الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



متأصّل في فكر الإخوان و أدبياتهم

... العنف «وجهة نظر..»!



بقلم: لطفي العربي السنوسي

لا يكفي التحديق بأعين مفتوحة لفهم الظواهر المتطرفة بل من الضروري إعادة ترتيب عناصرها باختبارها من الداخل أي بمحاورتها ومنازلتها فكريا واستدراجها الى مناظرة معرفية لفهمها وفي ذلك إعادة تشغيل للحوار المعطّل ـ منذ الثورة تلك ـ بين دعاة الدولة الدينية والدولة المدنية..

هل فهمنا ـ حقا ـ حركة النهضة كحركة راديكالية لا تعتقد في مدنية الدولة ولا في الديمقراطية كقيمة جوهرية من قيم هذه المدنية. لقد اكتشف التونسيون حركة النهضة عندما هلّ هلالها ما بعد الثورة على السماء التونسية أي منذ تلك اللحظة التي تغنّى فيها المريدون «أقبل البدر علينا» فرحا بقدوم راشد الغنوشي عندما نزل بمطار تونس قرطاج وتم اختصارها والدفع بها (شعبيا) الى الحكم تحت عنوان «الجماعة تخاف ربي» أي أنّ التونسيين قد «أخذوا» النهضة بمعزل عن تاريخها الاخواني وبمعزل عن تاريخ «حركة الاخوان المسلمين العالمية» وبمعزل عن أدبياتها وهي فرع أصيل من صميمها بل امتداد لها على الأراضي التونسية لذلك اكتفى التونسيون بسياسييهم ونخبهم بالتعاطي مع حركة النهضة على أساس أفعالها وسلوكها السياسي وفي هذا السياق يذكر المفكر التونسي فتحي المسكيني في كتابه «الثورة البيضاء ـ تمارين في المواطنة»: «هذه الحركات لم تدرس الى حدّ الآن من زاوية النقاش الجذري معها بل ظلّت تعامل من خارج منطقها بمجرّد آلة النقد الحديثة والحال أنّ الأولى هو خوض مناظرة فقهية وكلامية داخلية معها لامتحانها من الداخل في ضوء الاستحقاقات الاخلاقية والسياسية للحياة الحديثة وكلّما تم تأجيل هذا النوع من المناظرة الموجبة والتأصيلية تظلّ هذه الحركات معصومة من الخطإ في عيون مريديها في سنّ عمرية أو عقدية لا يتوفرون فيها على مناعة وجودية أو أخلاقية كافية للدفاع عن أنفسهم».

فالعنف لدى الاخوان ـ سواء كان عنفا لفظيا أو جسديا ـ ـ وكما في أدبياتهم ـ هو عنف هووي ـ كما يشرحه المسكيني ـ يستمد تبريره الخاص من عقيدة ثابتة لم تعد قابلة للنقاش وهو عنف كارثي يهدد وجود الدولة ذاتها وقد يتحوّل الى وجهة نظر يلجأ اليها الاخوان ضدّ خصومهم.. فالاغتيالات السياسية هي في العمق وفي الأخير شكل من أشكال الاستعمال الهووي للعنف في سياق خصومة بين ديارين ديار الاسلام وديار الكفر (كما نُودِيَ بها في تونس ما بعد الثورة) وهو «عنف» يضع الدولة المدنية (دولة القانون) خارج المدار ويستهدفها في وجودها..

لقد مارس «اخوان تونس» العنف على التونسيين بأشكال مختلفة مع «أعداء نهائيين» من خلال تصريحات تحولت الى مآثر معلومة... ألم يصرخ القيادي الاخواني الصحبي عتيق أمام المسرح البلدي متوعدا ما أسماهم «العلمانيين» بالمطاردة والسحل في الشوارع...؟ ألم يَدْعُ الاخواني صادق شورو الى قطع أرجل وأيادي الخصوم من خلاف... ألم يقل الغنوشي في وصفه للارهابيين بأنّهم أبناؤنا وليسوا أبناء الجيران وبأن اللحم إذا نتن ليس له غير أهله (وهو أهله)..؟؟ الخ.

وعليه فنحن لا نعجب لتصريح راشد الغنوشي خلال المؤتمر الانتخابي الاستثنائي بمدينة باجة حيث اعتبر كلام أحد نواب الجبهة الشعبية بقوله أنّ النهضة ليست حزبا سياسيا إنّما هو مراهنة على «حرب أهلية» وقد جاء في كلامه: «توجد مراهنة على افساد العملية الديمقراطية لأنّه عندما تُغّيب حزبا سياسيا انتخبه مليون ونصف مواطن نقول أنّه ليس حزبا سياسيا وتحمّله مسؤولية الارهاب فذلك يعني أنّك راهنت على حرب أهلية...».

