الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



مافيا تنهش مواردها...

فمن يوقف نهب الغابات ؟


اعداد: سميحة الهلالي

عرف قطاع الغابات موجة من الحرائق وصفت بالمفتعلة أتت على 2000 هكتار وتسبّبت في عديد الخسائر للبلاد، وهذا بالتوازي مع ما يتخبط فيه هذا القطاع من فساد وسيطرة مافيا تستنزف الثروات وتعمل على إقصاء كل من يحاول الاستثمار بهذا المجال على حد تعبير عديد الاطراف الممثلة لشركات تعمل في هذا المجال . حيث هناك شركات كبرى تحتكر منتوج الغابات من الخشب وأخرى تسيطر على قطاع الخفاف مما ادى الى إفلاس عديد الشركات الصغرى والمتوسطة. كما ان بعض «البتّات» التي تقوم بها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لبيع المنتوجات الغابية تحوم حولها شبهات فساد.

فهذا القطاع يعدّ واعدا بالنسبة إلى المستثمرين حيث يمثّل ثروة طبيعية ذات بعد وطني كبير يساهم في إقرار التوازن البيئي والبيولوجي للبلاد والحدّ من تأثيرات تغيّر المناخ ويلعب دورا أساسيا في حماية أديم الأرض من الانجراف ومقاومة التصحّر والمحافظة على الأحياء البرية، وبالإضافة لمنافعه البيئية، يوفّر القطاع الغابي خدمات اجتماعية متعدّدة لقرابة مليون ساكن تونسي أي ما يقارب 10بالمائة من سكان البلاد يعيشون ضمن الفضاء الغابي وبجواره ويساهم بما يعادل 15 إلى 25بالمائة في تغطية الحاجيات العلفية للماشية و14بالمائة من حاجيات الطاقة للبلاد مع مساهمة المنتوجات الغابية غير الخشبية في بعض الحالات بنسبة 30بالمائة من المعدل السنوي للدخل العائلي لمتساكني الغابات. وتلعب الثروات الغابية دورا هاما في تنمية اقتصاد البلاد بما توفره من منتوجات خشبية وغير خشبية قابلة للتحويل وتوفير الشغل وعائدات من العملة الصعبة جراء تصدير كميات من منتوجات عجين الحلفاء والزيوت الطبية والعطرية مثلما أبرزه ممثلون عن وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري .

فماهي مظاهر الفساد في الغابات ؟ وأين آليات الرقابة ؟ وهل هناك إستراتيجية لحمايتها وما هي الإشكاليات المطروحة في هذا القطاع ؟

يضطلع قطاع الغابات بأدوار ووظائف متعددة ومتكاملة تشمل الحماية والإنتاج والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والترفيه وتحسين نوعية الحياة. حيث يساهم في الحفاظ على المياه والتربة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق الجبلية وتوفير منتوجات غابية لتموين مختلف منظومات الإنتاج وحماية الطبيعة والتنوع البيولوجي والترفيه ودعم السياحة الإيكولوجية.هذا القطاع الحيوي والمهم بات ينخره الفساد وأصبح تحت سيطرة مافيا الفساد المتكونة من بعض الشركات الناشطة في مجال الخشب و الخفاف وقد أدّت هذه المافيا الخطيرة الى استنزاف المنتوج الغابي من الاشجار وعدم احترام القانون واحتكار سوق «الحطب» والخفاف ذلك ما بينته السيدة سامية الزوالي مديرة شركة مقاولات في استغلال الغابات مضيفة ان الشركة الوطنية للخفاف قد أفلست ووقعت خوصصتها وتم بيعها بسعر منخفض لا يضاهي مجموع اصولها وممتلكاتها التي تقدر بعشرات المليارات في حين تم بيعها بما قيمته 2 مليون دينار. وتبرز محدثتنا انه رغم المجهودات التي بذلتها بعض الاطراف لإنقاذها الا ان مساعيها باءت بالفشل و تم بيع الشركة الى طرف اجنبي.

