الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



هيئة الحقيقة والكرامة:

بداية مسترابة.. ومآل مشبوه !



بقلم : منيرة رزقي

ولدت هيئة الحقيقة والكرامة من رحم المسار الثوري وهي إحدى العلامات الدالة عليه دون أدنى شك ، لكنها رأت النور في سياق متلاطم الأمواج واختلطت فيه النوايا الخبيثة بالطيبة تماما تقاطعت فيه المصالح والمصائر.ولعل هذا ما جعل ولادتها غائمة ويكتنفها الغموض من كل الاتجاهات.

ولأنها هذه الأيام حديث كل وسائل الإعلام دون استثناء وهي أيضا الموضوع المفضل لوسائل التواصل الاجتماعي كان من المهم ان ندلي بدلونا بخصوصها. خاصة بعد موجة البلاغات والبلاغات المضادة التي صدرت عن أعضائها ووشت بالمآل الخطير الذي وصلت إليه والهوة السحيقة التي تردت فيها بعيدا عن الدور الكبير والمركزي الذي يفترض أن تقوم به والذي هو علة وسبب وجودها كما نعلم جميعا.

وبات واضحا أن الجميع يتهم الجميع وان هيئة الحقيقة والكرامة بدأت تتآكل بعد ان وصلت الحرب في صلبها إلى طريق «اللاهدنة « و«اللاسلام» خاصة وقد وصلت الاتهامات ذروتها من خلال الادعاء بالتأمر وغير ذلك من التهم الخطيرة.

ولأن المقدمات او البدايات غالبا ما تشي بالقادم وتحيل بشكل او بآخر على المآلات فإن المسار الانتقالي في تونس والذي شابته شوائب كثيرة قادت الى المأزق الخطير الذي نحن فيه اليوم وفي إطاره ولدت هيئة الحقيقة والكرامة والتي كان وجودها ضروريا بالنسبة إلى البعض في حين رأى البعض الآخر عدم جدوى إنشائها وكل لديه مؤيدات وحجج تؤكد وجاهة رأيه.

إذن في سياق جدالي نشأت الهيئة وكان واضحا ان مهمتها لن تكون سهلة لاسيما وقد تأسست ضمن محاصصة سياسية واضحة المعالم كما ان الشخصية التي عهدت إليها رئاستها ونعني السيدة سهام بن سدرين لم تكن « شخصية الإجماع» ويرى البعض ان مسارها يكتنفه الغموض كما ان انحيازها لطرف سياسي معلوم وهو الذي تولى تزكيتها لا يجهلها تتحلى بالحياد اللازم وهي تباشر ملفات دقيقة ومهمة في تاريخ تونس.

كما ان علاقتها بالنظام السابق لا تجعلها أيضا قادرة على ان تمتلك الموضوعية المطلوبة في التطرق لانتهاكاته أو التعامل مع رموزه. خاصة كما أسلفنا وقد أبانت عن انحياز واضح لطرف سياسي ولم تتوان في الظهور بشكل علني ليس مع بعض رموز حركة النهضة فحسب بل مع بعض أعضاء روابط حماية الثورة التي شوشت كثيرا على المسار الانتقالي وكادت تنحرف بالبلاد إلى ما لا يحمد عقباه.

ورغم اختيار بلادنا الانخراط في المسار الانتقالي بأدوات اعتمدت في أماكن أخرى من العالم ومن ضمنها الهيئات الدستورية الضامنة لنجاح ونجاعة المسيرة والمسار على غرار ما حدث في جنوب إفريقيا او المغرب الأقصى إلا الانطلاقة لم تكن موفقة وتوافقية كما كان يفترض لاسيما وان السيدة بن سدرين دشنت «عهدها» بمحاولة الانقضاض على الأرشيف من مؤسسة الرئاسة في إطار صراع مكشوف بين القوى السياسية المتنازعة في تلك الفترة الهشة كما نذكر جميعا.

و«قاتلت» السيدة بن سدرين بضراوة من اجل الاستيلاء على الأرشيف الذي كان بالنسبة إليها «الكنز المفقود» لكن ذلك لم يكن يسيرا وان كان قد كشف جانبا مهما من شخصية هذه السيدة التي أظهرت حقدا في التعاطي مع مؤسسات الدولة التونسية ولم تشف من علاقاتها بالنظام السابق كما أن رغبتها في تصفية حسابات سياسية معه ومع رموزه ومع من يذكرها به أو يحيل عليه بشكل مباشر أو غير مباشر. حتى أنها انخرطت في حرب باردة مثلا مع رئاسة الجمهورية ورئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي التي بدأت قبل توليه سدة الحكم ولم تنته إلى اليوم.

