الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



جريمة دولة... الحقيقة للشعب

نعم للبثّ المباشر في محاكمة قتلة شهدائنا


بقلم مراد علالة

مرّة أخرى «رفعت الجلسة» الثلاثاء 10 اكتوبر 2017، وحدّدت الدائرة الجنائية الخامسة المختصة في القضايا الارهابية بالمحكمة الابتدائية بتونس تاريخ 26 ديسمبر 2017 للنظر في قضية الشهيد الحاج محمد البراهمي مثلما «رفعت الجلسة» المخصّصة للنظر في قضية الشهيد شكري بلعيد يوم 7 جويلية الماضي وحددت الجلسة القادمة ليوم 22 نوفمبر القادم.

وكما هو معلوم وقعت الجريمتان قبل خمس سنوات وانطلقت الجلسات الفعلية للمحاكمة بعد ثلاث سنوات تقريبا والحال ان طول أمد المحاكمات يضرب في العمق أسس المحاكمة العادلة علاوة على خطر إفراغ الجريمة وملفاتها من كل ما من شأنه ان يساعد على كشف الحقائق.

والحقيقة الاولى هي اننا لسنا ازاء جرائم عادية او جرائم حق عام او حتى جرائم ارهابية اصبحت للأسف عادية في بلادنا منذ حكمتها جماعة الاسلام السياسي وشركاؤها، نحن امام جريمتي دولة في تونس المستقلة تحت حكم حركة النهضة طالت الاولى شكري بلعيد يوم 6 فيفري 2013 أياما قليلة بعد مراسلة عميد المحامين الى وزير الداخلية آنذاك لإبلاغه بالخطر المحدق بالقيادي في حزب الوطد الموحد والجبهة الشعبية دون ان ننسى اجواء التحريض على الشهيد في اجواء «الخلافة السادسة». وطالت الجريمة الثانية الحاج محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013 اياما قليلة ايضا بعد مراسلة وكالة المخابرات المركزية الامريكية الى نفس الجهة اي وزارة الداخلية التي ترقّى ساكنها وانتقل الى القصبة لرئاسة الحكومة، والتي تنبّه فيها الى مخطط استهداف مؤسس التيار الشعبي والقيادي بالجبهة الشعبية.

ولم تقف الامور عند هذا الحد، فقد كشف فريق الدفاع في القضيتين أمورا لم يشهدها مرفق القضاء عبر التاريخ بما في ذلك قبل ملحمة 14 جانفي 2011 غير المكتملة عندما كانت السلطة تكيد وتخيط القضايا على المقاس.

تفكيك وتجميع، تقريب وتأخير، اتهامات واتهامات مضادة، استقواء بالشارع وتهديد بالتدويل امام استحالة ايجاد الاذان الصاغيه والتفاعل الايجابي.. هكذا سارت القضيتان منذ «فتحت الجلسة» الاولى التي كانت اجرائية بالأساس وتواصلت بعد ذلك الجلسات بنفس النسق وعلى نفس الشاكلة.

وفي كل مرة تصدمنا «التفاصيل» التي هي في الحقيقة ليست تفاصيل بقدر ما هي عناصر أساسية في جوهر الموضوع، فتعرض محجوزات على ذمة قضية اغتيال سياسي الى السرقة من خزينة المحجوزات بالمحكمة من بينها حاسوب احمد الرويسي المتهم الرئيسي في قضيتي اغتيال الشهيدين مثلما قالت المحامية ليلى حداد ليست تفاصيل بل هي الأصل مثلها مثل سلاح الجريمة الذي قيل انه ألقي في البحر وكذلك تقارير المخابر الاجنبية التي وقع الاستنجاد بها وتحدث فريق الدفاع عن تأخر وصولها...

حقيقة ثانية ، قد يفقهها السادة القضاة ورجال القانون والسياسة اكثر منا وهي اننا امام جريمة سياسية بامتياز لا يهتّم القضاء فيها فقط بمن نفذها ومولها ووفر لها الدعم اللوجستي وتستّر على المجرمين فيها بقدر ما هو مطلوب منه تحديد المسؤولية السياسية والدوافع السياسية للجريمة ايضا باعتبار ان المتهمين او المشتبه بهم كما يقال ليسوا نكرات وليسوا اشخاصا عاديين بل اعضاء في تنظيم اجرامي مهيكل وفيه سلطة قرار وفيه «مفكرون» واصحاب مصلحة في التخلص من الزعيمين الشهيدين اما لحسابهم الخاص او خدمة لجهة اخرى نافذة في البلاد او في الخارج وقد تكون في حكم البلاد بالتواطؤ مع الخارج.

ثالثا، وبالرجوع الى المحاكمات التي طالت ما يسمى رموز ما قبل 2011 او الضالعين في احداث الرش بسليانة مثلا يقول البعض ان ما حصل فيها هو البحث عن «أكباش فداء» فتحميل المسؤولية مثلا لأربعة أمنيين في واقعة سليانة وإخلاء سبيل المسؤول الاداري والسياسي في الدولة الذي تعود اليه مسؤولية إمرة هؤلاء الامنيين أمر قابل للنقاش والمراجعة وهو ما نخشاه في جريمتي اغتيال الحاج البراهمي وبلعيد بتبرئة من كان يضطلع بأعباء الحكم ويمارس السلطة ولم يقم بما يجب القيام به عندما بلغته التحذيرات.

رابعا، يعترف الجميع في تونس اليوم ان كشف الحقيقة في اغتيال زعيمي الجبهة الشعبية هو مفتاح نجاح الانتقال الديمقراطي ببلادنا وعلى اساسها يمكن الحديث عن المصالحة وعن طي صفحة الماضي وعن الوحدة الوطنية وسيادة القانون واستقلال القضاء وغيرها من المقولات الجميلة التي تظل في تقديرنا شعارات واعلانات نوايا يجب البرهنة عليها، فجزءا ممن يحكم «متهم» الى ان يثبت عكس ذلك ومسؤول سياسيا واخلاقيا عن الاغتيالات وقد تكشف المحاكمة العادلة ايضا مسؤولية جزائية. كما ان جزءا اخر في الحكم وعد بفعل ما يجب فعله لكشف الحقيقة وهذا في حد ذاته التزام سياسي واخلاقي يجب الوفاء به. اما إخوة ورفاق وأهل وشعب الحاج البراهمي وبلعيد فهم ايضا يريدون رفع هذا الكابوس الذي جثم على الصدور منذ صعود جماعة الاسلام السياسي وتغول الارهاب الديني في ربوع الوطن وسقوط الشهيد تلو الاخر في صفوف المدنيين والامنيين والعسكريين ومن بين ضيوفنا الاجانب.

وبالنظر الى كل هذه الاعتبارات وبما اننا ايضا ازاء ازمة ثقة فلا مناص من الوضوح والشفافية ولاعيب او حرج في بث محاكمة شهدائنا مباشرة عبر التلفزة الوطنية كما حصل في مناسبات سابقة زمن الدكتاتورية كما يقال ومثول توانسة امام محكمة امن الدولة.

انها فرصة ليرمي كل واحد الحجر الذي في يده لندرك بالفعل من أجرم في حق تونس وابنائها البررة ومن يريد طي هذه الصفحة بأخف الاضرار دون مساءلة او محاسبة الى جانب كونه انتصار للقضاء والقضاة.

ان المحاكمة علنية اولا تكون هكذا توافق وتلاءم القانون الدولي مع التشريعات الوطنية، والبثّ المباشر وجه من وجوه العلنية التي تطمئن لها القلوب على الأرض وتهنأ بها ارواح الشهداء في السماء.