الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



الفوضى في عقر دار «النظام»

أقليّة حاولت إعاقة الديمقراطية


بقلم: خليل الرقيق

تعطّلت جلسة التصويت على قانون المصالحة يوم أمس أكثر من مرة بسبب موجة فوضى وتلاسن غير مسبوق أقام الدليل مرة أخرى على أن بعض القوى تتهجى بالكاد لفظة الديمقراطية دون أن تجسّد شيئا منها على مستوى الممارسة العملية.

وإذا كان رئيس مجلس نواب الشعب قد اضطرّ لإيقاف الجلسة مرتين لتفادي الإشكال، فإن الذي يشمله «الإيقاف» فعلا، هو هذا «المسار الديمقراطي التونسي» الذي بدا تائها في طريق يعبق بالإزدواجيات ويحفل بالشيء وضدّه...

إنه من المعلوم أن ثمة خلافا سياسيا حول تمرير قانون المصالحة الذي تعدل مرارا نزولا عند طلب المعارضة وتفهّما لبعض ملاحظاتها، ووعيا بضرورة إيجاد حدّ معقول من الإجماع الوطني حول ماهية مسار المصالحة، والأطراف المشمولة به، وطريقة تنفيذه.

وإنه من المفهوم، بل من الشرعي وجود قوى رافضة لمشروع القانون، ووجود انتقادات لمضمونه يتيحها النظام الديمقراطي، ويعتبرها من الظواهر الصحية. لكن جوهر هذا النظام الديمقراطي يقوم أصلا على قبول الأقلية بقرار الأغلبية، وفق القوانين التي تنظم عمل المؤسسات المنتخبة...

والغريب هنا، أن بعض الأطراف قد اختارت شعار «لا للجلسة» عوض التصويت بـ «لا» على القانون، وهذه مسألة تخرج من حيّز المعارضة المشروعة لمبادرة تشريعية، الى حيّز التعطيل اللاّمشروع لمؤسسة تشريعية.

وبمثل ما أن التصويت بـ«لا» على القانون متاح، فإنّ إمكانية الطعن فيه متاحة بعد التصويت عليه، في ظل آلية ديمقراطية تؤمن بفصل السلطات، وتتيح للسلطة القضائية أن تطابق مدى ملاءمة التشاريع للدستور... وإذ صار من باب التقليد المتعارف وجود نوع من الجدل الكاريكاتوري والاسفاف اللغوي داخل جلسات الحوار مع الحكومات أو المصادقة عليها، فانّ الجديد هو أن هذا الاسفاف صار يمسّ وجود الجلسات من عدمها، وصار «سلطة قرار» غير ذات صفة، إذ ليس من حقّ أيّ كان أن يعطل مسألة حسمها النقاش في الهياكل المخولة بذلك داخل مجلس النواب...

والحقيقة أنه كان يتوفر للجبهة الشعبية وللتيار الديمقراطي، ولسائر التعبيرات الرافضة لمشروع القانون، فضاء ضغط واحتجاج خارج قبة البرلمان، وهو فضاء تحرك بالفعل يوم أمس أمام المجلس ولا يوجد ما يعاب عليه في ذلك، باعتباره فعالية تظاهر تضمنها القوانين، وحقّا مشروعا لأي مواطن في التعبير عن رأي مختلف...

أمّا وقد تحوّل الضغط من العادي والمتعارف، إلى الفوقي والمسقط على لوائح المجلس وقوانينه الداخلية، فإن ذلك يعتبر بوضوح خروجا عن الموضوع، وعن التقاليد الديمقراطية...

بالإضافة الى ذلك، تتعمق المتاهة حين نعلم ان هذه القوى التي قاومت بشدة مشروع قانون للمصالحة، كانت ليّنة إلى حدّ المبالغة مع أطر أخرى شوّهت وجه المصالحة بانحيازها المفضوح لحركة النهضة، ومنها «هيئة الحقيقة والكرامة»، والتي ربّما يكون قصورها عن إدراك الكُنْهِ الحقيقي للمصالحة ولروحيّتها، هو السبب في دخول أطراف أخرى على خط المبادرة، علما وأنّ هذا الدّخول لا يتنافى أصلا مع قانون العدالة الانتقالية الذي لا ينصّ على ملكية حصرية لهيئة محددة لتقرير شأن المصالحة وتحديد مساراتها.

إن التشنج المفرط الذي شاب وقائع جلسة الأمس يوحي بوجود بعض الأطراف في أزمة سياسية فعلية، إمّا لغياب التموقع الفاعل في المشهد، أو لغياب التصوّر البرنامجي ذي العمق والمقبولية ... والواقع أنّ كثيرا من الاستفهامات صارت تحوم خصوصا حول بعض التعبيرات ذات «العنوان التقدّمي المعلن»، والتي فقدت على ما يبدو البوصلة، وإذا كان لا يعاب على «بقايا الترويكا» التي بلغت سنّ اليأس السياسي، ذلك الإنفعال المألوف، فإنّه من الغريب جدا ان تأخذ سكّة الفوضى من قضى عقودا ينادي بالديمقراطية ..

لكن تلك هي «مشيئة» كل اللحظات الحاسمة في تونس، ففي كل منعرج تلتقي الأقاصي من اليمين الى «اليسار» من أجل تعطيل المراكب السائرة ... والأدهى أن كل هذا يحصل الآن ليغذي تلك الازدواجية النهضاوية، ذات الأوجه المتلونة، وها هي اليوم تضع قدما في السلطة وأخرى في المعارضة ...

إنّ الذي حدث أمس هو «انتكاسة ديمقراطية حقيقية» تنذر بأزمة جديدة .. وطالما أن روح المسؤولية لم تتوفر في بعض الأطراف المتلبسة بالشعار «التقدمي» فإن الأمر محيّر .. محيّر جدا.