الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ذكرى غزوة السفارة الأمريكية

تونس ماتزال تدفع الثمن!



بقلم: مراد علالة

هو أمر دبّر بليل باسم الاسلام وباسم الدفاع عن الرسول تحت سطوة جماعات الاسلام السياسي من المحيط الى الخليج... البداية كانت بالتزامن مع الذكرى السنوية للحادي عشر من سبتمبر 2001 وغزوة نيويورك ودك برجي التجارة فيها، غزوتان على البعثتين الامريكيتين في بنغازي بليبيا والقاهرة عاصمة مصر يوم 2012/9/11 بالذات... بعد يومين فقط الغزوة على السفارة الامريكية في صنعاء يوم 2012/9/13... وبعد يوم آخر، غزوة السفارة الامريكية في تونس في 14 سبتمبر 2012.

كان يوم جمعة، حكام تونس الجدد منتشون بأجواء «الخلافة السادسة» على حد قول رئيس الحكومة انذاك والامين العام لحركة النهضة أيضا حمادي الجبالي فيما كان ساكن قرطاج رئيس الجمهورية المؤقت محمد المنصف المرزوقي منشغلا باستقبال الدعاة والمنظرين لختان الاناث في القصر الجمهوري، أما الشريك الثالث في الترويكا رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر فكان منشغلا على ما يبدو بالاشراف على النسخة الاولى للدستور الذي يقر بدور المرأة «المكمّل» للرجل الذي أسقطه التونسيون يوم اغتيال شهيد الجمهورية الحاج محمد البراهمي في 25 جويلية 2013.

مباشرة اثر صلاة الجمعة، مسيرة حاشدة بجحافل من الملتحين المرتدين للباس الافغاني في أغلبهم والرافعين لرايات سوداء وبيضاء اعتدنا مشاهدتها بأيدي جماعات الاسلام السياسي المختلفة من انصار الشريعة وجبهة النصرة وداعش وغيرها من المنظمات الارهابية التكفيرية في بلادنا وفي الشقيقة ليبيا وسوريا والعراق ومصر وفلسطين وغيرها...

جحافل المتظاهرين كانت في سابقة ببلادنا وربما في العالم، مجهزة على مرأى ومسمع الجميع بكل ما يلزم لانجاح «الغزوة» من سيارات وشاحنات وسلالم وأدوات حديدية وهراوات وأسلحة بيضاء وزجاجات حارقة الى جانب اعتماد تكتيك «حربي» فاجأ وزير الداخلية انذاك علي لعريض الذي قال انه كان في انتظارهم لكنهم أتوا من خلف فصالوا وجالوا وعبثوا بمؤسسة سيادية لدولة صديقة عظمى منتصبة في بلادنا وفق الاعراف والقوانين الدبلوماسية التي تحتّم علينا حمايتها اضافة الى الاعتبارات الانسانية والاخلاقية التي تفرض علينا باسم التاريخ وباسم العروبة والاسلام ان نكرم ضيوفنا ونحفظ حرماتهم...

كان يوما «استثنائيا» من يوميات الاسلام السياسي الذي أطبق على تونس وجثم على صدور التونسيين متسلحا بالشرعية الانتخابية لمنظومة 23 اكتوبر 2011، أشهرا قليلة فقط بعد واقعة 9 أفريل التي هاجمت فيها نفس الجهات تقريبا نشطاء المجتمع المدني والسياسي الذين نزلوا الى شارع الثورة الحبيب بورقيبة لاحياء عيد الشهداء وسوف يتواصل مسلسل الايام العجاف فيما يعرف بأحداث الرشّ في سليانة في نوفمبر وواقعة الاعتداء على بطحاء محمد علي في ديسمبر ثم الاغتيال السياسي الاول لشهيد الوطن شكري بلعيد في فيفري 2013...

حصيلة غزوة السفارة الامريكية في تلك الجمعة التي لا نعلم ان كان توصيفها بالمباركة سليما من عدمه، اربعة قتلى وعشرات الجرحى في صفوف «الغزاة» وتخريب منشآت السفارة الامريكية ومنشآت المدرسة الأمريكية القريبة منها وقدرت الادارة الأمريكية حجم الخسائر التي تكبدتها بما يفوق 18 مليون دولار.

