الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



بين «النداء» و«النهضة»

ماذا جَنَتْ تونس مِنْ هذا التحالف ؟!



بقلم: منور المليتي

مشكلة السياسيين في تونس أنهم لا يجاهرون بالحقائق وينتهجون خطابا مخاتلا عاجزا عن تضليل الرأي العام وهو الحال في ما يتعلق بالتحالف بين النداء والنهضة حيث تمعن القيادات في الترويج له رغم ان نتائجه سلبية أكثر مما هي ايجابية ان كان على الشأن العام او على شأن كل حزب.

كتبت ان التحالف بين الحزبين هو تحالف هش فاتصل بي قيادي نهضاوي وحاول إقناعي بأنه تحالف استراتيجي!!! سألته عن أي استراتيجية يتحدث فأجابني مصلحة البلاد.

قد يكون التحالف خفّف نوعا ما من حدة الضغط السياسي لكنه بالمقابل عمّق حالة من الاستقطاب على الشأن العام وقاد الى انشطار الخارطة الجيوسياسية اضافة الى انه فجر أزمات داخلية في كلا الحزبين.

من حيث المبدإ اي شكل من اشكال التحالفات السياسية هو تحالف مشروع بكل مسوّغاته لكنه لا ينفي انه لن يكون الا على حساب قوى اخرى وهذا ما حصل في تونس.

أجهض التحالف على امكانية تبلور قوى سياسية أكثر شعبية وقاد بالقوى الديمقراطية الى حالة من الارتباك وامتصّ اي فرصة لبروز مشهد سياسي متوازن وأكثر ثراء حتى انه بات يهدّد تعددية الخارطة الجيوسياسية.

وحتى نكون أكثر دقة، استقوى النداء والنهضة بمؤسسات الدولة أكثر مما استقوت الدولة من أدائهما او قواعدهما الانتخابية ليقودا حكومات ائتلافية يعلم الجميع انها فشلت سياسيا ولم تتوصل الى بلورة جسم حكومي متضامن.

ومثل هذا الاستقواء هو نوع من محاصرة القوى السياسية الاخرى بل والقوى المدنية حتى انها باتت تقاوم من أجل البقاء بدل التركيز على تطوير أدائها وصياغة البرامج والمشاركة الفاعلة في ادارة الشأن العام.

وبدا التحالف كما لو انه مطرقة مسلطة على باقي القوى التي ما انفكت تستغيث من التهميش ومن سطوة النداء والنهضة على مراكز القرار دون ان تجد آذانا صاغية.

بالتأكيد لا يمكن تحميل التحالف كل المسؤولية في تدنّي أداء القوى الحزبية والمدنية الاخرى إذ تعاني نفسها من ازمات هيكلية، لكن مطرقة التحالف عمقت ازماتها وحالت دون تشكل خارطة جيوسياسية متوازنة.

امام مساحات الحرية المفتوحة كان بالامكان تشكيل جبهة ديمقراطية، لكن في ظل حالة الحصار وجدت القوى الديمقراطية نفسها تجدف باتجاه انقاذ نفسها من الغرق في ظل نزعة تهميشها من مراكز القرار ومن الاصغاء الى أصواتها.

ولم يكن حال التحالف داخل الحكومات المتعاقبة الا اكثر خطرا حيث لم يساهم في تركيز سلطة تنفيذية قوية بقدر ما كان وزراء الحليفين داخل الحكومات ينفّذون ما تمليه عليهم قياداتهم وبلغ الامر الى حد ان عددا من الوزراء روّج الى ان حزبه يمتلك برامج اما الحكومة فلا برامج لها.

النهضة والنداء خاصة وُجدا في حكومة الحبيب الصيد كما لو أنهما في مشهد من مشاهد افلام الويستارن كل يضع سبابته على الزناد في مسعى للنجاة حتى انهما لم يترددا في مسح فشلهما في رئيس الحكومة والحال انهما المسؤولان الاولان.