وبكل ضراوة أيضا واجهت مؤسسات الدولة وحاولت تجاوز القانون في أكثر من محطة لعل أهمها عدم تطبيق القانون بخصوص ملف السيد زهير مخلوف زميلها في الهيئة الذي ربما من أول « ضحايا» صاحبة الهيئة وهو الذي أقصي من منصب نائب لرئيسة الهيئة ورغم ان المحكمة الإدارية أنصفته بتثبته في منصبه إلا أن بن سدرين ارتأت غير ذلك وألقت بقرار المحكمة عرض الحائط مؤكدة ان سيدة نفسها ولا احد له سلطان عليها.

ولعل هذه الواقعة المهمة في تاريخ هذه الهيئة قد وشت بشكل واضح عن جوانب التسلط في شخصية الرئيسة كما أفقدتها المصداقية وجعلت مشروعيتها محل تساؤل وهو ما سيتأكد مع الأيام ومع توالي الوقائع ومع تتالي التسريبات وغيرها من المؤشرات التي تؤكد انحراف الهيئة عن مسارها من ذلك استقالة بعض الأعضاء وحديث عن فساد مالي في صلب هذه الهيئة الدستورية وانفراد الرئيسة بالرأي والقرار وغير ذلك.

وكان ذلك منطلقا لانفراط عقد الهيئة التي فقدت عددا من أعضائها الذين انسلخوا عنها وهو ما افقدها حتى النصاب ورغم ذلك واصلت عملها دون النظر إلى هذا المعطى القانوني المهم والحاسم.

وإذا كانت الجلسات العلنية قد شكلت منعرجا محوريا في مسار العدالة الانتقالية إذ أمكن للمواطن التونسي بفضلها الاطلاع على عمق الانتهاكات التي مارسها الفاعل السياسي في مراحل مختلفة من تاريخ تونس المعاصر وكان لزاما على الجميع الصمت إجلالا لأنات الضحايا وشهاداتهم التي كتبت بالدماء والدموع. ، إلا أن هذا لا ينفي أبدا ما شابها من هنات وتعامل بكيالين مع الضحايا إلى جانب غياب شهادات الجلادين التي كانت تضيء جوانب مهمة من ذاك التاريخ المعتم.

فقد شاب الغموض هذه الجلسات ولم يعلن عن برمجتها بشكل تفصيلي ودقيق ومجدول بشكل يبرز كل مراحل تاريخ الانتهاكات فلا فرق بين إسلامي ويساري او يوسفي ولا مفاضلة بين من كان ضحية أحداث الخبر او احداث الرش ولا اعلاء لمكانة ضحية على اساس إيديولوجي.

كما ان الحديث عن التكاليف المشطة لهذه الجلسات واختيار مكانها الذي يبدو انه لم يكن اعتباطيا وان كان مكلفا للغاية فتح الباب على مصراعيه للحديث عن انزلاقات هنا وهناك وسوء تصرف في المال العمومي على أساس محاباة او زبونية تماما كما تمت المحاباة لطرف سياسي جعلته يتبوأ المكانة الفضلى في سلم النضال في تونس.

كما ان الرغبة الجامحة في امتلاك «مفاتيح» بعض الملفات الدقيقة التي تخص بعض رموز نظام بن علي كما هو الشأن بالنسبة إلى ملف شيبوب والطرابلسي قد أحال بشكل واضح على محاولة القفز على مشروع قانون المصالحة الذي طرحه رئيس الدولة واتخذ الصراع في هذه القضية أشكالا مختلفة عايشنا فصولها المستمرة إلى اليوم.

ومع كل هذه الوقائع بات واضحا ان هيئة الحقيقة والكرامة قد حادت عن الأدوار الموكولة إليها وهو ما جعلها تفقد مشروعيتها الى حد كبير وتسقط في تصفية الحسابات وصراع الأجنحة على حساب نبل القضية المركزية التي هي إنصاف الضحايا .

كما أنا غايتها الأساسية التي هي تأمين مسار العدالة الانتقالية لم تتحقق بل من المفارقات العجيبة إنها عطلت مسار العدالة الانتقالية وسقطت في التجاذبات التي بلغت أوجها هذه الأيام بالتهم المتبادلات والسجال العقيم الدائر بين أعضائها.

صفوة القول بقدر ما كانت استحقاقات الحقيقة والكرامة شاهقة بقدر ما كانت المآلات مخيبة.