هذا الاخير على حد تعبيرها يتصرّف في بيع الخفاف دون رقابة . ذلك ان كميات الخفاف يتم شراؤها من قبل وزارة الفلاحة والموارد المائية و الصيد البحري بأقل من اثمانها ثم تباع في الاسواق بأسعار باهظة. وتقدر قيمة الخفاف الذي تحتكره هذه الشركة و بعض الشركات الكبرى بمئات المليارات في حين ان مدخول الدولة من هذا المجال لا يتجاوز 10 مليارات. كما ان كل شركة تسعى للاستثمار في هذا المجال تتم عرقلتها حيث ان هناك شركة تونسية دخلت للعمل في هذا القطاع الواعد وطلبت اقتناء كميات الخفاف الموجودة واستغلالها فتمت الموافقة على ذلك من قبل وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ولكن (الشركات المحتكرة للقطاع ) رفضت ذلك وتمت عرقلة المستثمر التونسي الذي لم يتمكن من الحصول على كميات الخفاف التي اشتراها الا بعد رفع قضية. وأرادت محدثتنا من خلال هذا إبراز كيفية تعطيل المستثمرين التونسيين في حين يقع التفريط بثروات البلاد التي تمكّن من جلب العملة الصعبة للأجانب ومع جملة من التسهيلات وتقع عرقلة كل مستثمر تونسي. بل اشارت إلى ان هناك شبهات فساد في «البتات» التي تقوم بها الوزارة لبيع المنتوج خاصة وانها عادة ما يتم بيعها لشركة بعينها وبسعر منخفض لا يتماشى وقيمة المنتوج الحقيقية.

خطر كبير يهدّد قطاع الخفاف

وتشير سامية الزوالي ان هناك خطرا كبيرا يهدد قطاع الخفاف حيث يتم استعمال كميات كبيرة للتدفئة من قبل المواطنين ذلك انهم يقتطعون الاشجار دون رقيب وهو ما يتسبب في خسائر كبيرة وطبعا يقع التعتيم على حجم هذه الخسائر. كما اكدت محدثتنا ان هناك تفشيا لظاهرة الفساد في هذا القطاع وخاصة الرشوة التي تتم بغض النظر عن كل التجاوزات القانونية .ومن ناحية اخرى تضيف محدثتنا ان قطاع «الحطب» يعرف ايضا عديد التجاوزات كأن تشتري بعض الشركات عددا معينا من «الاشجار الواقفة» يقع تحديدها من جميع الجهات شمالا وشرقا وجنوبا وغربا ولكن يقع اقتطاع الاشجار بتجاوز الحدود المرسومة ولقد تزايدت هذه الظاهرة خاصة بعد 14جانفي في ظل تفشي ظاهرة الفساد من رشوة ومحسوبية ....وهذه التجاوزات تؤدي حتما الى استنزاف ثروة الحطب فالعديد من الهكتارات وقع استغلالها خارج اطار القانون بتواطئ من بعض اعوان الفلاحة العاملين بالغابات . كما ان من يقدمون على القيام بهذه التجاوزات هي احدى شركات المقاولات في استغلال الغابات والتي تأسست قبل 2011 بالشراكة مع احد اصهار بن علي وهي الان تسيطر على المنتوجات الغابية (الاشجار الواقفة). كما انه وقع اسقاط خطايا هذه الشركة سنة 2012 والتي تفوق المليار .هذه الشركة على حد تعبير محدثتنا تحتكر القطاع واضافة الى هذه الشركة فان هناك شركة اخرى تحتكر مجال الخشب وهي شركة معروفة في مجال «الموبيليا» حيث تفرض هذه الشركة على «الحطابة» اسعارا منخفضة اثناء شراء بضاعتهم التي ابتاعوها من وزارة الفلاحة والموارد المائية و الصيد البحري مما تسبب في تكبدهم لعديد الخسائر بل اصبح العديد منهم مكبل «بالكمبيالات» كما اضطر العديد منهم لبيع ممتلكاتهم لاستخلاص الديون التي تكبلهم التي تفوق 750 الف دينار .وتبرز سامية الزوالي ان «الحطابة» ان احتجوا على هذا الوضع يعمد صاحب الشركة التي تحتكر القطاع الى الامتناع عن شراء بضاعتهم بل يلجأ الى توريد الخشب من الخارج مما جعلهم يرضخون مجبرين لا عن رضى. لذلك اعتبرت محدثتنا انه من الضروري تكثيف المراقبة على قطاع الغابات حتى يتم وضع حد للفاسدين الذين استباحوا ثروة البلاد فقط لتحقيق الارباح كما ان تغول بعض الشركات المعروفة في مجال الخشب و الخفاف ...جعلها تحارب كل من يسعى لمنافستها او الاستثمار في المجال نفسه .و تروي محدثتنا كيف كانت بدايتها صعبة جدا خاصة وانها استثمرت في المجال قبل 14جانفي حيث تمت محاربتها بشتى انواع الاسلحة من عرقلة الى محاولة سرقة الاشجار التي اشترتها .ولكنها لم تستسلم و كان الصمود وسيلتها في فرض ذاتها و تموقعها في هذا المجال الذي تسيطر عليه «حيتان القرش».

