الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



النشاط الخاص التكميلي للأطباء

لماذا بات يهدد جودة العلاج والتكوين داخل مستشفياتنا ؟


اعداد: سميحة الهلالي

يتجاوز عدد الأطباء الممارسين للنشاط الخاص التكميلي 400 طبيب علما وأن هذا النوع من النشاط يتمثل في ترخيص تمنحه وزارة الصحة للأساتذة المحاضرين المبرزين و الأساتذة في الطب للعمل بمقابل داخل المستشفيات العمومية خارج أوقات دوامهم وذلك مرتين في الأسبوع لكن يبدو أن هذا النشاط تجاوز ذلك ليصبح هو الأساس على حساب المرفق الصحي العمومي.

ويعود العمل بالنشاط التكميلي الخاص إلى سنة 1973 و من الأسباب التي دفعت الحكومة آنذاك للعمل بهذا النظام هو نقص الأساتذة الجامعيين نتيجة تحول عدد هام منهم للقطاع الخاص بحثا عن أجور أفضل فتم بعث هذه الصيغة لتحفيزهم على عدم مغادرة العمل بالمؤسسات العمومية.

و تم إلغاء العمل بالنظام التكميلي الخاص سنة 1988 قبل تجديد العمل به سنة 1995 باعتماد صيغة جديدة تحمل اسم النشاط التكميلي الخاص. و أصبح العمل الخاص بمقابل في المستشفيات العمومية مقننا بالأمر عدد 1643 لسنة 1995 المؤرخ في 4 سبتمبر 1995. وعبر عدد كبير من الأطباء و المتدخلين في القطاع الصحي عن استيائهم من النشاط التكميلي الخاص واعتبروا انه يمثل معضلة القطاع الصحي العمومي لما له من سلبيات لا تحصى و لا تعد ولما له من انعكاسات سلبية على أداء الأطباء في القطاع العمومي ولحجم التجاوزات التي سجلت أثناء العمل بالنظام التكميلي الخاص، فتم إصدار أمر أكثر صرامة وهو الأمر عدد 120 لسنة 2007 مؤرخ في 25 جانفي 2007 يتعلق بتنقيح وإتمام الأمر عدد 1634 لسنة 1995 المؤرخ في 4 سبتمبر 1995 المتعلق بممارسة النشاط الخاص التكميلي من قبل الأساتذة المحاضرين والمبرزين الاستشفائيين والجامعيين في الطب. لكن التجاوزات مازالت متواصلة و السلبيات تعمقت و النشاط التكميلي الخاص مازال ينخر القطاع الصحي العمومي على حد تعبير أهل الاختصاص.

ففيما تتمثل سلبيات النظام التكميلي الخاص ؟ وما هي التجاوزات التي قد يرتكبها بعض الأطباء المنخرطون في هذا النظام ؟ وهل هناك نية للتخلي عن هذه الصيغة؟

لقد ندد العديد من المنتمين للقطاع الصحي العمومي بالسلبيات و التجاوزات الناتجة عن العمل بالنشاط التكميلي الخاص ومن سلبيات هذا النشاط سعي بعض الأطباء إلى تنفير المرضى من المعالجة في المستشفيات العمومية بهدف تحويل وجهتهم إلى المصحات الخاصة من خلال التأكيد على أن العمليات الجراحية والفحوصات تجرى من قبل الأطباء المقيمين أو المساعدين الاستشفائيين الجامعيين وهم اقل خبرة من الأساتذة في هذه المؤسسات، إضافة إلى أن عملية التداوي تتطلب الكثير من الانتظار على عكس ما هو موجود في المصحات الخاصة.

