الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



من تونس... وبكلّ ألوان طيفها:

القدس عاصمة فلسطين



بقلم: خليل الرقيق

لا توجد قضية وحّدت أبناء تونس وبكل ألوان الطيف أكثر من قضية فلسطين، ويكفي أن ننظر الى تسلسل الوقائع في الأيام الأخيرة، من مجلس نواب الشعب الذي وقف ضدّ تغلغل التطبيع في القارة الإفريقية، الى حالة الإحتجاج الشامل على اعتبار دونالد ترامب القدس عاصمة لـ «إسرائيل»...

لم تكن الأجواء عادية بالأمس، حين غمرت صورة القدس كلّ صفحات التواصل الإجتماعي، وكأنّ حقيقة هذا الشعب الأصيل المتجذّر في نصرة القضايا العادلة أبت إلا أن تعلن بقوة عن نفسها غير عابئة بتقلبات الجيوستراتيجيا المائلة، المُجَسّدة بعنف وصلف لتلك المؤامرة الخسيسة... إنّها مؤامرة توزّعت بالتساوي والتدريج على منطقة عربية أريد لها أن تفجع أوّلا بتذرّر الدولة الوطنية على وقع «ربيع زائف» وأن تبتلى ثانيا بمحاولة تصفية القضية الفلسطينية انطلاقا من رمزها المكثف: القدس...

من أين نبدأ ذلك التوحّد «الفطري» بين التوانسة والقدس، من أفواج المتطوعين سنة 1948، أم من أفواج المقاومين في حصار بيروت سنة 1982، أم من الدّم المشترك في حمام الشط سنة 1985... أم من قائمة الشهداء التي لم تنقطع، من عمران المقدمي في 1988، إلى ميلود الناجح وعمر قطاط وفيصل الحشايشي إلى سامي الحاج علي ورياض بن جماعة في 1995، إلى بليغ اللجمي وكمال البدري في 1996... إلى قائمة تطول...

البدء كان من لحظة وعي بأن كلّ المصير العربي رهين هذه القضية النبيلة التي لم تكف عن استصراخ ضمير عالم لا قلب له...

ولن تكون النهاية هذا الصعود الأهوج لليمين المتطرف في الولايات المتحدة، ولا هذا التغلغل الشنيع للوبي الصهيوني داخل مفاصل القرار الأمريكي...

لنقل أنّ الخطوة التي أعلنها ترامب، كانت بمثابة استهزاء بمنطقة عربية طالما استهزأت بنفسها، و«من يهن يسهل الهوان عليه»، لنقل أنها جزاء سنّمار للذين أدمنوا طعن الشقيق لشقيقه والأخ لأخيه والجار لجاره، لنقل أنها المنتوج الأبخس للصفقة البخسة بين خليج أرسل الإرهاب أفواجا لغزو دول عربية شقيقة، وبين «دول عظمى» سوّقت للمجزرة ونظّرت لفصولها وسلّحت فواعلها، حتى تقدم الشرق فيئا خالصا للكيان الصهيوني... لنقل أنّ الواعز الأساسي للحرب على سوريا، وأنّ تدمير ليبيا وحرق اليمن و«أخونة» تونس ومصر، كانت في عمقها مقدمة لتفريغ القضية الفلسطينية من أظهرة الدعم والإسناد، كانت في عمقها إعدادا لاغتيال القضية الفلسطينية انطلاقا من القدس، رمزها الأبدي... لكن لنقل أيضا، أنّ المسعى الجهنمي خاب في أكثر من موضع ، اولا لأن «الربيع» لم يسرْ كما اشتهاه صانعوه وثانيا لأن ثوابت الدولة الوطنية العربية بدأت تستعيد ملامحها بعد حدث مصر المزلزل في 2013، وانتصار سوريا في 2017... ولنقل في انتظار أن تتخفف تونس أكثر من وزر موروث «الأخونة القهرية»، أن الصوت كان بالأمس واحدا موحّدا من القمة الى القاعدة: القدس عاصمة فلسطين، ولا شيء سوى ذلك... لا شيء سوى ذلك رغم وعد من لا يملك لمن لا يستحق، فمن بلفور المشؤوم إلى اليوم، تقلبت الأوضاع، واضطرمت، ومرّت القضية بمد وجزر غير أنها تظلّ كما هي أصلا قضيتنا المركزية... لم يكن الأمس عاديا وكلّ صور التوانسة على صفحات التواصل توشحت بعلم فلسطين وصورة القدس، ولن يكون عاديا ما بعد إذ يبدو العرب الرازحون منذ سنوات تحت لهيب «نيران الغدر الصديقة»، أمام تحديات جسيمة... وكم هو صعب أن تجتمع الآن هذه الأشلاء التي أمعن في تمزيقها مشروع «الفوضى الخلاقة»، والذي حوّل كلّ بلد عربي وحده إلى قضية قائمة الذات لكن ملامح أخرى قد تغير ميزان القوة، ومنها أنّ وقائع الميدان، وهزيمة الرهان الأمريكي على الإخوان المسلمين، وبروز قوى دولية جديدة على رأسها روسيا والصين في قلب معادلة الشرق الأوسط، وانتصار سوريا، كلها معطيات قد تحمل مؤشرات تغير للخارطة نحو اضمحلال الأحادية القطبية، وهذا تحديدا ما يجعل الملعب غير خال أمام عنجهية اليمين العنصري الأمريكي.. بصوت واحد، قال التوانسة أنّ القدس عاصمة لفلسطين ولن تكون عاصمة لغيرها، وهذا في حد ذاته مبعث فخر واعتزاز، قد ينسينا شيئا من عَذابات فترة التخبط الانتقالي، ويعيدنا إلى ثوابتنا الوطنية والقومية.