الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



ضعفها استدعى تقديم موعد اجتماع قرطاج...

الحكومة ورّطت نفسها...



بقلم: خليل الرقيق

أن يترافق الضعف الحكومي في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي، مع الضعف الحكومي في التخاطب السياسي، فذلك يعني وباختصار ضرورة وضعها تحت معيار تقييم شامل إن لم نقل أن وضعيتها الحالية تستدعي فعلا استنهاض الساحة السياسية لحوار جديد، وهو ما يبدو أنه حصل فعلا من خلال تقديم موعد اجتماع الموقعين على وثيقة قرطاج تحت إشراف رئاسة الجمهورية.

الواضح أن فريق الشاهد لم يستفد جيّدا من الضوء الأحمر الذي اشتعل خلال الأيام الأخيرة، أو هو لم يجتهد لإدارة الأزمة الطاحنة بما يكفي للسيطرة على الوضع وبما يلزم من خطاب رصين ومسؤول.

والمشكلة أنه في غمرة تخالط الفعل الاحتجاجي المشروع مع الفعل الاجرامي كان على جميع الأطراف وعلى رأسها المسؤول الأول بالقصبة، أن تفصل بين السياقات، وأن تترك للسياسيين أمر التعاطي مع هواجس الشباب المحتج، وللأمنيين أمر التعاطي مع البؤر التخريبية.

ولا نجانب الحقيقة حين نقول أن الجانب الأمني أنجز عمله بما يكفي من الحياد، ودقة التوصيف، حين أشار عبر ناطقه الرسمي إلى وجود تكفيريين ضمن قائمة المخربين واللصوص، وهو ما يحيل منطقيا إلى وجود ترابط صار مألوفا بين مافيا الإجرام، وجماعات الإرهاب.

وعلى العكس تماما من هذا التقييم الأمني المستند إلى الوقائع والأدلة، سار رئيس الحكومة حين أشار بإصبع الاتهام الى الجبهة الشعبية، في ما يشبه النقل الحرفي لبيان حركة النهضة وتصريحات رئيسها راشد الغنوشي ودونما استناد إلى دليل مادي ملموس ولا إلى تنسيب يفرز الغثّ من السمين والصالح من الطالح، وهنا وضع نفسه على مرمى ردّ فعل قويّ لا فقط من الجبهة الشعبية التي سارعت بطلب تحقيق جدي في تحد واضح لما اعتبرته اتهاما مجانيا، بل أيضا من مجمل الطيف السياسي والمدني الذي استغرب هذا الخطأ «البدائي» -مع حفظ المقامات- الذي يحيل إمّا إلى قلة الفهم وهذه مصيبة وإما إلى التسليم الأعمى بما تقوله حركة النهضة، وتلك مصيبة أعظم...

و لقد تردّد من مصادر مختلفة أن الشاهد يقصد حمّة الهمامي وحزب العمال تحديدا ـ وهي مسألة لا تقال دون تثـبّـت وتـدقـيـق ـ و إضافة إلى ذلك وجّه الاتهام الى الجبهة بصيغة التعميم، فأحاط نفسه بغضب ما يناهز الثمانية أحزاب زائد الحزام المستقل زائد نشطاء اليسار على وجه العموم... لقد ورّط نفسه وحكومته في تنازع مع طيف سياسي واسع، وليت ذلك كان مبنيا على استشعار دقيق لما يحصل، بل كان تهويما في احتمالات أكثر ما يزيدها شبهة هو استغلال حركة النهضة للأحداث لتصفية الحساب مع الخصم الإيديولوجي الأزلي أي مع ما تسميه اليسار العلماني الاستئصالي.

