الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



قانون المالية والاختبار الصعب لحكومة الشاهد

إما أن ينقذها أو أن يسقطها


بقلم: محمد بوعود

لا تبدو الايام القادمة سهلة على حكومة الشاهد ولا يبدو أيضا أن الأغلبية التي حصدها خلال جلسة التّزكية مازالت متوفّرة ولا حتى تلك التي حصّلها خلال تمرير قانون المصالحة الادارية.

كما لا تبدو رياح البرلمان مواتية كثيرا للشاهد هذه الأيام، لكي يطرح قانون المالية 2018 الذي يبدو بالفعل أنه سيكون امتحانا عسيرا لحكومته ولقدرته على تجاوز عقبات عديدة يبدو أنها بدأت تتجمّع في طريق مواصلته لإدارة دفّة الحكم.

صحيح أن بعضا من مستجدات البرلمان قد تكون الى جانبه، حيث يرّوج البعض من مقرّبيه أنه أصبح يأتمر على كتلة برلمانية قوامها أكثر من أربعين نائبا، من الذين يريدون له الاستمرار في الحكم، أو بالاحرى يريدون منه ان يكون منافسا جديا في الاستحقاقات القادمة، حتى لو اقتضى الامر في ما هو أهم من رئاسة الحكومة.

لكن الاصحّ أيضا أن مفتاح الحسم ليس بيد هذه الكتلة التي سارع بعض القائمين عليها إلى إعلانها حتى قبل أن يكتمل التوافق بشأنها وقبل أن ينتهي النواب الممضون عليها من النقاش حول مضامينها وأهدافها وطريقة عملها ومسارات تصويتها في البرلمان وذلك من أجل تعزيز صورة الشاهد وجعله يمسك بورقة قوية خلال طرحه لقانون المالية أمام مجلس النواب وبالاخصّ لمواجهة خصومها داخل الائتلاف الحاكم أكثر مما خارجه.

لكن يبدو أن سرعة الإعلان عن ميلاد الكتلة نفسها لم تؤدّ الغرض المطلوب منها بل انعكست سلبا على الكتلة الجديدة وعلى الشاهد نفسه فكثير من نوّابها أبدى امتعاضه من سرعة الإعلان وفيهم حتى من أعلن غضبه على الملإ واعتبر أن القائمين على تأسيس الكتلة أرادوا فقط الضغط بها لتمرير أجندات أخرى، وفيهم من اعتبر أنه حضر اجتماعاتها فقط ليرى ماهيتها وما يمكن أن تصل إليه، لكنه فوجئ بإعلانها، وهذا ما سينعكس سلبا عليها في قادم الأيام وربما قد تشهد انقسامات وانسحابات حتى قبل أن تبدأ أعمالها رسميا ككتلة جديدة تحت قبّة باردو.

أما على السيد يوسف الشاهد، فلم يعط إعلان تأسيس الكتلة النيابية الدفع القوي أو الصدمة الايجابية التي أراد تمريرها، والتي أراد من خلالها الإيحاء بأنه أيضا يمتلك رصيدا سياسيا، وقوة دعم وإسناد في مجلس نواب الشعب ولن يبقى رهينة لتوافق حزبين، يبدو من خلال التسريبات الجانبية غير الرسمية أنهما لم يعودا متحمّسين كثيرا لبقائه على رأس السلطة بل فيهما من يرغب في إزاحته في أقرب وقت.

ولم يعد خافيا على أحد أن التواصل بين السيد يوسف الشاهد وقيادة حزبه نداء تونس بات صعبا بل بات الاثنان في شبه قطيعة وقد لاحظ المتابعون للشأن العام تصريحات حادة من المقربين من السيد حافظ قائد السبسي المدير التنفيذي لنداء تونس تصبّ كلها في إبداء الغضب من سياسة الشاهد وعدم الرضاء على أدائه في الفترة الأخيرة.

صحيح أنها قد تكون في شكلها الخارجي أحاديث وانتقادات لقانون المالية 2018 لكنها في حقيقتها خصومة سياسية بين قيادة نداء تونس وبين قصر الحكومة في القصبة لم يعد الطرفان قادران على إخفائها أو التمويه على تطوّرها.

