الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بعد المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالإحالة على التقاعد المبكر في قطاع الوظيفة العمومية

أي مـصـير ينـتـظـر الصـنـدوق الـوطـني للتقاعد؟!


رغم الانتقادات الكثيرة التي أثارها بعض نواب الشعب خلال مناقشة مشروع القانون عدد46 لسنة 2017 الذي يتعلق بضبط أحكام استثنائية للإحالة على التقاعد قبل بلوغ السن القانونية في قطاع الوظيفة العمومية إلا انه وقعت المصادقة عليه بـ82 صوتا مقابل 19صوتا متحفظا و31صوتا رافضا ويمكن هذا القانون أعوان الوظيفة العمومية الذين يبلغون السن القانونية للتقاعد خلال الفترة الممتدة من غرة جانفي2018 إلى غرة جانفي 2021 طلب الإحالة على التقاعد قبل بلوغهم هذه السن وذلك وفقا للشروط الواردة به وتنطبق أحكامه على الأعوان والعملة المنتمين لمختلف أسلاك الوظيفة العمومية من الذين قضوا فترة العمل الدنيا المشترطة للحصول على جراية التقاعد والتي تتراوح بين 5 و10 سنوات حسب نظام المنخرط.

وتتأتى الانتقادات اللاذعة التي وجهها عدد من النواب على اختلاف كتلهم في النقاش العام من وصفهم لهذا القانون بقانون الاملاءات وقانون المغالطات على اعتبار أنهم رأوا فيه إجراء ترقيعيا ولا يرتقي إلى الإصلاحات الجوهرية لسلك الوظيفة العمومية ولن يكون حلا لمشاكل الإدارة.

وذهب بعض النواب إلى اعتبار هذا القانون حتى في صورة مساهمته في تقليص عدد الأعوان في هذا السلك سيؤدي إلى إثقال كاهل صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية الذي هو أصلا يعاني أزمة سيولة خانقة ففي الوقت الذي جمد فيه مشروع ملف الترفيع في سن التقاعد وإعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية الغارقة منذ سنوات في أزمة مالية خانقة يأتي هذا القانون ليظل السؤال مطروحا حول أزمة الصناديق الاجتماعية وما هي الحلول التي وجب انتهاجها للمحافظة على هذه المنظومة للأجيال القادمة وماهي خطط الحكومة في هذا الخصوص وهو ما جعلها في موقف سلبي وضعيف لافتقارها إستراتيجية واضحة المعالم في ملف إصلاح أنظمة التقاعد.

فيما رأى البعض من النواب أن الحل في معضلة التضخم في عدد الموظفين بسلك الوظيفة العمومية يكمن في إعادة توزيع الأعوان لا عبر التخلص منهم وكذلك تشخيص القطاعات التي تعاني تضخما في عدد الأعوان.

وقد نص القانون عدد46لسنة 2017على الطابع الاختياري للإحالة على التقاعد المبكر غير انه اسند الوزير المعني سلطة تقديرية لإسناد الموافقة على طلبات التقاعد من عدمها ونص على إحداث لجنة تنظر في المطالب و تضبط الامتيازات المسندة للمنخرط وهو ما يفيد أن جل المطالب ستخضع إلى غربلة أولى على مستوى المسؤول في إدارة المعني بالتقاعد و غربلة ثانية أثناء فرز المطالب على اللجنة المختصة صلب رئاسة الحكومة .

وهو ما أشار إليه الاتحاد العام التونسي للشغل في وقت سابق أثناء مناقشة مشروع القانون صلب جلسة لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح بمجلس نواب الشعب مبديا رفضه لهذا المشروع على اعتبار انه جاء تحت عنوان المغادرة الاختيارية والتي تفرض أن يحدد الموظف موعد المغادرة غير أن مضمونه ينص على أن رئاسة الحكومة هي من تمتلك السلطة التقديرية التي تخول لها رفض مطلب المضمون الاجتماعي.

من جانبه اعتبر الأمين العام المساعد المكلف بالوظيفة العمومية حفيظ حفيظ أن مشروع هذا القانون الذي ينص على التقاعد الطوعي قبل السن القانونية مع تقديم حوافز مالية كبيرة للراغبين في ذلك يتناقض مع ما تطرحه الحكومة صلب لجنة الحماية الاجتماعية فيما يتعلق بالتمديد الاختياري في سن التقاعد إلى حدود السن 62و65سنة.

ويبدو ووفق تعبيره أن هذا التناقض الكبير يدل على أن المقاربة التي تنتهجها الحكومة صلب الإدارة التونسية مبنية على اكراهات تعيشها في علاقة مع الجهات المانحة التي دعتها إلى التقليص في كتلة الأجور في شكل مسكنات أكثر من أنها مقاربة إصلاحية.