وهذا شكل آخر من اشكال العنف الاخواني على لسان كبيرهم ورد في سياق انتخابي بصدد الاستعداد للانتخابات البلدية و«الحرب الاهلية» تعني التقاتل الأهلي بين طرفين اثنين ودائما على أساس هووي في استعمال العنف و.. الغنّوشي ـ هنا ـ يعيد تشغيل ذاك الخطاب التعبوي القديم استعدادا لمعركة الاستحقاقات القادمة (بلدية ـ تشريعية ـ رئاسة) ضدّ عدوّ نهائي أو أعداء نهائيين.. وهذا «عنف سياسي» بامتياز يعلق دور الدولة (دولة القانون) وينفي وجودها ـ أصلا ـ وهو خطاب كارثي على ما يسمّيه فتحي المسكني «آداب الدولة» حيث «الحرب الاهلية» وجهة نظر وليست زلة لسان ـ والغنوشي ـ هنا ـ انما يعبر عن استعداد حركته لاستعمال العنف (لا كجريمة) وإنما «كوجهة نظر» لها ما يبررها في أدبيات الاخوان... أليست الدولة المدنية جريمة أخلاقية ضد الدين لدى الحركات الراديكالية...؟؟.

«وجهة نظر» اخرى صدرت عن حركة النهضة آخر الأسبوع الفارط في بلاغ لها جاء فيه: «أمام تتالي الحملات التشويهية الممنهجة ضدّ حركة النهضة وأمام تمادي بعض الاصوات الاعلامية في إلحاق التهم الباطلة والتعريض بالحركة والتحريض على قياداتها والشحن ضدّ أعضائها وأنصارها قرّر المكتب التنفيذي للحركة باشراف رئيس الحركة الاستاذ راشد الغنوشي المتابعة القضائية للأشخاص والمؤسسات الاعلامية المنخرطة في هذه الحملات والمصرّة على المواصلة فيها ويعتبر المكتب التنفيذي أن قرار المتابعة القضائية هو دفاع عن منجزات الثورة في بيئة ديمقراطية نظيفة وفي إعلام حرّ ومهني يحترم عقول التونسيين ويخدم الأجندة الوطنية كما هو دفاع عن مشروع الحركة واسهاماتها في خدمة تونس وعن نضالات شهدائها ومساجينها ومهجريها من النساء والرجال... وكلف المكتب التنفيذي مكتبي الشؤون القانونية والاعلام والاتصال باعداد الملفات والقيام بالاجراءات اللازمة».

هذا ما جاء في بيان حركة النهضة الصادر مساء السبت الفارط وتكمن خطورته في انتهاكه الصارخ لحرية الصحافة والاعلام وسعي محموم للسيطرة عليها وافراغها من كل محتوى اضافة الى تحريضها على الاعلاميين (ما أسماهم البيان بالبعض) قد يتحول الى «عنف جسدي» فالبيان بمثابة الفتوى التي تجيز العنف ضد «أعداء واضحين».

ويعترف البيان بأنّ الحركة قد بعثت جهازا رقابيا (الشؤون القانونية والاعلام والاتصال) لاعداد «كتاب أسود» يضم أسماء الاعلاميين والمؤسسات الاعلامية التي تتهمّها الحركة بالتحريض عليها.. وقد تتحول هذه القائمة الاسمية الى قائمة مرجعية والى «وجهة نظر» تبرر تصفيتهم ـ مثلا ـ والاعتداء عليهم وتعطيل عملهم.. والبيان «برمّته». وكما جاء في صياغته هو شكل من اشكال الترهيب بل هو «ارهاب ناعم» يختفي وراء لغة تستجدي التعاطف وهي لغة مخادعة تربط أو هي ترهن مصير الثورة والدولة بمصير الحركة.. ومن المضحكات الخادعة في البيان القول بأنّ قرار المتابعة القضائية هو دفاع عن منجزات الثورة في بيئة ديمقراطية نظيفة وفي اعلام حرّ ومهني يحترم عقول التونسيين ويخدم الأجندة الوطنية أي اعلام يتغاضى عن كل خيبات الاخوان زمن حكمهم فلا محاسبة لكل من نهب الدولة ولا محاسبة لكل من هيّأ الاراضي التونسية وحوّلها الى أراض خصبة للارهاب والارهابيين... الخ.

يمكن اعتبار هذا «الجهاز» الذي أقرّته النهضة جهازا رقابيا سريا وقد يكون لهذا الجهاز أعوان مبثوثون في كل مكان لالتقاط المغضوب عليهم من الصحفيين وهنا تكمن خطورة هذا الانجاز الفريد للحركة التي ترى كما ورد في البيان «ان اسهامات الحركة في خدمة تونس» تستدعي ذلك...

هذا أيضا «عنف هووي ووجهة نظر» متأصّلة لها ما يبرّرها بقوة في الأدبيات الاخوانية.