الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



المنظمة الشغيلة تعتبر انطلاق المفاوضات للزيادة في الأجور رسالة إيجابية:

هل هي مقدمة لتضحيات جديدة?


بقلم مديحة معمري

ينتظر ان تنطلق مفاوضات الزيادة في الاجور في القطاع الخاص وفقا لما نص عليه محضر الاتفاق الأخير بين المنظمة الشغيلة ومنظمة الأعراف خلال شهر مارس المقبل الى جانب انطلاق المفاوضات في القطاع العام والوظيفية العمومية في نفس هذا الشهر بدلا من شهر أفريل حسب ما اكده الاتحاد العام التونسي للشغل خلال الاسبوع المنقضي والذي اوضح ان تقديم هذا الموعد تم بالاتفاق مع رئيس الحكومة لإعطاء «رسائل إيجابية» لكافة الأجراء في القطاعين العمومي والخاص.

موعد تصرّ عليه المنظمة الشغيلة ويبدو انها تعول عليه كثيرا لاستيعاب جزء من تداعيات الزيادات المتواصلة في الأسعار وتدهور القدرة الشرائية بسبب الارتفاع الهام في مستوى التضخم الذي بلغ نسبة ٪6,9 ( وهي الاعلى منذ ثلاثة عقود ) هذا من جهة وللرد ايضا من جهة اخرى على الانتقادات المختلفة التي وجهت لها في الاونة الاخيرة على خلفية موقفها «غير الواضح» من الإجراءات الجبائية المجحفة والتقشفية المسلطة على الطبقة الفقيرة الواردة في قانون المالية الحالي .

وان ترى الحكومة والمنظمة الشغيلة في هذه الزيادة المرتقبة في الاجور والتي ستكون الخامسة منذ الثورة ( باحتساب الزيادة الاستثنائية ) رسالة ايجابية لكافة الموظفين والاجراء في القطاعين العمومي والخاص فان المتعمن في حقيقة الامور في المشهد الاقتصادي عامة يدرك بكل وضوح انها لن تكون كذلك بالمرة وهي كسابقاتها مجرد جرعة مسكن وقتي ونوع من التفاؤل الموهوم خصوصا اذا ما قيّمنا الزيادات السابقة والتعديلات التي لم تؤت ثمارها ولم تستطع الحد من انزلاق المقدرة الشرائية ولا كبح جماح غلاء الاسعار المتواصل ولا التخفيف من تداعيات التضخم المرتفع ولا تحسين ظروف المعيشة والتقليص من نسبة الفقر التي توسعت اكثر بل على العكس من كل ذلك ربما ستكون ركيزة اخرى تمهّد لتضحيات جديدة قد يتضمنها قانون المالية التكميلي المنتظر وسيتحمل وزر اعبائها كالعادة الاجراء .

جولة ساخنة

ويكفي التذكير في هذا السياق بالتلميح الوارد ضمنيا في التصريح الاعلامي لوزير المالية رضا شلغوم الذي اكد فيه مؤخرا تضمين مبدا الزيادة في الاجور في ميزانية 2018 واعتزام الحكومة احترام تعهّداتها مع المنظمة الشغيلة مع ربط مدى قدرتها على الإيفاء بتعهّداتها تلك بنسب النمو المنتظر تحقيقها وهو مايعني ان هذه الجولة المرتقبة ستكون بمثابة مواجهة ساخنة بين الطرفين بالنظر الى واقع الحال الذي يشهد تواصل الأزمة واحتداد الصعوبات على ضوء المؤشرات والمستجدات الاقتصادية السلبية التي تزيد من ارتفاع فجوة العجز في التوازنات المالية العمومية وتواصل الفشل في ايجاد حلول بديلة .

موقف الحكومة الذي يؤيده اغلب الخبراء في المجال يعتبر منطقيا فجميعنا يعلم ان الزيادة في الأجور تكون ذات جدوى اذا ما كانت مربوطة بتحسن الوضع الاقتصادي وزيادة نسبة النمو وتراجع التضخم وفي غياب ذلك فهي لن تسهم في الدفع المطلوب لمحركات الاقتصاد بقدر ما ستؤدي إلى ارتفاع نسب التضخم نتيجة الزيادة في الاستهلاك دون نمو في الإنتاج وهو ما يؤدي بدوره الى زيادة جديدة في الأسعار واضافة أعباء اخرى على الدولة وضغوطات على ميزانيتها بما يسبب الانخرام والعجز من جديد ليكون بالتالي المتضرر الأكبر الحلقة الاضعف في المنظومة وهم متوسطي ومحدودي الدخل وهو ما سيؤدي مرة اخرى الى مزيد من الإحتقان الإجتماعي ودوران في حلقة مفرغة لا سبيل من الخروج منها.