وكما هو معلوم فقد أبرمت تونس مع الولايات المتحدة الأمريكية مذكرة تفاهم لتسوية الأضرار المترتبة عن «الغزوة» وكشف وزير الخارجية التونسي ان السفارة الأمريكية قبلت بقطعة أرض قيمتها 12 مليون دينار كتعويض عن الاضرار التي لحقت بها على أساس ان تونس غير قادرة على دفع المبلغ علاوة على «أن تقديم الأراضي لبناء سفارات هو عرف سائد بين الدول» على حد تعبير خميس الجهيناوي في 2 مارس 2016 !

هكذا أسدل الستار على فصل من فصول «الغزوة» التي جنت فيها الادارة الأمريكية خراج ما زرعته وما نفخت فيه من روح جماعات الاسلام السياسي والمراهنة عليها ومحاولة بث الفرقة بينها من خلال دحرجة المتشددين والتكفيريين والجهاديين منهم الى العنف والارهاب خارج التراب الأمريكي والغربي عموما اضافة الى تجربة «الاسلاميين المعتدلين» أو «الاسلاميين الديمقراطيين» في الحكم بطريقة تجعلهم اما معتدلين بالفعل وخَدَمٍ لدى «الشيطان الأكبر» كما كانوا يقولون أو تقع تهرئتهم وتلفظهم الشعوب بعد ان تكون قد دمرت المجتمعات ومقومات الدول وصارت بفضلها البلدان العربية وعلى رأسها تونس التي توصّف بكونها مهد الربيع العربي، صحاري وقفر وفقر وجهل كما كانت قبل اربعة عشر قرنا.

اما الفصل الثاني والذي يعنينا في علاقة بالسيادة الوطنية فقد وقع للأسف ورغم مرور الوقت، طمسه وتمييعه اذ لا معنى لمقايضة تعطي فيها تونس أرضا تونسية لجهة أجنبية قبل تحديد المسؤوليات والبتّ في الخيارات الوطنية التي قد تفضي ربما الى انخراط فئات من الشعب التونسي في حملة للتبرع من اجل جمع التعويضات للإدارة الأمريكية اضافة الى تحميل من ثبتت مسؤوليته في جريمة «الغزوة» مسؤولية التعويضات.

وهنا لا مناص من فتح ملف السير القضائي لجريمة «غزوة» السفارة الأمريكية الذي لولا بيان السفارة نفسها يوم 31 ماي 2013 لما وقع التدارك بمراجعة الاحكام في حق المتهمين بالمشاركة في «الغزوة» رغم توضيحات وزير العدل نذير بن عمو في حكومة الترويكا 2.

لقد عبرت السفارة الأمريكية انذاك عن ما اسمته «شدة انزعاجها» من الاحكام التي صدرت بحق المتهمين بالهجوم على مقرها والتي قضت باسعافهم بتأجيل التنفيذ، أجل تأجيل التنفيذ وهو أمر تؤكد السفارة ويؤكد أي عاقل انه لا يتطابق مع مدى خطورة اعمال العنف المنظم والممنهج الذي مورس وحجم الاضرار التي لحقت بالسفارة والمدرسة وبمنشآتها ...

وقد وقع التدارك في الاستئناف وتمت ادانة المتهمين العشرين الذين انحصرت فيهم الشبهة بعد اعتقال زهاء 200 شخص في البداية وقضت المحكمة بسجن 6 متهمين فقط لمدة سنتين نافذتين وإضافة 6 اشهر سجنا لاحدهم من اجل انتهاك علم اجنبي ووقع الترفيع في العقاب البدني للبقية الى ثلاث سنوات نافذة باعتبار تغيبهم عن الجلسة !

وحسب الناطق باسم المحكمة فان التهم كانت الانضمام الى مجموعات هدفها الاستيلاء على منقولات وافسادها والاعتداء على الناس وعلى الاملاك وهضم جانب موظف عمومي ومخالفة اجراءات الطوارئ والمشاركة في عصيان صادر عن أكثر من 10 اشخاص وتعطيل الجولان والمشاركة في مظاهرة عدائية وانتهاك علم اجنبي بالحرق اضافة الى جريمتي حمل ومسك سلاح ابيض دون رخصة والنتيجة الحكم بالسجن لفترة لا تتجاوز الثلاث سنوات !

