الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



61 سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية

المرأة التونسية..قاهرة الظلام



بقلم: خليل الرقيق

عندما تجيل النظر في مكنون تلك التي أجبرت عتاة اضطهاد المرأة على الاحتفال بعيد المرأة، فأنت لا شكّ مُبحِرٌ في ثنايا تجربة عظيمة تَخَالَطَت فيها بطولات الماضي مع أمجاد الحاضر...

لم يكن من باب الصدفة أن يكون عام الإعلان التاريخي عن حريّتها المقنّنة، هو عام الإعلان التاريخي عن استقلال الوطن بأسره... والأهمّ أن عام 1956 هو محطّ التقاء العناصر التي راكمتها العملية التاريخية على مرّ القرون، فمن مؤسِّسة حضارة، الى قائدة جيش الى عالمة الى ثائرة في وجه الظلام والطغيان، قطعت المرأة التونسية كلّ الأشواط في كلّ الأزمنة لتصل الى تلك اللحظة المتبلورة، الناطقة باسم طور مساواتيّ هو الأسبق في بيئة عربية إسلامية كانت عصيّة على كلّ جديد...

لم تكن صدفة عمياء تلك المجلّة الحدث، مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956، إنّما كانت منجزا تراكميا ينتظر من يرتقي به الى مرتبة القانون... وقد حصل وإذا كان كلّ العالم يعرف أنّ بورقيبة كان منذورا للتوقيع على الحدث بجرأة استثنائية، فإنه يعرف أيضا أنّ المرأة التونسية كانت تستحق وعن جدارة تلك المرتبة الريادية في وطنها...

واليوم ونحن نرى قاهرة الظلام والظلاميين تتقدّم الى أعلى المراتب، ندرك فعلا أنّ شيئا من تلك الإرادة العنيدة المتوارثة عبر العصور يسكن في قلب الحاضر، حتى أنّه صار العنوان الأبرز للمعركة الكبرى من أجل الحداثة والتنوير...

إنّك حين تبدأ في سرد الحكاية الطويلة للأنثى الثائرة على حكم البيولوجيا وقهر الإيديولوجيا، تقف أمام نساء من طراز نادر...

لنبدأ بعليسة أو «ألشت» مؤسسة المدينة الأمّ لإمبراطورية قرطاجنة العظيمة، فمهما خالطت الأسطورة الواقع، ومهما تضاربت الروايات، يلوح ذلك المجد التليد مفعما بلمسة نسائية مزجت القوّة بالذكاء...

لنمرّ الى صفنيبة التي كانت وراء التحالف النوميدي القرطاجي بزواجها من الملك سيفاكس ثم حاربت روما ورفعت شعار «إفريقيا للأفارقة»...

لنعرّج على ديهيا بنت تابتت بن تيفان، الكاهنة قائدة الجيوش، والفارسة التي «لم يأت بها زمان» على قول ابن خلدون... سيحدثنا التاريخ عن كثيرات مررن بطريق المجد ومنهنّ شهيرة «الصداق القيرواني» أروى ابنة منصور بن عبد الله والتي أجبرت الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور على عدم الزواج بغيرها، فكسرت قاعدة تعدّد الزوجات...

نمرّ بكثيرات، فاطمة الفهرية الفاضلة المحسنة للفقراء، وأسماء بنت أسد بن الفرات العالمة، ومهريّة الأغلبية الشاعرة والجازية الهلالية محاربة المشعوذين والدراويش، وعزيزة عثمانة بانية المستشفيات ومعتقة العبيد...

نمرّ بكثيرات لنصل الى مجيدة بوليلة رائدة النضال ضدّ المستعمر الفرنسي، وبشيرة بن مراد، وتوحيدة فرحات رائدتا الحركة النسوية، وشريفة المسعدي أوّل امرأة نقابية...

والأسماء عديدة، غير أن ترابط الفعل الإيجابي في كلّ المسارات، يجعلها جميعا رمزا لمفخرة وطنية، لا بدّ أن تقرأ، ولتحدّ كبير لابدّ أن لا تنطفئ جذوته بفعل مؤثرات النكوص القادمة من هنا... وهناك.

تلك التي قالت لن يمروا... فلم يمروا

ربما يأخذنا الحديث الى سحر اللحظة الاولى التي كان لها مفعول القادح الايجابي على المستوى المحلي، ومفعول «الصدمة الكبرى» على المستوى العربي في نطاقاته المحافظة والمأسورة لنوستالجيا المجتمع الذكوري...

