يكون يوم فرح»... وهكذا كلما سافرت مهجة الشيخ الى مكان غير المكان، والى اطار غير الاطار والى اعلام غير الاعلام، تغيرت النبرة والفكرة، وعاد كما هو أصلا، واحدا من أهمّ رموز الاسلام السياسي والمنظومة الاخوانية...

 

لماذا الاصرار على تجاهل الواقع؟

حين نبتعد قليلا عن لعبة «المشاعر الأخوية الجياشة» والجنوح الى السلم ـ وهو أفضل الطرق في المطلق ـ ونبدأ بالتخصيص والتدقيق، سنلحظ تضاربا صارخا بين المعلن والمضمر.

ان المطلوب منطقيا من كيان أخطأ وتمادى في الخطإ أن يعترف على الأقل، فهل كانت قطر كائنا ملائكيا تكالبت عليه الشياطين؟ إذا ماذا عن الوثائق والقرائن والدلائل التي جمعتها الاستخبارات من مشارق الأرض ومغاربها عن تورط الدوحة في الدعم المباشر للإرهاب؟ إذا لم نسأل «فجر ليبيا» فسنسأل «أنصار الشريعة»، وإذا لم نسأل «الرقة» فسنسأل «الموصل»... وإذا لم نسأل وجدي غنيم فسنسأل القرضاوي الذي أحلّ انتهاك دمشق وأنزله منزلة الجهاد...

أليست هذه حقائق يجدر أن يعترف بها الشيخ ليُصْلِح في الأرض؟

ألا يجدر بالشيخ حين يتحدث عن لوعة الأتراك وألمهم أن يعترف بآلام من مرّ إليهم الزحف التكفيري من معبر أنطاكيا التركي؟

الأكيد أن لعبة منصّات الإعلام الأجنبي التي كادت تحرق تونس وتزرع فيها بذور الفتنة، مصرّة على التكرّر في شكل مهزلة. ولا مناص هنا من القول بأن الشيخ قد اختار من الوجهات الرمزية ما يجعل مشاعره «الأخوية» ومساعيه «الصلحية» محمولة على جذره الإخواني أكثر منها على مرجعيته التونسية.

وتتواصل مقولات الشيخ الموغلة في التناقض لتؤكد هذه الحقيقة بل لترسّخها في ذهن المتلقّي، يقول «إذا اختلف نظامان عربيان فنحن نفعل مثلما نفعل عندما تقع معركة في بيتك بين إخوانك، لا تنحاز إلى هذا أو ذاك بل تدعو الى الصلح»، فلماذا إذن لم يقف الشيخ على حياد حين اختلفت دول الخليج مع سوريا، فوقف معها ضد سوريا، وحين اختلفت دول الخليج مع اليمن، فوقف معها ضد اليمن؟ لماذا هذه الانتقائية الطافحة في الأخوة؟ كان حريّا أن يقال هذا الكلام الأخوي حين تناسل الجراد التكفيريّ على أرضنا، وأمام أعين حكومتي حركة النهضة، ثم سافر لغزو الأشقاء وانتهاك أرضهم، وإسالة دمائهم...

هكذا، وفجأة طفحت الأخوية غزيرة مدرارة حين توجّهت الصفعة الى بيت العنكبوت وموطن المؤامرة الكبرى على المنطقة العربية... هكذا وفجأة صرنا لا نقف مع هذا ولا مع ذاك، والحال أننا لم نقف منذ بزوغ فجر الترويكا، وحتى بعد انطفائه إلا مع هذا ضد ذاك... ومازلنا في انتظار مراجعة حقيقية لن يكون الإسلاميون على الأرجح، واستنادا الى المعطيات المتوفرة جزءا منها.

 

ثمن المرحلة باهظ جدا

تجبرنا حيثيات المرحلة المربكة على دفع الثمن الباهظ لانحياز الخيار السياسي الى مدارات أخرى غير الثوابت الوطنية التونسية.

تجبرنا التبعية الرهيبة لمحاور الهيمنة على البحث عن التصريحات «الوطنية» الهامة في وكالات أنباء السلطان العثماني، أو استديوهات قناة الجزيرة القطرية...

لكن لا شيء مطلقا يجبرنا على الصمت العاجز، ولا على الامتثال لمنظومة قذفت بها عواصف المرحلة خارج التاريخ... نحن ندفع ثمن مرحلة تدنّى فيها منسوب السيادة الى المستوى الصفر، لكن كل المؤشرات تستدعينا الى دور آخر غير الذي رسمه لنا الشيخ وحلفاء الشيخ.

إن مصيدة الأزمة القطرية قد استدرجت إسلاميي تونس و«حقوقييها» المزيفين الى محاولة تبرير و«عقلنة» الإخفاق، والإخفاق جائز في عالم السياسة، لكن القفز على ما حفلت به المرحلة الثورجية من جرائم ضد الذات الوطنية وضد الذات الإنسانية بشكل عام، هو مسألة غير جائزة، ولحظة التقييم قادمة، إن كانت بإرادتنا ـ وهذا أفضل ـ أو بإرادة غيرنا، وهذا سيزيدنا تبعية على تبعية، ومهانة على مهانة.

إن لحظة التقييم قادمة، لأن فصولا من حكاية الفتنة، والدّم، قد خرجت من الأرشيف الأسود، بإرادة قوى دولية وإقليمية على دراية وعلم بكل شخوص اللعبة التي صنعتها، وعما قريب سيأتينا من الأخبار ما لم تبلغه وكالة الأناضول، ولا قناة «الجزيرة».