الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



أستاذ التاريخ الحديث بالجامعة التونسية مصطفى التليلي لـ «الصحافة اليوم»:

التشكيك في الاستقلال قراءة إنكارية لا تعترف بالمشروع الوطني



حاورته: فاتن الكسراوي

الصحافة اليوم : في الوقت الذي تلملم فيه الشعوب جراح ماضيها وتبني على مشتركات لا يمكن المساس بها أو تحميلها تبعات أي مهاترات أو تجاذبات وصل بنا الحال الى التشكيك في كل قيمنا وزايدنا بكل مكتسباتنا وأنزلناها منزلة التشكيك بغية تسجيل نقاط ضد خصوم سياسيين بعقلية التأثر السياسي.

هذه المزايدات والتشكيك جعلت البعض يبلغ درجة المس بتاريخ عزيز ومحطات عزيزة على قلوب جميع التونسيين باختلاف تياراتهم وتوجهاتهم الفكرية والايديولوجية أهمها ذكرى الاستقلال أو تاريخ الاستقلال نفسه.

الكل اليوم أصبحت له الشجاعة كي يدلي بدلوه في المسألة حتى وان كان مفتقدا للأهلية العلمية والأكاديمية المهم هو ضرب ما جاءت به الحركة الوطنية ومن ورائها قادة كثيرون على رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة الذين يعتبرون بناة دولة الاستقلال ومؤسسي الدولة المدنية الحديثة.

هذه الترّهات ـ ولا فائدة من العودة الى ما صرح به أصحابها ـ رد عليها ثلة من المؤرخين الجامعيين التونسيين ومن بينهم الأستاذ الجامعي مصطفى التليلي الذي استضافته «الصحافة اليوم» وكان لنا معه الحوار التالي:

كثر الجدل في الأيام الأخيرة حول موضوع الاستقلال، لماذا هذا التشكيك اليوم بالذات؟

حملات التشكيك حول تاريخ الحركة الوطنية ليست جديدة. فقد سبق أن شهدت البلاد بعد 2011 محاولات للتملص من الإرث النضالي لأجيال من التونسيين الذين قدموا تضحيات جمّة في سبيل تحقيق المشروع الوطني التونسي والمتمثل في استقلال البلاد وبناء الدولة الوطنية وتحديث المجتمع وضمان العدل والمساواة. وسجّلت محاولات لأطراف سياسية وإيديولوجية لتوظيف انخراط أوساط واسعة من التونسيين في نقد النظام السياسي التسلطي والمبني على قمع الحريات وتحويلها إلى نقد للمشروع الوطني بجوانبه الإيجابية والسلبية. فكلنا نتذكرالإهمال التام والمتعمد للمناسبات الوطنية كأعياد الاستقلال والشهداء والجمهورية سنتي 2012 و2013. وأكثر من ذلك تمّ إطلاق أيادي بعض العصابات والميليشيات آنذاك للاعتداءعلى منظمات المجتمع المدني وعلى التونسيين الذين ظلوا متمسكين بإحياء تلك المناسبات التي تعدّ مهمة في السرديّة الوطنية وفي تاريخ البلاد( 20 مارس و 9 أفريل 2012).

الحملات الأخيرة ليست إلا مواصلة لمحاولة إيجاد تبرير ومشروعية لمشاريع مجتمعية تتناقض وتتنافى مع المشروع الوطني الذي أرست ملامحه أجيال من التونسيين باختلاف مشاربهم ومواقعهم. المختصون في التاريخ بالجامعة كانوا دوما حريصين على كتابة تاريخ البلاد والحركة الوطنية باعتماد الموضوعية وأدوات التحليل العلمي والقراءة النقدية للوثائق والشهادات بعيدا عن التاريخ الرسمي الذي تغلب عليه الدعاية السياسية والتشخيص. والمكتبة التاريخية التونسية تعجّ ببحوث في هذا المجال والتي لم تكن تعترف إلا بالخطوط الحمراء التي تقتضيها أخلاقيات المهنة والالتزام بالقواعد الأكاديمية. وهذا لا ينفي وجود تنوع في المقاربات واختلافات في تأويل بعض الأحداث. كما لا يمكن إنكار وجود بعض الأعمال الهامشيةوالتي كان ينجزها البعض ممّن اختاروا التزلّف للسلط الحاكمة في بلادنا وفي بلدان أخرى بحثا عن المكاسب المادية والامتيازات ولكن «الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه».

