الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



لا حياة سياسية بدون أحزاب معارضة:

... حتى وإن كان خطابها مجرّد صراخ في الفراغ...


بقلم: لطفي العربي السنوسي

من أبجديات الممارسة الديمقراطية كما في أدبيات الفكر السياسي الحديث هو هذا التوزّع «غير العادل» بين «أطراف الحكم»... حزب منتخب ديمقراطيا يتولى الحكم وحزب أو أحزاب معارضة تتحرك «مع» أو «ضدّ» الحزب الحاكم وفق ما تستدعيه المرحلة من «اسناد نقدي» أو «معارضة نقدية»...

وتعتبر أحزاب المعارضة الوطنية كما جاء في أدبيات الفكر السياسي الحديث «شريك حكم» بالضرورة وأحد الركائز الجوهرية والتي بدونها لا يمكن ان نتحدث عن نظام ديمقراطي... بل ان الدولة القويّة (والقوة لا تعني التسلط والاستبداد) انما تستمد استقرارها من قوة ورسوخ أحزاب المعارضة...

وكلما ضعفت «المعارضة» وخفت صوتها تنزلق الدولة (السلطة) انزلاقا حرا من موقع القوة في اتجاه الاستبداد (من الدولة القوية الى دولة الاستبداد)... أي في اتجاه قوة تسلطية لا تنتج قيما وأفكارا ولا تؤمن بالتعدد والحوار بقدر سعيها الى صنع زعامات تنزع نحو ترسيخ الحكم الفردي لشخصية متورّمة لا تقبل النقد أو المعارضة وتجد في الآخر من «يُنظِّرُ لهذا التورّم لمزيد سحق المعارضة مقابل توسيع قوة الدولة التسلطية و«شرعنة» احتكارها للسلطة وتبرير كل ما تمارسه من عنف وانتهاك للحريات.

وعليه فإن أحزاب المعارضة هي في الواقع تجلّ من تجليات الأنظمة الديمقراطية التي يتم فيها الانتخاب وفق لعبة سياسية «مدسترة» تضبط بالنهاية قواعد الحكم بين سلطة منتخبة ومعارضة تستمد شرعيتها وقوتها من داخل هذه المنظومة الديمقراطية التي ترى الفرد كائنا حرا في اختياراته المرتهنة الى صناديق الاقتراع التي تتوزع نتائجها لتفرز في الآخر منظومة الحكم ومنظومة المعارضة غير المطالبة ـ في الواقع ـ بأن تكون في انسجام تام مع اختيارات الحزب الحاكم ورؤاه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل ان سؤال الانسجام غير مطروح أصلا والا انحرف حديثنا الى حديث عن معارضة شكلية تسمّى في التوصيف الحديث بـ «المعارضة الاحتفالية» التي تصنعها «الدولة المستبدة» لاضفاء شرعية على ممارساتها القمعية أو اجراءاتها المجحفة تجاه مواطنيها... وهي معارضة شكلية انتهازية ومجرد «اكسسوار» للايهام بالتعدد الحزبي وهي ـ في الآخر ـ معارضة تتحرك تحت «جلباب» الدولة المستبدة وتأكل من موائدها بعدما تخلت عن دورها التاريخي وما هي منذورة اليه من نقد وتغيير واصلاح... وقد عرفت تونس منذ دولة الاستقلال هذا الشكل من أشكال المعارضة التي ترسخت في نظام بن علي على امتداد ثلاثة وعشرين سنة... وهو «الشكل» الذي تحنّ اليه ـ للاسف ـ النخبة التونسية (بعضها في الواقع وهم قلّة) ممن لم يستسيغوا بعد قيام كيانات أو جبهات سياسية وحزبية معارضة قادرة على تحدي الدولة ونقدها عبر خطاب لا يتردد في الذهاب الى نزع الشرعية عنها (عن اختياراتها) وهو خطاب لا يفكر في الانقلاب عليها وانما يسعى الى جلب الدولة (السلطة) الى منطقته (تفكيرا ورؤية)...

هذه النخبة (القليلة) تعتبر هذا الخطاب خطابا انقلابيا وشكلا من أشكال الفوضى التي قد تؤدي الى تقاتل أهليّ بل يذهبون الى أكثر من ذلك بمحاولة تتفيه هذه المعارضة وشيطنتها وتخوينها ورميها بحجر الجهل والاهتراء ما يدل على ان الفهم للممارسة الديمقراطية لم ينفذ ـ بعد ـ وبعمق الى عقل هذه النخبة وما يزال مشدودا ـ وبقوة ـ الى ما ترسخ في تفكيره ـ على امتداد عقود ـ ويتجلى في هذا الإصرار على تربية «بافلوفية» لمواطنين لا يؤمنون بغير الاجماع الأغلبي (الاعمى) يعادون ـ دون وعي ـ كل من يجرؤ على هتك ستر هذا الاجماع...

ليس مطلوبا من المعارضة ان يكون خطابها متجانسا مع خطاب السلطة وقد تلتقي معها وتشترك في نفس التوجهات احيانا... وليس مطلوبا منها التنازل عن مبادئها وقناعاتها بدعوى «حساسية المرحلة» وضيق الاختيارات واستعجالية الاستحقاقات وليس مطلوبا منها ان تبصم على ما تراه ارتدادا بالعشرة...

وعليه لا سبيل الى شيطنتها أو رجمها بالجهل وبان خطابها قد سقط بالتقادم أمام المتغيرات السياسية المتسارعة حتى وان كان في خطابها مغالاة يراها البعض غير ملائمة لما تستدعيه المرحلة من اسناد كامل واجماع مطلق لحكومة السيد يوسف الشاهد... وهذه الدعوة للالتحاق بصفوف الاجماع الموجهة للمعارضة وتحديدا لليسار النيابي انما هي دعوة لتخريب المشهد السياسي من الداخل باعادته الى ما كان عليه حيث الكل مصطفون في طابور الاجماع...

اليسار النيابي لم يخذل ناخبيه وحافظ على صوته عاليا وهو ضروري حتى وان كان مجرد صراخ في الفراغ... وما حدث في جلسة منح الثقة لحكومة الشاهد الثانية أول أمس انما هو مطمئن يؤكد على مدى ثراء المشهد النيابي ومدى جرأة اليسار النيابي في نقد السلطة عبر خطاب يذكّر الناس ان تونس تبدلت ـ بالفعل ـ وقد فكت ارتباطها «بمجلس الاجماع».