الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية


المرأة التونسية في عيدها
المساواة بين الجنسين في خطاب اليوم :

الباجي قايد السبسي .. والحُلْم البورقيبي


بقلم: الهاشمي نويرة

تُحْيي تونس اليوم الذّكرى 61 لصدور مجلّة الأحوال الشخصيّة في مناخ سياسي ترنّحت فيه الأحزاب السّياسية الحداثيّة أو هي تآكلت وتفتّتت وتشرذمت وتغوّل فيه الفكر الرجعي الماضوي المتخلّف حتّى أنّ الدولة المدنية ذات الأفق الحداثي كاد يذهب رِيحُهَا لولا بعض المناعة المكتسبة والّتي مثّلت المرأة التونسية عنصرها الأساسي.

وتعتبر مجلّة الأحوال الشخصيّة أهمّ فِعْلٍ سياسيّ قامت به دولة الاستقلال الحديثة، بل إنّه أهمّ قوانين الجمهورية وهو الّذي أحدث تغييرات هيكليّة في عقليّة المجتمع التونسي،

وهي تغييرات صمدت في وجه كلّ ضربات الفكر الماضوي والرجعي على مدى فترة ما بعد الاستقلال والى حدّ الآن.

ويقيننا أنّ المرأة التونسية بعد صدور مجلّة الأحوال الشخصيّة كانت صمّام أمان قيم الدّيمقراطية والمدنية خلال فترتي دولة الاستقلال وبعد 14 جانفي 2011 وتحديدا حين تبيّن أن الطّابع المدني للدّولة والمجتمع أضحى مهدّدا اثر صعود «الترويكا» بقيادة «النهضة» الى الحُكْمِ في أكتوبر 2011.

ونكاد نَجْزُمُ أنّ المرأة التونسية ما دخلت معركة إلاّ وكسبتها الشيء الذي يبدو أنّه أجْبَرَ «أعداءها» على «الانتقال والتحوّل»، مِنْ حالة العِدَاء المعلن والنُّكْرَانِ للحقوق إلى وَضْعٍ يحتفلون فيه معها بذكرى 13 أوت وفي شارع بورقيبة ..

وتقديرنا أنّه ليس من الأهميّة بمكان توصيف هذا التغيّر في الموقف والسّلوك بأنّه يأتي على سبيل التكتيك والمناورة انتظارًا لِمُرور عاصفة الرّفض المجتمعي والدولي للفِكْرِ الاخواني الذي يرفع قِشْرَةَ المدنية شعارا مضلّلا في حين يبقى لُبُّهُ مُوغِلاً في التخلّف والرجعيّة، لأنّ الأهمّ هو خَلْخَلةُ بُنية الفِكْرِ الظلامي لدى حامليه وذلك، مِنْ خلال ضرب حالة الاستقرار والأمان فيه والتي هي مِنْ شروط انتشار الأفكار وتَغَلْغُلِهَا في المجتمعات.

وقد بَرْهَنت مجلّة الأحوال الشخصيّة بأنّ القوانين يُمْكِنُ ـ متى توفّرت إرادة الحَاكِمِ والمشرّع ـ أن تُغيِّرَ ما في النُّفوسِ فتتغيّر المجتمعات إلى الأفْضَلِ والأَحْدَثِ حتّى وإنْ بَدَتْ الشّروط الموضوعية غير متوفّرة أو هي ليست ناضجة لذلك.

وتبقى مع ذلك مجلّة الأحوال الشخصيّة في حاجة الى تطوير وتحديث، وهو الأَمْرُ الّذي اشتغل عليه كلّ مَنْ تَعَلَّقَت هِمّتُهُ بمبدإ المساواة بين المرأة والرّجل ...

وتَكْمُن عبقريّة الزعيم الحبيب بورقيبة في أنّه إستغلّ ووظّف زَخَمَ المشروعية الّتي اكتسبها بفضل نجاحه في قيادة معركة الإستقلال و«فرض» أجندة تحديثية بَدَأهَا بسلسلة مِنَ القوانين الّتي لَمْ تَكُنْ تعبيرا أو نِتَاجًا لما يَعْتَمِلُ في المجتمع التّونسي والذي كانت بُنْيَتُه بالأساس ريفية وما يزال حينها محكوما بالعقلية الذّكورية التي تضع المرأة في مرتبة دونية.

وكان مفتاح هذا النجاح الأساسي هو تلك المَقْدُرَة الاستثنائية التي تمكّن بفضلها بورقيبة من الاقناع بأنّ المعركة ضدّ التخلّف الفكري والمجتمعي والاقتصادي هي جُزْءٌ لا يَتَجزّأُ مِنْ معركة الاستقلال، وبات مِنَ البديهيّ عند شرائح واسعة مِنَ المجتمع التونسي أنّ الباب الوحيد للمحافظة على استقلال تونس ـ والذي كانت ضريبته مرتفعة ومُكْلِفَة ـ هو خوض المعركة ضدّ التخلّف لتحصين مكسب الاستقلال.