زيادة بلا اضافة

ووفقا لهذا المنطق يبدو واضحا ان اصرار المنظمة الشغيلة على عنصر الزيادة في الاجور سيكون بلا اضافة ولا رؤية منطقية ودون جدوى اقتصادية خصوصا وانها تعتمد الى الان على اليات تفاوض لم تتغير اسسها منذ سبعينات القرن الماضي لذلك فهي مدعوة الى مراجعة حساباتها وتعديل اوتارها بما يضمن تواصل وتسلسل افكارها التي باتت تشكو تضاربا دفع ببعض المراقبين بوصفها بالازدواجية التي بات لزاما عليها العمل على تجاوزها والتخلص ايضا مما يراه المختصون بيروقراطية ادارية تعرقل كفاءاتها وتربك مبادئها وتحد من امكانياتها في صياغة آليّات جديدة تحفظ وتعزز المكاسب وتقدم اضافة نفعية وتقوي دعائم التفاوض حول مكتسبات جديدة تنتج بدورها الاضافة الاقتصادية والاجتماعية.

مما لا شك فيه ان المنظمة الشغيلة قد فوتت فرصة هامة في دعم الاجراء والمحافظة على مقدرتهم الشرائية من خلال عدم تصديها للاجراءات الجبائية الجديدة المسلطة على رقابهم خصوصا وانها كانت قادرة على ذلك وعن تجربة ، لقد كان بامكانها ان ترضخ الحكومة لاملاءاتها من خلال عدة مقترحات تخفف العبء على اصحاب الدخل الضعيف والامثلة عديدة منها على سبيل الذكر تحيين شرائح الدخل باعتبار مستويات التضخم وارتفاع كلفة العيش وكذلك تحيين التخفيضات المشتركة التي يتمتع بها الاجراء عند الخصم من المورد ( التي تتعلق برئيس العائلة والاطفال في الكفالة والوالدين في الكفالة ) باعتبار نسب التضخم ايضا والتي لم تنقح المبالغ المعتمدة فيها منذ بداية الثمانينات ويؤكد الخبراء ان مجرد تحيينها سيمكن من زيادة محترمة في الاجور .

حتى لا تكون الاضافة مرهقة :

هذه الفرصة تنضاف الى فرص اخرى عديدة قد يضيق المجال لشرحها تتعلق باصلاح الصناديق الاجتماعية واصلاح منظومة الدعم وغيرها من الملفات الحارقة والحساسة التي في علاقة وثيقة ومباشرة بملف الاجور لذلك فان المنظمة مدعوة اليوم اكثر من اي وقت مضى الى تصحيح المسار بما يضمن الانسجام اكثر بين مبادئها ومواقفها مع الالتزام بدعم الاستقرار السياسي الذي تحتاجه المرحلة الاقتصادية الصعبة والدقيقة التي نمر بها والتي باتت رهاناتها المصيرية تحتم اليوم على الجميع تعميق الوعي بمدى خطورة الطريق المسلوك و مراجعة السياسات ورسم الاولويات الافضل التي تتناسق مع المصلحة العامة دون الاخلال باسس الاستحققات او المطالب المشروعة لذلك بات لزاما على المنظمة الشغيلة تماما كالحكومة الدفع نحو الحلول المجدية والكفيلة بتحقيق الرخاء المطلوب.

من الاكيد ان الذهاب الى مفاوضات جديدة للترفيع في الاجور دون الاتفاق بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل على مناهج جديدة تساهم في انقاذ الاقتصاد وتثري عمليات دفع الانتاج وتضمن تحقيق النمو الكفيل بتحقيق الاريحية المطلوبة في تلبية الاحتياجات الضرورية للطبقة الشغيلة بما يضمن لها العيش الكريم والابتعاد عن الضغوطات التي تخل اكثر فاكثر بالتوازنات العامة للمالية العمومية وسيجعل المفاوضات بمثابة جولة مرهقة لكل الاطراف بلا نتائج مثمرة ولا اضافة مطلوبة تماما كنفس اوكسيجين ضئيل سريعا ما تتبعه انفاس خانقة وكمسكن وقتي تلحقه من بعد آلام التضحيات الموجعة.