الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية


المرأة التونسية في عيدها
ستة عقود وَحَوْل بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية

التّمييز الايجابي.. والعقل السّلبي؟!


بقلم: مراد علالة

رجل يخطب في مئات النساء ويحرضهن على المشاركة في الحروب السياسية ويبشّرهن بمخرجات الانتخابات البلدية القادمة...«شيخ» يشرف في شارع الحبيب بورقيبة على تظاهرة تحت يافطة «المرأة التونسية ابداع وحرفية» دعما «للعارضات» الشابات وباعثات المشاريع... «شيخ» آخر يختم بالمناسبة قانونا أساسيا متعلقا بالقضاء على العنف ضد المرأة صادق عليه مجلس نواب الشعب الذي يهيمن عليه الذكور... مجلس وزاري مضيق فاق فيه عدد الوزراء الوزيرات يصادق على استراتيجية وطنية للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات الريفيات... الديوان الوطني للاسرة والعمران البشري يدلي بدلوه في الموضوع ويسجل حضوره بالمناسبة بمائدة مستديرة حول «الخصوبة» فيما حلّت بالأحزاب والقوى التقدمية حالة عطالة نأمل ألا تكون دائمة... هكذا نحتفل في تونس بالذكرى 61 لصدور مجلة الاحوال الشخصية وعيد المرأة في 13 اوت 2017.

والحقيقة ان للمرأة حقها في العيد ولا نخال ان عيدها مرتبط بيوم بذاته فكل الأيام أعياد نسائية، وكما هو معلوم لا تقتصر الاحتفالات فقط على تواريخ وطنية كما هو الحال اليوم 13 اوت في تونس وانما ثمة يوم عالمي للمرأة ايضا هو الثامن من مارس كل عام وفي كل العالم.

ولا ضير رغم تواتر الأعياد وكثرة المناسبات ان نتوقف عند المنجز وخصوصا عند المعوقات التي لا تزال تهدّد هذا المنجز وتعيق تطويره بل الأدهى من ذلك «صمود» معوقات خلنا وتوهمنا اننا انتصرنا عليها باستخدام وصفة دواء عصري يسميه البعض أيضا سلاحا حداثيا كيّفناه قانونيا في مصطلحي «التمييز الايجابي» لمقاومة الحيف التاريخي المسلط على النساء عبر القانون وعبر الاجراءات القسرية التي لم يستسغها بعد الرجال ولم تتأقلم معها بعد النساء بكل صراحة ويكفي اليوم ان تقرأ الشواهد على مكاتب بعض المسؤولات في الدولة لتكتشف انهن يصررن على «تذكير» وظيفتهن بدل تأنيثها.

لقد ظهرت عبارة التمييز الايجابي في القاموس السياسي والقانوني وكذلك الاعلامي قبل زهاء اربعة عقود في الديمقراطيات الغربية العريقة وتبنت الحركات الاجتماعية والحركة النسوية بشكل خاص هذا المفهوم وعملت على تكريسه في واقعنا العربي والافريقي بهدف معالجة الغبن في الحقوق الذي استهدف النساء على مرّ القرون انطلاقا من أن التمييز ضد التمييز هو عودة إلى الأصل أي عدم التمييز وبالتالي تحقيق المساواة.

تلك كانت فلسفة الحركة النسوية وحركة المجتمع المدني بشكل عام بقيادته الذكورية في الغالب وهذا معطى تاريخي هام لأنه أشّر لوعي جديد أيضا بضرورة تحويل مفهوم المساواة من المساواة في الفرص الى المساواة في النتيجة وتقنين ذلك، فالنساء اليوم في تونس على مشارف الحضور المتكافئ في الهيئات المنتخبة عاجلا ومواقع القرار آجلا بفضل مبدإ التناصف العمودي والافقي الذي سلّم به الجميع فلماذا نخشى اليوم على النساء وعلى حقوقهن ويمارس البعض منا الوصاية والأبوة وحتى العبودية ويقبل البعض منهن للأسف بالمنزلة الدونية او يتعاملن مع التمييز الايجابي كهبة او منّة من الرجال؟

هو العقل السلبي دون ادنى شك لم يرتق بعد الى علوية ومثالية «التمييز الايجابي» الذي تفطنت اليه المواثيق الدولية قبل عقود وهي وان لم تسمّه كذلك في ابانه فانها ميزت بينه وبين أشكال التمييز الأخرى التي تنتهك حقوق بعض الفئات واعتبرت التدابير والاجراءات الخاصة التي يكون الغرض الوحيد منها تأمين الحقوق شرعية ومشروعة لانها في النهاية ضرب من ضروب «التمييز الايجابي» الذي يجب ان يتحول اليوم الى ثقافة شعبية تقطع مع الثقافة القروسطية التي تسبي النساء والثقافة الليبرالية المتوحشة التي لا تعترف بآدمية النساء والرجال على حد سواء.