كما هو معروف فان الفساد نخر كل قطاعات الدولة دون استثناء لذلك فقد كان للغابات نصيبها ولعلها لوقت غير بعيد عرفت حوالي مئة حريق مما ادى الى تضرر 2000 هكتار في كافة ارجاء البلاد وقد اكد حينها عديد الفاعلين السياسيين ان هناك مافيا متكاملة تستفيد من حرق الغابات لاستغلال الأشجار المحروقة في صناعة نجارة الخشب وهو ما أدى الى ارتفاع المساحات المحترقة وربما هناك أشخاص يتولون الحرق عمدا وجماعات تتولى شراء المحصول المحروق الذي تعرضه وزارة الفلاحة في بته عمومية، .بل ذهب البعض الى القول ان عمليات الحرق الاجرامي من الممكن أن تكون منظمة ومبرمجة لأسباب مالية . وهناك مافيا تعمل على استنزاف ثروات البلاد لخدمة مصالح ضيقة و تحقيق ارباح مالية خاصة ان الثروات الغابية تثير لعاب عديد الاطراف لما تدره من اموال مثل قطاع الخشب و الخفاف..و ترجح بعض التحليلات أن دوافع إضرام النار في الغابات تعود إلى رغبة الحطابين في استغلال الفحم الخشبي والأراضي المحترقة في زراعة محاصيل شخصية واستغلالها في نشاطات أخرى لتحقيق أرباح مالية...

مافيا تسيطر على الغابات

تسيطر على قطاع الغابات مافيا كبيرة ذلك ما بينه السيد سالم غزيل وكيل شركة في استغلال الغابات مبينا ان هناك سرقات كبيرة تتم في صلب الغابات بتواطؤ مع بعض العاملين بها حيث انه تم اقتطاع عديد المقاطع الغابية دون احترام قانون الغابات. ووصف محدثنا كراس الشروط المنظم لقطاع الغابات بكراس «الحرمان» ذلك انه ضد مصلحة العاملين في القطاع ولا يخدم مصلحة جميع المستغلين خاصة وان الفصل عدد 3 من كراس الشروط ينص على ان أي شخص يكون في نزاع مع الادارة(وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ) لا يشارك في أي بتة عمومية. من جهة اخرى افاد ان توريد الخشب اضر بالغابات ببلادنا ذلك ان منتوج الغابات من الخشب يشهد تراجعا ولم تعد لديه مردودية مما جعل عديد الشركات الصغرى والمتوسطة تفلس وتغلق ابوابها .ويرجع محدثنا ذلك الى الاهمال الكبير والتقصير من قبل سلطة الاشراف في الاعتناء بالغابات وايلائها الاهمية اللازمة ذلك انه قبل الثورة كانت الادارة العامة للغابات تهيئ المسالك وتنظف الحواجز النارية ولكن حاليا فان هناك اهمال لكل هذه الجوانب .ويضيف انه حسب تقديره وخبرته فان المساحات التي احترقت تقارب الـ 5الاف هكتار عكس ما تم التصريح به انها 2000 هكتار . كما اكد على غياب آليات الحماية للغابات . وتحدث سالم غزيل عن معاناته خاصة وانه مستثمر في هذا المجال الواعد حيث تمت هرسلته بعد ان تحدث عن شبهات فساد في بعض «البتات» العمومية سنة 2015 ذلك ان وكالة استغلال الغابات نظمت بتاريخ 6ماي 2015 بتة لبيع الحطب الا انه ونظرا لتواطئ بعض الاطراف فانه تم النزول بسعر البتة الى ثمن منخفض بمقارنتها بالبتة التي تمت في 27 نوفمبر 2014 ويتضح ان السعر الافتتاحي للبتة الاولى(2014) قدر بـ 2 مليار في حين تم البيع بـ 3مليار في حين ان سعر افتتاح البتة الثانية قدر بأكثر من مليون دينار في حين حدد سعر البيع بمليار ومائتي دينار وبذلك تقدر المزايدة في البتة الثانية بـ 221 الف دينار في حين ان السعر الافتتاحي لقيمة المنتوج في البتة الاولى والثانية متقارب و سعر البيع متفاوت وهو مايبين وجود شبهات فساد في ملف البتة الثانية . كشف سالم غزيل لشبهات الفساد في مجال الغابات كلفه خسارة فادحة على حد تعبيره .فقد قاربت شركته المتمثلة في مصنع للخشب قدرت تكلفته بـ 200 الف دينار على الافلاس و بدأت معاناته عندما بدأ بالتبليغ عن بعض التجاوزات على غرار اقتطاع الاشجار دون موجب قانوني من بعض الاطراف ولكن الجهات المعنية لم توله أي اهتمام بل وقعت مقاضاته بتهمة الاعتداء على موظفين اثناء اداء مهامهم .واوضح انه رغم تبرئة القضاء له الا انه الى حد هذه الساعة مازال يعاني اثار كل العراقيل التي اعترضته ويحاول احياء مشروعه من جديد .ويدعو الى ضرورة التصدي للفساد في الغابات بمختلف انواعه و خاصة الحد من هيمنة بعض الشركات على قطاع الخشب و احتكاره وايضا تكثيف المراقبة على «البتات» التي تعقد لبيع المنتوجات الغابية لان بعضها تفوح منه رائحة الفساد ...كما نبه الى خطورة غلق الابواب امام المستثمرين التونسيين في حين يحظى الاجنبي بكل الدعم .

