الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



إقالة مدير التلفزة أعادت خلط الأوراق:

مواقف متشنجة..وإجراءات متسرّعة


بقلم: محمد بوعود

«لم يكن لينجح أي مدير عام آخر على رأس التلفزة الوطنية وهي على حالها تلك. فعلا تمنيتُه ينجح، لكن كنتُ أعرفُ مسبقا أن الأمر يكاد يكون من باب المستحيل».

بهذه الكلمات استهلّ الاعلامي ماهر عبد الرحمان تدوينة لخّص فيها ما آلت اليه الاوضاع في التلفزة الوطنية، والاسباب التي أدت الى وصولها الى حال لم تعد تستقرّ فيه ادارة من اداراتها لاكثر من بضعة أشهر.

فمشكلة التلفزة في نظره تكمن «في قانونها الأساسي وانظمتها الداخلية وآليات العمل التي عفا عليها الزمن والتي تفسح المجال للفوضى والتسيب (كما تريد قلة داخلها)، بما لا يقدر أي مسؤول على ضبطه حتّى لو كان أكبر أخصائي في الإعلام السمعي البصري في العالم.

قد يكون إلياس تسرّع في قبوله بالخطة لما عرضت عليه حين رفضها آخرون يعرفون جيدا حال الدار. لكن ربما له ظروفه الخاصة التي دفعته لقبول عرض الحكومة، أو أنه ربما لم يكن يتوقع ذلك الكم الضخم من المشاكل المستعصية.

كنتُ أُخيّر أن يُدفع إلى الاستقالة لحفظ كرامته وليس تغييره بتلك الطريقة. والحل ليس في التعيينات والإقالات والخصومات،الحل في الإصلاح الجذري والعميق.

وهي كلمات تكاد تلخّص ما يحدث في صُلب التلفزة الوطنية منذ 14 جانفي 2011 الى اليوم، ويمكنها أيضا أن تضع الإصبع على موطن الداء، رغم ما حاول السيد ماهر عبد الرحمان أن يبديه من مجاملة تجاه القائمين عليها سابقا ولاحقا.

فمشكلة التلفزة من مشكلة الإعلام العمومي، وهي تجسيد متفرّد ونموذجي لحالة كل المؤسسات الإعلامية الأخرى، فقط هي تجلب الانتباه لمكانتها وأهميتها، وضخامتها ربما، لكن واقع الأمر هو أن كل المؤسسات تعاني نفس العلل وتبحث عن نفس الحلول، وتعيش نفس المشاكل والعراقيل.

فالتضخّم العددي للعاملين في التلفزة الوطنية، حوالي 1300 موظّف منهم أكثر من ثلاثين مخرجا، (ومع ذلك لا يجدون مُخرجا يعوض زميلا له في نشرة الأخبار)، والتضخّم المبالغ فيه بالخصوص في نشرة الأخبار (أكثر من سبعين صحفيا فيهم العشرات ممن يحمل رتبة رئيس تحرير أو رئيس تحرير مساعد) ومع ذلك تصل النشرة الى حدّ التوقّف، بعد أن عرفت في الأشهر الأخيرة كمية مهولة من الأخطاء اللغوية والفنية التي تُعتبر بدائية بمقياس الإعلام الحديث.

وهذا التراكم في كمية المشكلات وتنوّعها جعل من المستحيل على أي رئيس مدير عام مهما كانت خبراته وتجاربه ومقدراته، أن يقدر على حلّها. لكن هل كانت الإقالة هي الحل الوحيد؟ وهل عجز الفاعلون في قطاع الاعلام عن ايجاد الحلول الملائمة؟

النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، أصدرت بيانا شديد اللهجة، عنونته بـ«حكومة الشاهد تضع يدها على الاعلام العمومي» تطرّقت فيه بالخصوص الى ما سمّته القرار الذي كان «جاهزا وأن عملية تعطيل بثّ نشرة الاخبار في موعدها مبرمجة سلفا». وهي اتهامات خطيرة من شأنها أن تفتح سؤالا كبيرا عن الادوار التي يمكن ان يلعبها بعض العاملين داخل التلفزة، لصالح طرف أو أطراف من خارجها وموقف النقابة يطرح هو الآخر اشكالا في علاقة بدورها الحقيقي في القطاع.

كما ربط بيان النقابة (الذي وقّعه الكاتب العام المكلف بالحريات رغم وجود النقيب ووجود الكاتبة العامة المكلفة بالتلفزة وعضوين من التلفزة في المكتب التنفيذي) ربط بين اقالة الياس الغربي وما سمّاه بعملية «السطو على المركز الافريقي لتدريب الصحفيين والذي حوّلته الحكومة الى فرع بادارة الاعلام والاتصال فيها» حسب ما جاء في بيان النقابة.

أما نقابة الاعلام التابعة لاتحاد الشغل فقد حمّلت ما جرى للمدير العام المُقال الذي قالت أنه «زرع سياسة التسيب واللامبالاة منذ فترة وفي غياب لأي برنامج إصلاحي والذي كان تحدث عنه بإطناب عند تعيينه».

في ذات الوقت عبّر السيد النوري اللجمي رئيس الهايكا في تصريح لوكالة تونس افريقيا للأنباء عن «بغتته» بهذا الخبر الذي علمنا به من خلال مراسلة مقتضبة لم تتضمّن مبرّرات هذا القرار».

وأضاف اللجمي «أنّ الطريقة التي اعتمدتها الحكومة في هذه المسألة غير مقبولة ولا تتماشى مع المبادئ المراد تكريسها في تونس والقائمة على الديمقراطية واستقلالية الاعلام العمومي ودعم دور الهيئات التعديلية»، مشيرا إلى أنه كان من المفروض إعلام الهايكا قبل اتخاذ قرار الإقالة. واعتبر أنه إذا كان السبب الوحيد في إقالة الغربي هو التأخير في موعد نشرة الأخبار الرئيسية، فهو ليس بالتبرير المعقول».

ولا شك ان هذه المواقف المتباينة، وضخامة الحدث، وضخامة الخطإ أيضا الذي وقع وأصبح يقع دائما في التلفزة، قد بينت من جديد حجم التباين بين مختلف الفاعلين في القطاع الاعلامي العمومي، وخصوصا في السمعي البصري، بما يجعل من تنظيم حوار وطني شامل، يخرج بمشروع اصلاح متكامل يتفق عليه الجميع ويلتزم به الجميع أيضا. هو الحل الوحيد لأزمات القطاع التي طالت أكثر مما ينبغي.