ومن المفارقات انه في الوقت الذي يروج فيه الحزبان الى انهما حجر الزاوية في العمل السياسي وفي الالتفاف الشعبي لم يقد التحالف سوى الى نفور الناس من السياسة والى ضبابية في رؤية اتجاهات الرأي العام بشأن المسار الانتقالي.

ولعل هذا ما يفسر انه منذ العام 2014 لم يتغير المشهد العام تغيرا جذريا حتى ان السنوات تجانست اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وبدت تونس كما لو انها تراوح مكانها بشأن التعاطي مع الاوضاع.

أما تداعيات التحالف على الشأن الداخلي للحزبين فقد كانت كارثية اذ عمقت الازمات وأغرقت الحزبين في مستنقعات من الخلافات لم تزد المشهد السياسي سوى المزيد من التعقيد مما ألقى بظلاله على عمل الحكومات وأثار انتفاضات داخلية مطالبة بفك التحالف.

ما يهمنا هنا هو ان التحالف أجهض على صناعة سياسة وطنية واضحة الملامح من حيث المرجعيات والتوجهات وقاد الى صناعة سياسة سياسوية مبنية على تقاسم خطاب مخاتل ومراكز قرار والتخفي وراء مؤسسات الدولة على حساب تشكل مشروع وطني يعد الكفيل الوحيد لضمان نجاح المسار الانتقالي.

صناعة السياسة في الديمقراطيات العريقة تحكمها ضوابط بناء على وحدة فكرية سياسية دنيا على خيارات وثوابت وطنية لا مجال فيها للاختلاف ولا الى تعدد الصناع اما في تونس فإن صناعة السياسة بالمعنى الحقيقي تكاد تكون منعدمة لانها ترهن الى الطرق الكفيلة بادارة الخلافات وإطفاء الحرائق واللجوء الى المسكنات.

واذا علمنا ان السياسة هي فن صناعة الممكن وفق رؤية استراتيجية ممكنة فإن مؤشرات الشأن العام في تونس تؤكد ان التحالف بين النداء والنهضة بدأ يتجه نحو التفكك تحت ضغط قيادات الحزبين ولكن ايضا تحت ضغط تعقيدات الشأن العام وانتفاضة القوى السياسية الاخرى وامتعاض قوى المجتمع المدني.

ابعد من ذلك فإنّ من مصلحة النهضة السياسية ان تراجع سياستها وتنحت مستقبلها وفق مرجعياتها وتوجهاتها وتسترضي الغاضبين وتترك مصيرها الى مدى ثقة الناس فيها طالما انها تحولت الى حزب سياسي.

ومن مصلحة النداء ان يصحح مساره ويراهن على توجهاته ليكسب ثقة قوى هي اقرب منه الى النهضة فكريا وسياسيا.

اما المضي قدما في المراهنة على التحالف لن يقود سوى الى استمرار الوضع الحالي بل سينهك الحزبين معا لتتواصل عملية الاجهاض لصناعة سياسة تتغذى من رؤية استراتيجية لا يملك القول الفصل فيها سوى الشعب.

ان رهان النداء على النهضة لضمان التوازن السياسي رهان فاشل تماما كما ان رهان النهضة على النداء لضمان تموقعها هو الاخر رهان فاشل فالرهان الوحيد على ضمان التوازن والتموقع هو الرهان على اداء كل حزب وعلى مدى تفاعله الايجابي مع مختلف مكونات المشهد السياسي والانتصار لتعددية القوى الفكرية والسياسية والمدنية من خلال بناء قوة او قوى تجمعها قواسم مشتركة.

مازالت تونس الى حد اليوم تقف في مفترق طرق يجب وضع حد له ويجب اعادة النظر في عملية صناعة السياسة التي تفجر طاقات مختلف القوى الناشطة وترفع عنها مطرقة التحالف وهي الطريقة المثلى الضامنة لرسم خارطة جيوسياسية مبنية على توازن حقيقي لا مغشوش ينهل من اداء الاحزاب شعبيا وبرامجيا لا من عمليات التحالف المنفعي الذي نخر او يكاد استفادة البلاد من ثراء تعددها الفكري والسياسي.