استراتيجية لحماية الغابات

تقدر مساحة الغابات والمراعي بـ 516 مليون هكتار و يقطن بها 1000 ساكن وتوفر 14 بالمائة من استهلاك الطاقة من خشب ووقود و44 محمية طبيعية و41 منطقة رطبة ذات اهمية عالمية وتوفر ما بين 15 و25 بالمائة من الحاجيات العلفية في البلاد ذلك ما ابرزه السيد حبيب عبيد مدير عام الغابات مضيفا ان القيمة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للغابات تقدر بـ 930مليون دينار. كما ان تكلفة التدهور في غياب تدخل الدولة تقدر بـ 100 مليون دينار . كما ان الانشطة الموجهة للغابات تقدر بـ 40 نشاطا من بينها الاهتمام بجميع الدور الغابية والرعوية وانتاج المشاتل والتشجير والحماية من التصحر واستغلال الخشب وغيرها من الموارد الاخرى غير الخشبية والصيد البري و تسيير الحدائق العمومية و اعادة توطين الحيوانات و حمايتها واستغلال الحلفاء و الاكليل والاهتمام بالسياحة الايكولوجية .كما بين مدير عام الغابات ان الاستراتيجية الجديدة لسنة 2015 ـ 2024 تتضمن 4 محاور يتمثل المحور الاول في العمل على ملاءمة الاطار المؤسساتي والقانوني للقطاع وتدعيم القدرات من خلال اصلاح هيكلي للمؤسسات المتدخلة في مجال الغابات و ايضا مراجعة مجلة الغابات و يتضمن المحور الثاني تطوير مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية . حيث تم ايجاد تمويلات خارجية بقيمة 250 مليون دينار للتدخل بولاية الشمال الغربي والوسط الغربي .اما في ما يخص المحور الثالث فيتضمن تطوير الوظائف و الخدمات البيئية للموارد الغابية الرعوية بالشراكة مع القطاع الخاص ودعم المناطق المحمية و حماية المناطق الرطبة ودعم السياحة الايكولوجية و يتضمن المحور الرابع تحسين المخزون الغابي و الرعوي وتحسين انتاج المشاتل الغابية و الرعوية و دعم عمليات التشجير ومكافحة زحف الرمال .وافاد مخاطبنا من جهة اخرى ان التفويت في المنتوجات يتم عن طريق بتات عمومية تشارك فيها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري ووزارة المالية و المندوبية الجهوية (دائرة الغابات ) وتكون مفتوحة للعموم وتقوم المندوبية الجهوية بتحديد عدد الاشجار ويتم تطريقها بعلامات مميزة ويتم ارسال المقترح الى وكالة استغلال الغابات لتدقق في المعلومات ثم بعد ذلك يقع بيعها في بتة واثر ذلك تتم المراقبة على ثلاث مستويات على مستوى دائرة الغابات ووكالة استغلال الغابات ومصالح تفقدية الادارة العامة للغابات وعند حدوث تجاوزات يتم ابرام مخالفة في التجاوز. اما بالنسبة إلى الخفاف فيتم بيعه عن طريق وكالة استغلال الغابات وسيتم اعلان بتة للعموم في شهر سبتمبر و هي مفتوحة لعموم الشركات و التي يفوق عددها 50شركة .واكد محدثنا ان الابواب مفتوحة لكل من لديه شكاية او ملف فساد او التبليغ عن بعض التجاوزات يمكنه ان يتقدم بذلك اما للتفقدية بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري او لدى هيئة مكافحة الفساد . وذلك طبعا بهدف التصدي للفساد واي نوع من التجاوزات و حماية المنتوجات الغابية والمحافظة عليها.