الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



التربية والصحة والفسفاط والنفط..

الحوار الوطني الشامل ضروري



بقلم : محمد بوعود

اضراب اليوم في قطاع التعليم، ليس الاول ولن يكون الأخير، وانقطاع الفسفاط لاسبوعين متتاليين، لم يعد حدثا عارضا، وإضراب الأطباء الشبّان، وحتى لو كانوا من الكبار أيضا، ما عاد يستنفر الرأي العام، ومشاكل النفط التي عرفها الجنوب التونسي من قبلي الى الكامور، مرّت وكأن شيئا لم يكن.

ذلك أن الدولة قد بدأت تعرف نوعا من اليأس، وتعوّدت على الاحباطات المتتالية حتى أصبح تعطيل المرافق الإستراتيجية بالنسبة اليها أمرا عاديا مثله كمثل حادث مرور يقع في الطريق السيارة، أو كتأخّر رحلة للخطوط الجوية.

ومردّ هذا الاجهاد أو اللامبالاة في التعاطي مع الملفات الوطنية ذات الاهمية الاستراتيجية، لا يعود الى كونها لا تعني شيئا للدولة، بالعكس يعود الى أن الدولة لم يعد يعنيها شيء بالمرّة، وأصبحت ترتجل الحلول الترقيعية لكسب الوقت، ولا ندري ماذا ستفعل بهذا الوقت أو ماذا ستجني من اطالة عُمر الازمات، بدل حلّها بالحسم والحزم اللازمين لكل موضوع بمثل أهمية التربية والتعليم، أو بمثل خطورة الفسفاط والنفط.

فدولة مثل تونس، تبجّحت كثيرا بالمراهنة على التعليم، بل واعتبره المؤسسون الاوائل زمن الاستقلال، أهم ركيزة من ركائز النهوض بالبلاد وبناء الدولة الحديثة، وكثيرا ما سمعنا ونسمع الى اليوم شعار المراهنة على الذكاء التونسي، والاستثمار في التعليم،وغيرها من الشعارات التي تتكسّر اليوم على حائط تعليم عمومي لم يعد لديه ما يقدّمه لاجيال المستقبل، الا الحرائق في المبيتات والاضراب في الدروس، والانفلات في المعاهد والمدارس، وعدم تنزيل الاعداد في الامتحانات، وحُمّى الدروس الخصوصية، واستنزاف المدرّسين حتى الموت في داخل الاقسام، وتعنّت النقابة والوزارة، ومعارك القبائل التعليمية التي لا تنتهي.

أما ملفّ الصحّة، فلا يمكن بحال من الاحوال تصنيفه اليوم كقطاع عمومي يمكن ان يعادل أو حتى يقترب من قطاعات الصحّة في أكثر الدول تخلّفا وفقرا، وهذا ليس من باب المبالغة ولا التشاؤم في شيء، بقدر ما هو شهادة ميدانية من مواطن يزور مستشفيات العاصمة الكبرى، ومستوصفاتها في الارياف والاحياء، ومراكز صحتها الاساسية، ويقف على حجم الخراب والدمار الذي لحق بهذا القطاع الذي كان الى زمن قريب، مفخرة لتونس، تعتز وتباهي به الدول والشعوب الاخرى.

واذا كانت الحكومة قد رأت أن التعاطي مع قطاعي الصحة والتعليم يتمّ حسب الطلب، اذ كلما ازداد غضب النقابات، واستفحلت الاضرابات، سارعت الحكومات المتعاقبة الى الحلّ الاسهل، والاقل تكلفة، وهو عزل الوزير، لكن بماذا سيواجه الوزير الجديد كل تلك المشاكل المتراكمة، وحلّ عزل ناجي جلول أو سعيد العايدي وسالم الابيض وسميرة مرعي وغيرهم كُثّر، تلك المشاكل المتراكمة، في وزارات لا تعطيها الدولة الا أربعة مليارات ميزانية، أكثر من تسعين في المائة منها للأجور والمنح ووصولات البنزين، وتريدها ان تصلح التعليم والصحة بكل تفرعاتهما، وبكل المشاكل والنقائص المتراكمة منذ عشرات السنين.