لم يكن الاستباق كامنا في الفكرة التي جالت في ذهن المصلحين العرب، فقد دافع قاسم أمين في مصر عن حرية المرأة كما دافع عنها الطاهر الحداد في تونس، لكن الاستباق كان ماثلا بقوة في لحظة ترجمة الفكرة الى قانون، فأنت اذ تجرؤ في خمسينات القرن الماضي المسيّجة بسلطة الموروث على منع تعدد الزوجات، فهذا يعني دخولك في مصادمة مع تشكيل أخطبوطي من التعبيرات المضادة لحركة التاريخ... وقد حصل، وصدرت مجلة الأحوال الشخصية في تزامن مع اللحظة التحررية الوطنية، فملأت الدنيا وشغلت الناس، وحركت من الجدل ما أغرى البعض بتقليد الحالة التونسية، وما أغرى البعض الآخر بمحاكاتها من بعيد، اذ لم تبلغ الحالة العربية آنذاك من الجسارة ما يجعلها تقطع نهائيا مع فكرة تعدد الزوجات، لكن الكل أجبر على الاصغاء، وأجبر على فتح ممرات تصل بالمرأة على الأقل الى فضاء المشاركة العامة، عدا بعض البلدان العربية التي ما تزال تئن الى الآن تحت وقع سطوة المذاهب المتشددة ـ الوهابية على وجه التدقيق والتخصيص.

ويبقى ضروريا الان أن نخفف من الاحتفائية في بعدها السطحي لنطرح السؤال من عمقه الغائر: هل القيمة كامنة فقط في المنجز الاستباقي للدولة الحديثة، أم تتجاوز ذلك لتشمل الطرف المستفيد من المنجز؟ هنا، يتعاظم الوعي بأنه لولا استعداد المرأة التونسية لترجمة المنجز الى مكسب، لما نجحت الفكرة، ولما تفعلت النصوص القانونية على أرض الواقع...

يتعاظم الوعي بأن تلك المرأة المستفيدة من الطفرة العقلانية للدولة الحديثة، قد تحولت الى المشاركة الفعالة في صياغة معنى هذه الدولة الحديثة وتجسيم روحيتها الثائرة على السائد والمألوف، وهنا بيت القصيد...

لقد مرت المرأة التونسية من طور حق التمدرس الى طور التفوق في الدراسة، ومن طور الحق في العمل الى طور التميز في السلم الوظيفي والاجتماعي ومن طور حق المشاركة في الشأن العام الى طور التأثير في الرأي العام... شيء من ذلك العناد التراكمي الموروث عن سيرة النساء العظيمات في تاريخ تونس وشيء من ذلك الدفق الحداثي الجديد تضافرا ليشكلا جدارا نسويا مضادا للتخلف والرجعية احتاجت اليه البلاد في يوم قاتم، فوجدته، بل لا نبالغ ان قلنا انه صنع الفارق، في لحظة فارقة...

من المهم أن نقفز على بعض المراحل التي صارت في باب البديهيات، ومنها تلك التطورات التي حصلت في الوضعية النسوية التونسية، لترتقي بالمرأة من الكائن الذي يساعده القانون الى المواطن الكامل الذي يشرّع القوانين أصلا...

يهمنا أن نتجاوز كل ذلك لنعرج على المرحلة الأخطر والأدق، والأكثر مصيرية في تاريخ تونس، لحظة هجوم الظلام والتكفير على أرض الخضراء في القرن 21...

لعل هذا أيضا، سطر كبير في تاريخ لن ينسى... سطر كبير لن تمحى كلماته من جدارية الصمود المدني في وجه عاصفة «الربيع الاسلاموي» فحين دارت على تونس الدوائر، وسلّم قيادها الى السفهاء منها، استحالت أرضها الى كتلة من غبار أسود: سبورات آدمية سوداء تتجول في المشهد العام بنقاب وبرقع، و«مجاهدات نكاح» وبريئات في انتظار «ختان البنات» وكتاتيب موازية للدولة تقتل في الطفولة الاحساس بالحياة، ودعاة بل أدعياء يتجولون بتأشيرة مختومة من «دولة الهواة» ليعظوا الناس ـ ومن الوعظ ما قتل ـ...

كل شيء كان يوحي في 2012 و2013 بمصادمة مزلزلة بين المنجز التحديثي والقادم الظلامي، وأزف الموعد بعد دم غزير وعزيز أريق على جوانب الطريق، بعد ان سقط الشهداء وانطلقت معركة «الرحيل»...

كانت المصادمة مزلزلة، لكن على غير الصيغ التقليدية وحروب الكر والفر، اذ لم يستعمل فيها المقاومون المدنيون (بالتأنيث والتذكير) سوى العقل والكلمة، والأغنية والقصيدة، واللافتات، والرسم على الجدران، والتظاهر السلمي... ووقتها، وبعد ايام من التحاق الشهيد محمد البراهمي بالشهيد شكري بلعيد، جاء يوم 13 أوت 2013 حاملا معه مسيرة نسويّة لا تمحى من الذاكرة، ذلك أنها أعطت العلامة المواطنية الكاملة لاعتصام الرحيل في ساحة باردو ...