وقد ساهم النشاط التكميلي الخاص في تدهور الوضع الخدماتي في بعض أقسام المستشفيات الجامعية نظرا لعدم تفرغ بعض رؤسائها .هذا إضافة إلى استغلال الموارد المادية والبشرية للمستشفيات في مخالفة لما نص عليه الأمر المنظم للنشاط التكميلي الخاص ومنها أن هذا النشاط يقتصر على حصتين بعد الظهر في الأسبوع انطلاقا من الساعة الثالثة إلا أن بعض الأساتذة أصبحوا يمارسون نشاطهم كامل أيام الأسبوع وقد أدت هذه التجاوزات إلى إصدار أمر أكثر صرامة ينظم النشاط التكميلي الخاص إلا أن التجاوزات مازالت موجودة إذ تم تعميم هذا النشاط ليشمل الاستشفائيين الصحيين مما زاد في تعمق أزمة المستشفيات بالجهات الداخلية التي هي في الأصل في وضع حرج ولقد كانت التراخيص المتعلقة بممارسة هذا النشاط قبل الثورة على حد تعبير عدد كبير من المنتمين للقطاع الصحي تسند حسب الولاء للنظام ولذلك توقف الأطباء الذين أسندت لهم هذه التراخيص عن العمل بعد الثورة وذلك لمعرفة منهم بان هذه الممارسات تستمد شرعيتها من نظام فاسد لكن سرعان ما عادوا للعمل عند تحسن الأوضاع الأمنية وانخفاض منسوب الاحتقان الاجتماعي.

مظلمة في حق المرضى....ضعف التكوين

ان النشاط التكميلي الخاص يعد من أكبر المظالم التي تسلط على المرضى لأنّ العديد من الأطباء يستغلونهم ويغيرون وجهتهم نحو القطاع الخاص من خلال استخدام العيادات الخارجية التابعة للمستشفيات العمومية لحسابهم الخاص. ذلك ما عبر عنه عدد كبير من المنتمين إلى القطاع الصحي مؤكدين أن استمرار العمل بالنشاط التكميلي الخاص من شأنه أن يدمر قطاع الصحة العمومية و هو ما يشير إلى انّ هناك شقين في القطاع طب أوّل لفائدة الفقراء و آخر للأغنياء مما يشرّع العنصرية و التفرقة بين الناس و بالتالي فمن يملك المال هو من يستطيع أن يتمتع بالعلاج فقط ومن لا يملك المال العزاء الوحيد له هو الانتظار لأشهر حتى يحين الموعد المحدد لعلاجه .وقد دعت عديد الأطراف إلى إلغاء العمل بهذه المنظومة ذلك أن بعض الأطباء يستغلونها لحسابهم الخاص لذلك لابد من تفعيل المراقبة وإلا فان الوضع سيزداد سوءا حيث يذكر السيد زهير نصري عضو الجامعة العامة للصحة أن من أسباب تردي المنظومة الصحية العمومية هو النشاط التكميلي الخاص فقد انقلبت الموازين وأصبح الأطباء المنخرطون في منظومة النشاط التكميلي الخاص يمارسون هذا النشاط كامل الأسبوع وأصبحت العيادات العمومية يخصص لها بعض الساعات فقط وهو ما يخالف القانون المنظم لهذا النشاط .وأصبح هاجس الأطباء هو ربح المال على حساب الوضعية المادية والصحية للمريض .ويضيف محدثنا أن النشاط التكميلي الخاص ينخر المستشفيات ذلك أن المنظومة الصحية العمومية لا تستفيد من الأموال المتأتية من المرضى من خلال قيام الطبيب الممارس للنشاط التكميلي الخاص بتوجيه المريض للمصحات الخاصة لإجراء العمليات وأيضا القيام بكل الكشوف و الفحوصات التي هي من المفترضا أن تكون بالمستشفيات في العيادات الخاصة بمقابل وكذلك عدم إعلان الطبيب عن عدد المرضى الحقيقي الذين تم فحصهم في المستشفى العمومي وإنما يكتفي فقط بإعطاء عدد ضئيل للمرضى الذين تم الكشف عنهم وكل هذه الأسباب ساهمت في تردي أوضاع المؤسسة الصحية العمومية .