وهو نفس الشيء الذي ينطبق على قطاعي الفسفاط والنفط، فالاقاليم الاربعة في الحوض المنجمي، المتلوي والرديف وام العرائس والمظيلة، متوقّفة عن الانتاج بشكل كلّي، وهو ما نتج عنه توّقف المغاسل، وتوقّف المجمّع الكيمياوي بكل من قفصة وقابس وصفاقس، وتوقف التصدير من الصخيرة، وتوقّف كل النشاطات المتعلّقة بهذه المادة الحيوية، التي تُعتبر المورد الوحيد القارّ للعُملة الصعبة، والتي خسرت كل أسواقها الخارجية، ولم يبق لها الا السوق الباكستانية والبنغالية ويبدو أنها قد خسرتهما هذا الأسبوع نتيجة عدم قدرتها على الإيفاء بتعهّداتها.اضافة الى أن شركة فسفاط قفصة خسرت منذ الثورة الى الان أكثر من مائتين وخمسين مليار من مليماتنا، وتدفع مليارات كل شهر أجورا لالاف الأجراء الذين لا يعملون بل لا يحضرون الى مواقع العمل أصلا وفيهم من يشتغل في أماكن أخرى، كما أنها تحولت الى منشأة اجتماعية، لا تساهم في الانتاج الا بإعالة الناس الذين عجزت الدولة عن ايجاد مواطن شغل لهم في أماكن أخرى، بل وتحولت الى نقطة توتر باعتبار ما طغى عليها في السنوات الاخيرة من انفلاتات عروشية وجهوية حوّلتها الى حيازة خاصة لابناء المنطقة، وحكرا على المتنفذين في الجهة، يتحكمون في مصيرها ومصير البلاد من ورائها.

أما النفط، والذي بطبعه لا يشكّل ثروة كبيرة في البلاد، لكنه يمثّل في نفس الوقت قطاعا استراتيجيا هاما، فقد دخلته التجاذبات منذ سنوات، وتحوّل الى رهينة بيد كل من يريد ان يمارس ضغطا على الدولة، المُنهكة الضعيفة العاجزة، وهي ترضخ بالطبع لكل الضغوطات، وحوّلت آبار النفط ومعامل التكرير وحتى حقول التنقيب والاستخراج الى مرتع لكل من يريد فرض ارادته على الدولة، وليّ ذراعها، وبدأت الشركات الاجنبية تغادر تباعا، وبدأ النزر القليل الذي كنّا نستخرجه، يتراجع شيئا فشيئا، وقريبا جدا سنعلن تونس خالية من النفط وعاجزة عن الانتاج.

هذه القطاعات الاربعة، التي عجزت وزاراتها والقائمين عليها، على ايجاد حلول جذرية لها، وعجز كل المسؤولين السابقين والحاليين واللاحقين عن اعادتها الى العمل والانتاج، بطاقتها القُصوى، لا بدّ من تحويلها الى موضوع رأي عام وطني، ولا بدّ من طرحها على النقاش العام، وتحويلها الى مشكل وطني لا يحتمل التأجيل، ولا التسويف، ولا المزايدة.

فالعقل السياسي التونسي الذي استطاع أن يتحول بسلاسة من حكم بن علي المنهار في ليلة وضحاها، الى حكم يُعتبر نموذجا في المنطقة المحيطة والتي مرت بنفس الوضع، والتي سرعان ما ابتكرت صيغة هيئة بن عاشور، والمجلس الوطني التأسيسي، والدستور الصغير، وتمكنت بهذه الآليات ذات الابتكار الجماعي، من تجاوز عقبات الثورة واشتراطاتها.

كما استطاع العقل السياسي الجمعي التونسي أن يبتكر طريقة مُثلى للخروج من الأزمة السياسية التي أعقبت الاغتيالات السياسية في 2013، بل انها حازت جائزة نوبل للسلام مكافأة من العالم كلّه على هذا الحوار الوطني الراقي، الذي أخرج البلاد من منزلقات حرب أهلية كانت على مرمى حجر.

فهل عجز هذا العقل السياسي عن طرح القطاعات الاستراتيجية على مائدة حوار وطني، موسّع بدون اقصاء لاي طرف، ومباشر، وصريح، تتفاعل فيه كل القوى بالمقترحات والبرامج، وتخرج بحلول لهذه القطاعات، تكون جماعية، متوافقة، ومتطابقة، يلتزم الجميع بمخرجاتها، ويتعهّدون بتنفيذها مهما كانت الصعوبات ؟؟؟