الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



شوكات دعا رئيس الجمهورية الى صياغة «ميثاق» توقّع عليه ...

إنما الأحزاب .. «الأخلاق ما بقيت »


بقلم : مراد علالة

معذرة أحمد شوقي ... يشرفني أن استعير منك بيتا شعريا تجاوز كونه ابداعا ذاتيا وصياغة فنية راقية لفكرة خالدة لها في خصوصيتنا ما يبررها وفي كونيتنا ما يؤكدها ويبرهن على الحاجة الانسانية اليها وهي الاخلاق التي ان انعدمت «ذهبت معها الأمم» !

مردّ حديثنا عن هذا الموضوع والاستنجاد بشوقي هو ببساطة الدعوة التي أطلقها القيادي فيما تبقى من حركة نداء تونس خالد شوكات لرئيس الجمهورية ومؤسس الحزب والمالك الأصلي لـ «باتيندته» الباجي قايد السبسي، وهو حسب الرجل «مبعوث العناية الالاهية لإنقاذ تونس»، الى صياغة ميثاق أخلاقي ودعوة جميع القوى السياسية ووسائل الاعلام للتوقيع عليه والالتزام به.

كما اعتبر خالد شوكات سليل جماعات الاسلام السياسي والذي ينظر إليه كمنظّر اليوم في نداء تونس «أن الازمة الاخلاقية التي تنخر المشهدين الاعلامي والسياسي تقتضي مبادرة من رئيس الجمهورية لوضع وثيقة ميثاق ترتقي في أهميتها الى حجم وثيقة قرطاج أو أكثر». واقترح في تصريحه لوكالة الانباء الرسمية ان تسمى هذه الوثيقة بـ «الميثاق الاخلاقي الوطني» الذي يدعى للتوقيع عليه جميع رؤساء الاحزاب السياسية ومسؤولي وسائل الاعلام المرخص لها والمنظمات الوطنية كما يصبح منح الترخيص مشروطا بالقبول ببنودها في المستقبل وهنا يكشف السياسي المخضرم عن تشبعه بالديمقراطية ونبذه للاقصاء وعدم ميله لسيف «الرخص» والتراخيص وغيرها من سيوف ما قبل 2011 وبعده.

المهم أن لشوكات وعيا بخطورة المرحلة وهو يهدف من خلال أطروحته الى اتخاذ خطوات عملية ضد ما وصفه بانتهاك الاعراض والسباب والشتائم والكراهية والتمسك في المقابل بآداب الحوار والرقي والتحضر وتثقيف الرأي العام بما يفيده من أفكار وبرامج ومبادرات.

ليس ذلك فحسب، لاحظ خالد ان السباب والهجومات الشخصية أفقدت النخبة السياسية احترام الرأي العام لها وساهمت وفق كلامه للوكالة الرسمية في تزايد رقعة الشك في قدرة الديمقراطية على النجاح كما أفقد هذا السلوك وسائل الاعلام جزءا من دورها في الارتقاء بمستوى الذوق العام وهو أمر رغم طابعه المعنوي الا أن تأثيراته سلبية على حظوظ البلاد في كسب رهانات التحضر والتنمية...

ويذهب التفاؤل بالرجل الى حد التكهن بأن مثل هذا الميثاق الأخلاقي سيكون عونا لديمقراطيتنا الناشئة وبلادنا على تحقيق النجاح في الانتخابات البلدية القادمة التي يريد أن يكون التنافس فيها مشرّفا وهذا مربط الفرس كما يقال.

لقد كان بودنا أن يطلق خالد شوكات دعوته قبل هذا الوقت بكثير ليس رفقا بساكن قرطاج في هذا الصيف القائض فالشيخ سبق وأن أطلق مبادرة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية العام الماضي في نفس التوقيت تقريبا كما أنّه عقد «القمة» الشهيرة مع صديقه اللدود الشيخ راشد الغوشي صيف 2013 في بلاد الفرنجة وإنما لتنقية المشهد السياسي والمدني كما زعم في شرح الأسباب حتى لا يتعفن بهذا الشكل.

إن ما أطلقه القيادي بنداء تونس اليوم لا يعدو كونه انخراطا آليا في نموذج جاهز للعملية الانتخابية تشتغل عليه اللوبيات وأصحاب المصالح والمنظمات الدولية الراعية والمنتصبة باسم الديمقراطية في الدول النافذة الغربية بالخصوص والتي تنصح بإبرام مثل هذه المواثيق الاخلاقية في المناسبات الانتخابية.

وعلى هذا الأساس لا تعدو المواثيق كونها مدونات سلوك الهدف منها الاتفاق على قواعد اللعبة الانتخابية وزيادة الثقة في العملية الانتخابية نفسها لدى جمهور اهتزت لديه هذه الثقة والحال أننا نبهنا الى هذا الخطر ودعونا بدورنا الى مدونة سلوك سياسي في مجابهة التدني الأخلاقي للعلاقات الحزبية مباشرة بعد انتخابات 2014 ولم ننتظر وقوع «الفأس في الرأس» كما يقال.

ثانيا، وهذا الأهم بالنسبة الينا وبعيدا أيضا عن منطق «فاقد الشيء لا يعطيه»، نرى أن الحديث عن ميثاق اخلاقي بين شركاء سياسيين ومهتمين بالشأن العام يفترض وجود حد أدنى من شروط الذاتية والموضوعية الواجب توفرها في هذه الكيانات السياسية وخصوصا المبادرة منها بهذا المقترح حتى يستقيم الطرح ولا يكون مجرد ضحك على الذقون او مجرد أهداف مسجلة في زمن الوقت الضائع والمبدد وبالتالي فهي اهداف لا تحتسب.

ان صدور الدعوة من حركة نداء تونس مع احترامنا لشخص القيادي فيها خالد شوكات لا يستقيم الآن وربما قد تتغير الاحكام اذا استقام حال الحزب يوما ما لان التشخيص الذي تفضل به الرجل جزء كبير منه بشهادة الداني والقاصي «النداء» معني به وهو السبب في الكثير منه ولسنا بحاجة للتذكير بتلك الحروب الكلامية العنيفة بين شقوقه و«أولاده» على حد قول الشيخ وهذا ما يدفعنا الى القول بأن النية طيبة لكن الحيلة لن تنطلي علينا وعلى ساكن قرطاج وبالتالي لا خير في الاكتفاء بما قاله احمد شوقي. نذكر به لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين:

انما الامم الاخلاق ما بقيت ـ فان همو ذهبت أخلاقهم ذهبو

صلاح أمرك للاخلاق مرجعه ـ فقوّم النفس بالاخلاق تستقم

اذا أصيب القوم في اخلاقهم ـ فأقم عليهم مأتما وعويلا.