ويعرف الجميع أيضا أن إدارة الشاهد للحكم لم تعد تروق لقيادة النداء منذ فترة وأن حماسته ربما في ملف مكافحة الفساد أو في قضايا أخرى والتعيينات بالخصوص لم تعد تتطابق مع وجهة نظر جماعة البحيرة وقد تكون لا ترضيهم طموحات قيل أن المحيطين بالسيد يوسف الشاهد بدؤوا يغذّونها لديه حول استحقاقات 2019.

لكن بغض النظر عن حقيقة الخلافات بين الطرفين ومدى تطورها، فان الأكيد أنها موجودة وبدأت تخرج الى العلن ولا فائدة للطرفين في إخفائها.

والمتابع لتصريحات أعضاء وقادة الائتلاف الحاكم بكل أحزابه يلاحظ ذلك التوتّر في علاقتهم برئيس الحكومة ويلاحظ نوعا من الجفاء بالخصوص قد يؤدي حتى الى عدم مساندته في تمرير قانون المالية 2018 الذي يراهن عليه الشاهد كقصبة أخيرة يمكن ان تنقذ حكومته من محاولات اسقاطها التي لم تنقطع وان اتّخذت نوعا من التهدئة في أوقات معيّنة وتصاعدت في أوقات أخرى.

كثير من قيادات الائتلاف الحاكم يلوم الشاهد على دائرة المقرّبين منه وبعض الاسماء الوزارية بالخصوص التي يرفض التخلّي عنها، ويرفض تغييرها رغم أن الكثيرين يرون أنها غير ذات جدوى وأنها لم تقدّم المطلوب منها على مستوى تفعيل العمل الحكومي في وزاراتها وأن وجودها الى جانب الشاهد هو فقط للاستشارة وأنها اصبحت تشكل دائرة سياسية حوله قد تقوده الى مزالق لا يريد الحكم الوصول اليها الان.

كما أن خطوات أخيرة في مكافحة الفساد يُقال أن الشاهد كان ينوي اتخاذها، لوحظ فيها ميل واضح الى تصفية حسابات من نوع معيّن مع أطراف قريبة من القصر ومن قيادة نداء تونس هي التي أفاضت الكأس وجعلت التوتّر يصل الى أقصى درجاته معه.

ولا شكّ أن الشاهد لم تبق في يديه كثير من الاوراق ليلعبها، باعتبار الحصيلة الهزيلة لفترة حكمه على مستوى الانجازات وباعتبار خفوت وتراجع حملة مكافحة الفساد وتوهانها في مسارب أخرى قد تجرّ مزيدا من الخسائر على الحُكم أكثر مما تحققه من انجازات.

وعلى ما يبدو لم تبق أمام الشاهد الا مسألة تمرير قانون المالية 2018 فان استطاع أن يقنع به أغلبية النواب من الائتلاف الحاكم قبل المعارضة فانه قد يستمر في الحكم وان استطاع خصومه ان يسقطوه في مرّتين متتاليتين فانه آليا عليه أن يرحل في سيناريو ربما لا يشبه سيناريو اخراج الحبيب الصيد الذي ساهم فيه بقوة لكن قد يكون قريبا منه وقد يكون بطريقة مبتكرة، لا تجعل منه ضحية كسلفه وتجنّب الحكم هزّات قد لا يكون مستعدا لها في الوقت الحالي.

كثيرون من المحيطين بمراكز القرار والسلطة بدؤوا يتحدثون حتى عن البدائل المقترحة، والتي تُتداول أسماؤها في الكواليس هذه الايام وتُطرح للنقاش كخلفاء للشاهد.

لكن الاكيد أيضا أن الأمور لم تُحسم وأن الوقت مازال ربما لاعلان «الحرب» من قبل قادة الائتلاف الحاكم لكن المؤكّد أن الفصل سيكون في قانون المالية وأن الايام القادمة ستشهد صراع أجنحة قاس وستذهب فيه رؤوس وتأتي أخرى.

لكن المتّفق عليه تقريبا بين جميع الفرقاء هو أن قصر قرطاج هو الذي سيحسم الخلافات وهو الذي ستكون له الكلمة الفصل في تحديد من سيتولى الفترة التي تفصلنا عن استحقاق 2019 وفقا لحسابات أخرى قد لا يفهمها بعض المتحمّسين لذهاب الشاهد ولبقائه أيضا.