الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ذكرى بن غذاهم وغيفارا:

دفاتر الثّورة وسِيَرُ الثّوار



بقلم: منيرة رزقي

الثورة كلمة متألقة في الزمان والمكان تثير الدهشة والحماس وعديدة هي الثورات التي غيرت وجه البشرية ومنحت للتاريخ أزهى أمجاده.

أما الثوار فسيرتهم ومصائرهم الملحمية مدهشة أيضا وتحرض في النفس الفضول لاستقراء كل الوقائع التي مروا بها ومرت بهم.

وفي هذا السياق تستوقفنا هذه الأيام ذكرى « باي الشعب» علي بن غذاهم الذي توفي ذات خميس يوم 10 أكتوبر 1867 ومن مفارقات التاريخ أن لا احد يعلم شيئا عن قبره وهو الذي عمل نظام البايات على إخراجه عنوة من التاريخ ففشل ليخلد بن غذاهم ويسقط خصومه سهوا من حسابات التونسيين.

وتقول الوقائع التاريخية ان علي بن غذاهم الثائر الملحمي قاد ثورة التونسيين الجياع والمهمشين ضد قمع البايات الذين فرضوا «مجبى» لا طاقة للأهالي بها ولا قدرة لهم على إيتائها فما كان من سكان بعض الجهات إلا أن أعلنوا العصيان والتمرد ورفضوا الانصياع ودفع الجباية او الضرائب المجحفة.

وكان رد الباي ضاريا وهو يشن حملة عسكرية على أبناء الشعب المفقر ولكن الثوار استبسلوا في مواجهة هذه القوة وأمكن لهم الانتصار عليها وقتل القائد العسكري الذي أرسله الباي وذلك بالشمال وتحديدا بولاية الكاف وأصبح علي بن غذاهم الرجل القوي « باي الشعب» الذي انحاز للمستضعفين وقوّى شوكتهم.

وهذا ما جعل الأهالي يصعدون وعلا سقف مطالبهم التي تجاوزت مسألة رفض دفع الضرائب التي أثقلت كاهلهم ووصل الوعي الشعبي ذروته في تلك اللحظة التاريخية الفارقة بشكل غير مسبوق وربما لم يحدث في وقت لاحق أيضا.

وكانت طلباتهم إلى جانب إلغاء الزيادة في الضرائب تبعيين حكام من بني جلدتهم وليسوا من « الموالي» الذين كانوا يعاملونهم بقسوة وعجرفة وطالبوا كذلك بتعين بن غذاهم بايا عليهم وأيضا إلغاء بعض القوانين المجحفة في حقهم.

وعجزت السلطة المركزية عن مواجهة ثورة علي بن غذاهم وتراجعت عن الزيادة التي أقرتها في الجباية وتشكلت مجالس في صفاقس والقيروان لإدارة المدن بشكل منفرد وطرد الموالين للباي شر طردة.

لكن الملاحم الثورية لا تجري دائما بما تشتهي سفن الثوار وكانت نهاية المحارب الثوري علي بن غذاهم تراجيدية بعد مؤامرة حيكت ضده إذ وجد نفسه وبعد فرار إلى الجزائر يقبع في سجن بباردو ثم في كراكة حلق الوادي حتى غادر هذه الدنيا وإمعانا في الانتقام دفن في مكان غير معلوم لأهله وعموم التونسيين حتى لا يخلّد ولا يصبح قبره مزارا ولكن سقط الباي وبقي بن غذاهم خالدا وتلك مفارقات التاريخ الثوري للشعوب. ولعل ملحمة بن غذاهم تتقاطع في بعض فصولها مع الثائر الأممي تشي غيفارا الذي أعدم يوم 9 اكتوبر 1967 بفارق قرن من الزمان مع ابن تونس.

غيفارا صاحب «الطلة» الخالدة والصورة التي يتوقف عندها الزمن بسيجار كوبي ونصف ابتسامة وعيون تكتظ بالمعاني وتختزل كل رموز التحدي والعنفوان هو ولد للأرجنتين وناضل في كوبا وانتهى في بوليفيا وخلال الرحلة الملحمية انحاز للمظلومين والمستضعفين في كل أرجاء الدنيا ومنها اكتسب انتماءه الكوني وبات ثائرا امميا وهو القائل « أينما وجد الظلم فهناك وطني» .

جال الطبيب الثوري في مختلف بقاع العالم والتقى بالزعماء الذين يلتصقون الى حد ما بطموحه الاممي على غرار جواهر لال نهرو وجوزيف تيتو وجمال عبد الناصر الى جانب علاقته الخاصة بالزعيم الكوبي فيدال كاسترو الذي التحم معه في النضال والحياة والمسؤولية.

ساند غيفارا او تشي كما يحلو لمريديه مناداته كل حركات التحرر في العالم دونما قيد او شرط على غرار حرب الجزائر وفيتنام والشيلي والكونغو.

وكان المفكر والمنظر والطبيب ارنستو تشي غيفارا الذي تمر الذكرى الخمسون لرحيله منحازا للفقراء أينما كانوا ووهب حياته لهم وعندما أمكن له مع رفيقه كاسترو ان يلج مجال المسؤولية لم يتخل عن المبادئ التي استمات في النضال من اجلها بل لعله وجد المجال رحبا ليجسدها على ارض الواقع فبعد إسقاط الدكتاتور باتسيتا الذي أسهم فيه مع كاسترو تقلد عديد المناصب وقام بتأميم الصناعة ونفذ مخططا لتوزيع الأراضي على الفلاحين.

لكن لذّة الانتصار لم تدم فقد أراد القائد الذي أتم مهمته في كوبا أن ينشر النموذج الناجح في أماكن أخرى وكانت بوليفيا وجهته غير ان رياح التاريخ جرت بما لا تشتهي سفن الثائر الاممي فتمكن منه الأعداء وأعدم في احدي قرى بوليفيا ودفن في مكان سري حتى لا يصبح أسطورة لكن التاريخ أبى إلا ان يصنع خلود الثائر المناضل الذي رحل أعداؤه وظل خالدا قبل ان يكتشف قبره ويعود رفاته ليستقر في مسقط قلبه كوبا عام 1997 .

إذن تتقاطع الملاحم الثورية وسيرة الثوار ولنا في هذين الرجلين ما يمكن أن نتوقف عنده فبفارق قرن من الزمان وبفارق يوم بحساب الأشهر تعود ذكرى الرجلين.

ورغم اختلاف المسارات إلا أن الانحياز للمستضعفين والوقوف ضد الاستبداد ونكران الذات والذود عن القيم تجمعهما تماما كما تجمع أعداؤهما فكرة التآمر والوقوف ضد الرغبة في التحرر والانعتاق وتحقيق العدالة ويتفقان أيضا في الصمود أحياء وأمواتا في وجه كل الذين أرادوا طمس ذكراهما.

وفي هذا أكثر من عبرة ألم يقل عالمنا الكبير عبد الرحمان بن خلدون « التاريخ في ظاهرة لا يزيد عن الاخبار وفي باطنه نظر وتحقيق».