والمشكلة الأعظم، أن الشاهد كان يستطيع ببساطة، ودون كبير تحليل وتأويل، أن يتناغم مع الأجهزة الأمنية الواقفة مباشرة على خط المواجهة مع المنحرفين والمخرّبين والتي أشارت الى خيط آخر مهمّ وخطير، وهو بصمات الإرهاب التكفيري في الأحداث.. ثم لماذا كل ذلك، والمخوّل الوحيد باتهام هذا الطرف أو ذاك وبتبرئة هذا أو ذاك هو القضاء دون سواه؟ لماذا هذا السّعي إلى توريط جهاز رسمي في التخمينات لولا قلة الدراية بما يحصل كاحتمال أول والوقوع في أسر ابتزاز حركة النهضة كاحتمال ثان أو الاحتمالان معا؟

هذه المسألة اوقعت الحكومة في فخّ اتصالي ما كان ليكون بمثل هذه الفداحة، لو لم تكابر على أخطائها، ولو أصغت لمقتضيات ما توجبه الحكمة في معالجة مثل هذه الأحداث..

اجتماع الموقّعين.. لتعديل الأوتار؟

لم يكن من باب الصدفة أن يقع تقديم اجتماع الموقعين على وثيقة قرطاج قبل موعده المحدد، ذلك ان رئاسة الجمهورية قد استشعرت على ما يبدو وجوب تدخل حزام وطني من الوزن الثقيل لأخذ زمام المبادرة، وتعديل الأوتار، بعد إخفاق الحكومة في إدارة الأزمة... والواقع ان الخطوط العريضة لهذا اللقاء اليوم تبدو واضحة ومبوبة:

ـ قيام مؤسسة الرئاسة بما توجبه مسؤوليتها الأولى في حماية الأمن القومي عبر حوار يفضي الى حلّ للأزمة الراهنة

ـ قيام الأطراف السياسية والاجتماعية بما توجبه الاحتياجات الراهنة للمشهد الوطني عبر تقييم جدي لواقع الحكومة ولمواطن ضعفها.

ـ البحث الجماعي عن خارطة طريق عاجلة تحمي تونس من الانجرار إلى المجهول وهي مسألة قد توضّحها الكلمة المرتقبة لرئيس الجمهورية اليوم، والتي قد تعلن في شكل نقاط واضحة عن تصورات ومقترحات محددة يتصل بعضها باسترجاع ثقة الشعب في السلطة عبر تخفيف الأعباء عن الفئات المتضررة من قانون المالية الجديد، ويتصل بعضها الآخر بتصور لمستقبل المشهد السياسي.

إلى أين؟

ربما يحيلنا السؤال إلى ذات السياقات التي تعودناها في المنعطفات التي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة...تلك السياقات التي وقفنا فيها على حصيلة إخفاق ذريع سواء من ناحية السياسات المتبعة، أو من ناحية الكادر السياسي الذي أخفق في توجيهها ورسمها، لقلة كفاءة، أو لأشياء أخرى.

نحن ندرك أن الحكومة التي أهملت أو هي أوشكت على فقدان سندها الحزبي الأساسي (نداء تونس)، قد وقعت أسيرة حركة سياسية مزدوجة الخطاب، غامضة المواقف، حتى لكأن موقف الشاهد الأخير من الأحداث كان ترديد صدى لبيانات حزب النهضة. وإذا علمنا أن هذا الحزب على استعداد دائم لتمزيق عرى «المودة والوفاق» كلما رأى مصلحته في الميزان، فإن حكومة الشاهد بهذا المعنى لا تملك حلولا كثيرة، إضافة الى أنها بدّدت أي ملامح لورقة بديلة، بعد أن جرّها تصريح الشاهد الى قطيعة شبه نهائية مع مختلف مكونات اليسار...

كل هذا يقودنا الى استنتاج أن وجوبية تطارح الشأن الحكومي بشكل واضح وحاسم صارت اليوم راهنية ومستعجلة... وقد يكون الموقعون على وثيقة قرطاج قد انتبهوا لهذا الشأن وبحثوا فعليا عن البت في مآلاته.

والخلاصة في كل ما تقدم أن الحكومة ورّطت نفسها وتصرفت بارتباك إزاء وضع لا يحتمل غير الإرادة القوية الحاسمة، فهي قد خسرت من جهة ثقة الفئات الاجتماعية التي تضررت من إجحافها الضريبي، وزياداتها غير المدروسة، وهي قد خسرت من جهة أخرى ثقة المساندين والمنافسين السياسيين على حدّ سواء...