هل نحن ازاء جريمة حق عام؟ بالطبع لا! ولا بد في تقديرنا من تحميل المسؤوليات وكشف الفصول المستترة التي لم تكن بالفعل مستترة بقدر ما كانت مكشوفة وهو ما تأكد منه التونسيون والعالم خلال الفترة الماضية من خلال الجدل الذي رافق شهادة رئيس الجمهورية المؤقت المنصف المرزوقي على العصر في قناة الجزيرة القطرية والذي تلته تصريحات علنية لأكثر من مسؤول في الدولة من بينهم من هو في موقع المسؤولية اليوم ومن عاد إليها ومن هو تحت طلب الإفادة في جميع الاحوال.

والبداية بكاتب الدولة المكلف بالشؤون الأوروبية التوهامي العبدولي الذي أعلن بوضوح وجود عملية «تجييش للحمقى» وانه اكتشف «خيوط اللعبة والضالعون معروفون بالاسماء» وهو يضع كافة التفاصيل والادلة على ذمة القضاء العسكري.

وبطبيعة الحال، وبقطع النظر عن الزاوية والاهداف السياسوية للمرزوقي فان شهادته من المفترض ان تحرك الجهات القضائية خصوصا عندما يقول ان «الغزاة» المتظاهرين نزلوا بشكل مفاجئ وهاجموا السفارة في احدى ضواحي العاصمة التي تبعد عديد الأميال عن المسجد الذي انطلقت منه الغزوة وسط العاصمة وقد حاول الاتصال بكبار المسؤولين والامنيين لكن هواتفهم كانت مغلقة مما يثبت ان القضية كانت مدبرة وفق سرده للاحداث. ليس ذلك فحسب يزعم المرزوقي أيضا ان الولايات المتحدة الامريكية كانت تعتزم القيام بإنزال عسكري لقواتها في تونس وانه كان يوجد تقصير أمني كبير وغير مفهوم الى جانب تلكؤ قائد الجيش رشيد عمار ووزير الدفاع انذاك عبد الكريم الزبيدي.

ولعلها من الصدف الجميلة ان يعود هذا الاخير الى وزارة الدفاع بموجب التحوير الجزئي الذي أدخله يوسف الشاهد على حكومته، وأكثر من ذلك يحوز على أكبر نسبة من الاصوات في عملية منح الثقة للأعضاء الجدد وهو ما يعطيه شرعية وقوة للمضي في ما تعهد به يوم 25 جويلية بالذات بأنه «لن يلتزم بواجب التحفظ ازاء ما يملك من ملفات ضد المرزوقي» واعتباره تصريحات ساكن قرطاج السابق تحريفا وتزويرا للحقيقة وتشويها للتاريخ.

ويقر الزبيدي في رده في حوار مطول لجريدة الشارع المغاربي بأن «وزارة الداخلية فوجئت بفظاعة الحادثة» بعدما تجاوزتها الاحداث والحال ان مسيرات تمهيدية وعملية تسخين حصلت قبل يومين أو ثلاثة أيام ولوحظ «ان المسيرة لن تكون سلمية» والاهم من كل هذا ان وزير الدفاع القديم الجديد «يملك كل المستندات الموثّقة» التي تثبت حقيقة روايته فيما يتعلق بخفايا «غزوة» السفارة.

ما أحوجنا الى الحقيقة اليوم، لقد أفلت المجرمون الحقيقيون من العقاب ودفع التونسيون ولازالوا ثمنا باهظا لحمَاقتهم. المجرمون ليسوا فقط أولئك الذين حوكموا وأدينوا وقضي عليهم بالسجن لسنتين أو ثلاث... هم كانوا أدوات تنفيذ لمشروع أكبر وأخطر لتونس بعد تعثر ملحمة 14 جانفي 2011. المجرمون الحقيقيون هم الذين خططوا وموّلوا ونظموا وتستروا وتواطأوا على جريمة الغزوة قبل وأثناء وبعد وقوعها تماما كما حصل في جميع الجرائم المتصلة بالاغتيالات السياسية والعمليات الارهابية التي طالت زعماءنا في المشهد السياسي وفي المؤسسة الامنية والعسكرية وكذلك المواطنين العاديين بمن فيهم الشقيقان الراعيان الطيّبان دون أن ننسى ضيوفنا من السيّاح الاجانب الذين اضطرت دولهم لابتزازنا كما فعلت أمريكا تعويضا على خسارة سفارتها.