تلك التي قالت «لن يمرّوا» فلم يمرّوا .. لم يمرّوا بأطماعهم في اقتلاع الدولة من جذرها التحديثي، لم يمروا بميليشياتهم التي استهدفت الأشخاص والمؤسسات، لم يمروا بمخطط الخلافة المعلنة ولا الخلافة المقنعة، ووقفت المرأة التونسية ـ قاهرة الظلام والظلاميين ـ سدا منيعا أمام زحف تحالف الترويكا الى منطقة الاستبداد الجديد ..

ثمّ كان المنعرج الثاني أو المُجَسَّمُ التاريخي للانتقال من اللحظة البائسة الى لحظة اخرى ـ يصعب تقييمها الان لأنها غائمة ـ .. كانت انتخابات 2014 التي أزاحت كل المرزوقي وجزءا من النهضة بأصوات نسائية مليونية ...

تلك التي قالت «لن يمرّوا» فلم يمرّوا، أجبرتهم الان أصلا على الاحتفال بعيدها في الساحات العامة، وألجمت ميلهم الدفين الى تطويعها قهرا للباس الافغاني ... ويتواصل التحدي ...

المعركة متواصلة

اليوم، في 2017، وقانون مناهضة العنف ضد المرأة خارج لتوه من طور المصادقة البرلمانية الى طور التجسد الفعلي، يمكن القول أن الطور المساواتي الذي ناضلت من أجله اجيال متعاقبة من التوانسة، قد بدأ يتحسس طريقه الى التبلور الفعلي، وفي صيغة نهائية غير قابلة للتراجع .. لكن المعركة ما تزال طويلة، فأن تقتلع الداء بقوة القانون، أيسر من أن تقتلع الافكار السوداء بقوة الثقافة. وهكذا يتزايد الوعي الان، بأن حسم المعركة السياسية والقانونية يجب ان تتبعه معركة ثقافية. فالأطر والتعبيرات المنتجة للتخلف، مازالت ماثلة على شكل نطاقات محافظة، تمارس استبدادا لا مرئيا على كيان المرأة ... مازال هناك شيء من المعاناة الصامتة لفتيات في قلب الارياف، وحتى في قلب المدن، تمارس عليهن اشكال من الاضطهاد الفكري، وتفرض عليهن انماط من الملبس والسلوك، بل تحدد مساراتهن الاجتماعية وفق التقاليد البائدة ...

مازال هناك ضروب من الاختراق الثقافي لجدار الدولة الحديثة، حيث تسكن قوى الردة متسلحة بخطاب مخاتل، يترصد المرور من أي لحظة فراغ، ومتموقعة بقوة وتمترس في مفاصل القرار ...

مازال هناك شيء من الغمام المترسب في الذهن الشعبي عن المرأة التي يجب ان تفرض عليها الوصاية حتى لا تخدش عنجهية القبيلة ... مازال هناك الكثير، «جند افتراضي» يشتغل لحساب الظلاميين ليؤصّل «العبودية الجديدة» عبر المحامل التكنولوجية الحديثة، ويستقطب الغافلين الى منطقة الخنوع الثقافي، والانقياد لسيف الرقابة ... مازال هناك عنف رمزي، وعنف «فقهي»، وعنف «ناعم» يمرر عبر تلك الصيغ الفكرية الخجولة والنمطية، والمكرورة، من قبيل «الأصالة والمعاصرة»...

مازال هناك«تحميلات» اخوانية مراوغة تضع الحرية على سطح الخطاب، وتخفي العبودية في طوايا النص ..

إذن مازال هناك أمام المرأة قاهرة الظلام، عمل كبير لحماية المنجز، ومواصلة السير نحو التبلور المساواتي الشامل ..

ومع ذلك .. يحق لنا الاحتفال

معركة طويلة، وتحدّ ثقافي سيكون الأبرز في مسار التجسيد الكامل للمساواة بين الجنسين، لكنّ ما تحقق جدير بالاحتفاء ... فالحضارة التي لم تخل أطوارها من اللمسة النسائية المبهرة بالقوة والذكاء، تملك الان مزيجا خلاقا من أمجاد القرون، تملك «ورقة رابحة»، توظفها كلما ألمت بها الملمّات هي المرأة التونسية ...

ويكفي هنا ان نعترف بأنه ان كان هناك معنى لانتصار الدولة الحديثة على المغول الجدد فبفضل الاسهام النوعي للمرأة التونسية ... واذا مررتم الان في شوارع تونس الفسيحة، ورأيتم خصوم حرية المرأة، يحتفلون بعيد المرأة، فاعلموا أن امرًا جللا قد أجبرهم على الاذعان «المؤقت» لحكم التاريخ .. اعلموا أن نساء تونس قد وقَّعن ذات يوم على جداريّة «رحيل المغول الجدد» في ساحة باردو العظيمة ...

ويستمرّ التحدي...