وقد يكون هذا هو الشيء الذي مكّن بورقيبة مِنْ وضع نسيجٍ قانوني ومؤسّساتي مَثَّلَ لَبِناتِ دولة مدنية ذات أفق حداثي.

ولإتْمَامِ إنجازاته واصلاحاته لَمْ يجد الزعيم الحبيب بورقيبة غضاضةً في الإلتجاء الى الفتوى وإلى تأويل النصّ الديني بما يخدم أهدافه وبما يساعد على تركيز أُسُس الدولة المدنية الحديثة ومِنْ ذلك تعديلات قانون الأحوال الشخصية في مادّة الإرْثِ، غير أنّه عجز عن الوصول بهذه الاصلاحات الى منتهانا الطبيعي وهو تحقيق المساواة التامّة بين الجنسين أو وَضْع الأسس لذلك، وأسباب ذلك كثيرة لعلّ أهمّها فشل الزّعيم في تجديد مشروعيته التاريخية وعدم اقتناعه بأنّ السبيل الوحيد لذلك هو دَمَقْرطةُ المجتمع والدولة، ما أدّى الى ضُعْفِ المجتمع السياسي وتراجع حماس الحداثيين والى الرجوع «الدراماتيكي» لأصحاب الفكر الماضوي الرجعي من أجل لَعِبِ أدوار أساسية في المجتمع وفي السياسة، الشيء الذي أدّى إلى خلق تربة خصبة لتنامي حركات الاسلام السياسي.

اليوم 13 أوت 2017، يبدو أنّ بريق الحداثة يُراد له أن يكون قاسما مشتركا بين النّاس وإنْ كان مِنْهُمْ مَنْ يعتقد في ذلك ومنهم من يتظاهر بذلك ...

وإنّ كلّ الدّلائل تشير الى أنّ الرئيس الباجي قايد السبسي ـ الذي اتّخذ مِنَ الزعيم بورقيبة رَمْزًا ومِثَالاً ـ قَدْ فَهِمَ أنّه أمام لحظة تاريخية للخروج مِنْ حَالَةِ المتشبّه بالزّعيم الى أخرى يكون فيها صاحب صفحة في التّاريخ تكتب باسمه وتحمل توقيعه الشخصي.

وإنّ الرئيس الباجي قايد السبسي الذي يتهيّأُ اليوم لإلقاء خطاب بمناسبة الذكرى 61 لصدور مجلّة الأحوال الشخصية، قد يكون اتّخذ قرارا نوعيا وجريئا واستثنائيا بالسّير خطوة حاسمة في اتّجاه ايجاد الآليات الكفيلة بتحقيق المساواة التامة بين الجنسين .. وذلك تحقيقا للحُلْمِ البورقيبي الذي حالت الظروف والأخطاء السياسية دون تحقيقه.

وفي اعتقادنا أنّ الفطنة والدّهاء السياسيين سيدفعان الرئيس الى اتخاذ مِثْلِ هذا القرار الذي سيُعيد خَلْطَ الأوراق والتّحالفات ويردّ الإعتبار لتناقضٍ أساسي في مِثْلِ مجتمعاتنا وهو التناقض بين المحافظين والمجدّدين.

وهو ما يؤشّر إلى أن الباجي قايد السبسي قد يكون اتّخذ قراره بالقطع مع التّحالفات السياسية التي هي ضدّ طبيعة الأشياء، وذلك وَعْيًا منه بأن رصيد التّحالف والتوافق مع حركة «النّهضة» قد نَفَدَ، خصوصا بعدما تأكّد أن شيخ «النهضة» لم يَعُدْ يسيطر بالكامل على جماعته.

ويبقى التّساؤل حول مدى قدرة الرئيس الدستورية والعملية على تنفيذ قراراته المنتظرة مشروعا، في ضوء القيود الّتي يفرضها الدستور، إلاّ أنّه مِنَ الذّكاء بمكان تحويل وجهة النقاش العام مِنَ الاختلاف حول نواقض الوضوء وختان البنات الى التجادل حول مسألة حقوقية أساسية وانسانية تهمّ مبدأ المساواة بين الجنسين وهو طَرْحٌ مِنْ شأنه أن يُعيد قواعد الفرز المجتمعي والسياسي فهل يتجرّأ الرئيس على الإقدام على هذه الخطوة الاستراتيجية التي ستعود بالنقاش العام الى طبيعته المدنية ؟!