كما يرى محدثنا أن النشاط التكميلي الخاص أدى إلى ضعف تكوين الأساتذة المتربصين والمقيمين الجدد باعتبار أن الأساتذة المشرفين على التكوين خصصوا اغلب وقتهم لربح المال من ممارسة النشاط التكميلي الخاص وهم غير متفرغين للتأطير والتكوين ويضيف محدثنا أن 90 بالمائة من الأطباء منخرطون في منظومة النشاط التكميلي الخاص.

التصدي للتجاوزات....

يقول الدكتور عصام العامري رئيس الجمعية التونسية لإعانة المتضررين من الأخطاء الطبية أن الوضع يعتبر كارثيا في قطاع الصحة برمته خاصة ما يتمثل في التجاوزات التي يرتكبها بعض الأطباء والتي يمكن ان تؤثر في المستقبل الطبي للبلاد وذلك ما سيكشفه في «الكتاب الأسود» الذي سيصدره قريبا حول «النشاط التكميلي الخاص» الذي خلق شبكات من السماسرة محمية بالقانون الخاص بهذا النشاط الذي جعل لتكوين الأطباء الجدد في حين بقي شكليا وغير مطبق بصفة صحيحة حيث يعد هذا النشاط معضلة القطاع الصحي العمومي ويضم مئات الأطباء الذين يعمد بعضهم إلى القيام بعديد التجاوزات على غرار تخويف المريض من المستشفيات العمومية لإقناعه بإجراء العمليات الجراحية في المصحات الخاصة وذلك لكسب مزيد من الأموال. ويضيف مخاطبنا انه لا بد من نشر قوانين جديدة للتصدي للوبيات التي تتمعش من القطاع الصحي.

ويضيف محدثنا أن هذا النشاط التكميلي جعل في الأساس لتكوين الأطباء الجدد وتمكينهم من الاستفادة من خبرات الأطباء الذين يشرفون على الأقسام والذين يحتكمون على خبرة سنوات من العمل ويضيف أن هناك سياسة ممنهجة لإقصاء الكفاءات الشابة مما يجعلنا أمام معضلة هجرة الأدمغة في كل المجالات بما في ذلك القطاع الصحي ويؤكد أن الكفاءات التونسية من الأطباء تتمتع بسمعة عالمية جيّدة للغاية ويتمّ التسابق على استقدامها والاستفادة من خدماتها من قبل عديد الدول الأجنبية في حين أنهم مهمشون في بلادهم.

رقابة منعدمة......

لابد من توفير جهاز رقابة يتمكن من رصد التجاوزات المسجلة من قبل الأطباء الذين يمارسون النشاط التكميلي الخاص وإلا فانه على وزارة الصحة أن تتخلى على العمل بهذه المنظومة إلى حين توفر إرادة حقيقية لتفعيل الرقابة حتى لا يكون النشاط التكميلي الخاص آلية لتخريب القطاع الصحي ذلك ما عبّر عنه رئيس مدير عام احد المصحات الخاصة فضل عدم ذكر اسمه مضيفا ان الترخيص للأطباء لممارسة النشاط التكميلي الخاص في العهد السابق كان يبدو في ظاهره بهدف تحسين أجور الأطباء والتصدي لظاهرة الهجرة وتدعيم المستشفيات لكن في باطنه كان الهدف سياسي بامتياز وهو دعم الأطباء الموالين للنظام و كذلك يدخل في استراتيجية الدولة لضرب كل المؤسسات العمومية بما في ذلك القطاع الصحي العمومي .ويدعو المصدر نفسه وزارة الصحة إلى ايلاء أهمية للقطاع الصحي الخاص الذي يبدو انه من آخر اهتماماتها .ومن جهة أخرى اعتبر المصدر نفسه أن النشاط التكميلي الخاص كانت الأهداف التي بعث من أجلها سابقا تتمثل اساسا في تحسين أجور الأطباء و تشجيعهم على العمل في القطاع العمومي ولكن لم يتم ا لتمسك بهذه الأهداف وأصبح النشاط التكميلي الخاص يمثل معضلة القطاع الصحي.