إلا أن الحكومة تؤكد أن مشروع القانون هذا يندرج في إطار توجهاتها وتعهداتها بخصوص الشروع في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الكبرى للإدارة التونسية تعتمد التصرف الأنجع في الموارد البشرية وترشيدها في ظل ما أفرزته إستراتيجية تحديث الإدارة وإصلاح الوظيفة العمومية من تضخم غير مسبوق لعدد أعوان الوظيفة العمومية وعملتها بسبب الانتدابات المنجزة في إطار تسوية وضعيات التشغيل الهش خلال الفترة الممتدة بين 2011و2015ليبلغ عدد الموظفين أكثر من650 ألف عون في 2016وهو ما أدى إلى تضخم في حجم الأجور في قطاع الوظيفة العمومية لتبلغ 13,7 ألف مليون دينار خلال السنة الحالية ومن المنتظر أن ترتفع إلى أكثر من 15 ألف مليون دينار السنة المقبلة.

وتؤكد من جهة أخرى أن هذا الإجراء ستعقبه حزمة من الإجراءات الأخرى المتمثلة في إعادة توزيع الأعوان وإصلاح أنظمة الضمان الاجتماعي مبينة تمسكها بالمنهج التشاركي في هذا الخصوص مع الطرف الاجتماعي أي مع الاتحاد العام التونسي للشغل .

ولا نعلم إن كانت الحكومة تدرك حجم التأثير الكبير الذي سينجر عن هذا القانون على كاهل الصندوق الوطني للتقاعد و الحيطة الاجتماعية المعني بسلك الوظيفة العمومية وبالقطاع العمومي عامة في ظل الامتيازات التي يخولها نظام التقاعد في هذا السلك خاصة وأن الجراية في هذا القطاع يحدّدها الأجر المرجعي على أساس الثلاث سنوات الأخيرة للعمل محيّنة في الحياة المهنية للموظف علاوة على التعديل الآلي للجرايات بسبب الزيادات في الأجور والمنح الخصوصية كما أن نظام التقاعد يتميز في تونس بالنظام التوزيعي، وهو النظام الذي يرتكز على أنّ مساهمة الناشطين تموّل المحالين على التقاعد ويموّل جرايات التقاعد لهؤلاء النشيطين الجيل الذي يليهم وهكذا دواليك ورغم ما في هذا النظام التوزيعي من أبعاد تضامنية بين أجيال الطبقة العاملة، فإنه شديد التأثر بطرق التصرف في موارد صناديق الضمان الاجتماعي والقدرة التشغيلية للاقتصاد وهيكلته والتحولات الديموغرافية للمجتمع.

فوفق آخر الإحصائيات فإن عجز الصناديق الاجتماعية الثلاثة وهي الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني للتأمين على المرض بلغ 1000 مليون دينار وفي سنة 2017 تحتاج إلى 1462 مليون ديناران لم يتم أيضا اتخاذ أي إجراء لإصلاح نظام التقاعد وقد بدأت المؤشرات السلبية لهذه الصناديق منذ عقد على الأقل حيث حذّرت حينها الأطراف المعنيّة، الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، من تواصل العجز الهيكلي المسجّل، الذي شهد تفاقمًا بالتوازي مع انخفاض نسب النموّ بعد الثّورة.

ومن الأسباب التي أدت إلى تفاقم هذا العجز، يؤكد الخبراء أن الأسباب تتمثل أساسا في ارتفاع أعداد المنخرطين المُحالين على التقاعد المبكّر فقد بلغت نسبتهم أي قبل سن الستين، في القطاع العمومي قرابة 60 في المائة من مجموع المحالين على التقاعد، بالإضافة إلى ارتفاع أمل الحياة عند الولادة ليبلغ 74 سنة وهو بقدر ما يمثّل مؤشرًا إيجابيًا بقدر ما يثقل الأعباء المالية للصناديق الاجتماعية مع ارتفاع نسبة التهرّم السكاني.

فنتيجة للعديد من العوامل منها الديمغرافية وصعوبة الوضع الاقتصادي وغياب احداثات جديدة لمواطن الشغل وكذلك مساهمات إضافية للموظفين الجدد إلى جانب كلفة التقاعد المبكر خاصة لأسباب اقتصادية،دون نسيان التهرب والتحيل الاجتماعي، حيث أن 30 بالمائة من كتلة الأجور الخاضعة لا يتم التصريح بها إلى جانب عدم التصريح بالأجور أو النقص فيه وغياب ثقافة الضمان الاجتماعي وكذلك 25 بالمائة فقط يدفعون الثلاثيات الأربع بصفة منتظمة، كل هذه العوامل ساهمت في اختلال التوازنات المالية للصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية والصناديق الأخرى والحكومة مدعوة اليوم إلى النظر بجدية في واقع هذه الصناديق وفي منظومة التقاعد بصفة عامة لإنقاذها وضمان ديمومتها للأجيال القادمة فالصناديق الاجتماعية تمثّل حجر الزاوية للضمان الاجتماعي من خلال توفيرها لجرايات التقاعد للعمال لحفظ كرامتهم وضمان حياة كريمة لهم ..

 


جيهان بن عزيزة