يعرف القطاع الصحي ببلادنا عديد الهنّات وقد نخر الفساد هذا القطاع مما ساهم في تردي خدماته وعدم تماشيها مع المقاييس العالمية للصحة ويبدو أن من بين الأسباب المساهمة في تدني مستوى هذه الخدمات هو النشاط التكميلي الخاص حيث يقول السيد منير يوسف مقني رئيس عمادة الأطباء أن العمادة تسهر على احترام القوانين المنظمة لممارسة مهنة الطب ومرجعيتها هي تطبيق القوانين واحترامها وقد دعت العمادة الأطباء في عديد المناسبات إلى ضرورة احترام القوانين بما في ذلك القانون المنظم للنشاط التكميلي الخاص و أمام ملاحظة عدم تطابق هذا القانون مع واقع المهنة وقطاع الصحة لذلك فانه تم تخصيص العديد من الاجتماعات صلب الهياكل الموسعة التي تشمل كل المجالس الجهوية لمناقشة الموضوع ووضع عديد التصورات لإيجاد الحلول الناجعة والكفيلة بصياغة مشروع قانون جديد .كما انه يتم حاليا العمل على إعداد إستراتيجية توافقية مع المتدخلين في قطاع الصحة كما يتم العمل على مناقشة القانون الحالي للنشاط التكميلي الخاص لإبراز مكامن الخلل والوقوف على النقائص ثم تقديم توصيات تتماشى والواقع الحالي لقطاع الصحة وتحترم المهنة .ويضيف محدثنا انه بالعودة لروح القانون فانه يتضح ان قانون النشاط التكميلي الخاص جاء بهدف تحسين أجور الأطباء الاستشفائيين الجامعيين والسماح لهم بالتدريس وممارسة مهنة الطب لذلك فان عمادة الأطباء تؤيد هذا الهدف الذي من اجله تم بعث هذا القانون لكن الأحداث والواقع المعاش تؤشر لتجاوز هذه الأهداف والغايات وبرزت عديد التجاوزات التي جعلت عمادة الاطباء ترى انه من الضروري تنظيم منظومة النشاط التكميلي الخاص بما يتماشى مع الواقع ومتطلبات المهنة وما ينص عليه القانون ويرى محدثنا انه لا يمكن التطرق لموضوع النشاط التكميلي الخاص بمعزل عن تردي المنظومة الصحية وظاهرة العنف وظاهرة هجرة الأطباء ....لذلك فانه من الضروري القيام بنظرة استشرافية لرسم سياسات واضحة لمهنة الطب ولضمان سلامة القطاع الصحي.وبين محدثنا ان العمل مستمر من اجل إيجاد حلول تضمن راحة المواطن وتتماشى ومتطلباته وطموحاته ومع واقع القطاع الصحي بهدف تطويره والنهوض به.

مراجعة المنظومة ....

تعمل سلطة الإشراف وعمادة الأطباء على مراجعة ملف النشاط التكميلي الخاص بالمستشفيات حيث اظهر خلال السنوات الأخيرة عديد السلبيات لا فقط على مستوى خلقه لفوارق اجتماعية بين المرضى ولكن أيضا من خلال التجاوزات المرتكبة في صفوف المنتفعين به . لذلك سبق وصرحت السيدة نبيهة فلفول المديرة العامة للصحة لبعض وسائل الإعلام ان هناك لجنة تنكب على مراجعة النصوص المتعلقة بالنشاط التكميلي الخاص وسيتم على ضوء حصيلة التقييمات تقديم جملة من القرارات كما أوضحت أن عدد المنتفعين بالنشاط التكميلي الخاص من الأطباء الجامعيين والأساتذة المبرزين محدود وليس بالآلاف . كما أن القانون يلزم الممارسين للنشاط التكميلي الخاص بالأقسام في المؤسسات الاستشفائية العمومية بالالتزام بالقواعد والشروط المرتبطة بالانتفاع به . وصرحت انه في صورة المخالفة وارتكاب التجاوزات يتم تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة وأولها حذف التمتع بالنشاط.