لذلك أعتقد بأن التشكيك في حصول البلاد على استقلالها عبر مسار معقّد وتدرّجي أمر مناقض لما وصلت إليه الأبحاث التاريخية الجادة التي اعتمدت على وثائق مصدرية وشفوية متنوعة ومتقاطعة وحسب قواعد منهجية دقيقة.وهو صادر عن أطراف لا أهلية لها في هذا المجال ويندرج في تقديم قراءة إنكارية لتاريخنا خدمة لمشاريع سياسية وإيديولوجية لا تعترف بالمشروع الوطني التونسي.

هل يمكن تعميم محاولة التوظيف السياسي على كل الأطراف التي تشكك في الاستقلال؟

الخلاف بدأ بين المؤرخين وهيئة الحقيقة والكرامة حول اعتبار الشكاوى المقدمة من قبل ضحايا الانتهاكات تاريخا أم مجرد شهادات يمكن أن يستدلّ بها الباحثون. وهو ناتج عن قلّة إلمام بمتطلبات البحث التاريخي لدى القائمين على هذه المؤسسة وعدم اطلاعهم على الأعمال المنجزة في رحاب الجامعة. وعوض الاستفادة من وجهة نظر المؤرخين التي تم طرحها في أفريل 2017 واصلت رئيسة الهيئة على منهجها في محاولة منها للخروج بمظهر الضحية بالاعتداء على قواعد البحث والكتابة من خلال اقتطاع بعض الوثائق من سياقها وتقديمها على أنها الحقيقة التاريخية. ويدخل ذلك في محاولة يائسة لخلط الأوراق وافتعال قضية تجعل من عدم التمديد لهيئتها يبدو وكأنه مؤامرة لإسكاتها. وردّ المؤرخين ليس اصطفافا مع أي موقف سياسي وليس موجها ضد مسار العدالة الانتقالية الذي نتمنى ونعمل كل من موقعه على أن يتحقق على أسس ثابتة وسليمة حتى تتعزز مسيرة الانتقال الديمقراطي. والمجال لا يسمح بالتذكير بأن العديد من الممضين على عريضة المؤرخين (مارس 2018) لهم مواقف وأعمال تشرّف نخبة البلاد في مجال النضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في مختلف الفترات وتحملوا مسؤولياتهم المواطنية بكل جدّ بعيدا عن التهريج والبحث عن الغنائم.

بالعكس تنخرط بعض الأطراف المعروفة باستقالتها الكلية من الشأن العام خلال سنوات الجمر في حملة التشكيك في تاريخ البلاد والتهجم على المؤرخين معتقدين بأن ذاكرة التونسيين قصيرة بهذا الحدّ. كيف يمكن لمن استفاد ومازال يستفيد من كل سلطة قائمة مهما كانت طبيعتها ويتلوّن بصورة حربائية مع كل ظرفية أن يعطي دروسا في الالتزام بالموضوعية وبالمبادئ؟ كما تعدّ محاولة جديدة لبعض الأطراف التي همّشت نفسها للتموقع من جديد بحثا عن المكاسب والامتيازات بعرض استعدادها لتقديم خدمات لفائدة من يعتقد بأنها قوى فاعلة في الساحة السياسية.

إلى حدّ اليوم اقتصر ردّ المؤرخين على إصدار نصين في الغرض، لماذا؟

الجامعيون المختصون في التاريخ منشغلون مثل زملائهم بأداء واجبهم في التدريس والبحث وتأطير الباحثين الشبان. هذه مهمتهم الأساسية التي تنتظرها منهم المجموعة الوطنية. ولكنهم في نفس الوقت مواطنين لهم حقوق وواجبات ومنها ضرورة المساهمة في الشأن العام وكل فرد منهم يساهم من الموقع السياسي أو الجمعياتي أو الثقافي الذي اختاره. وعندما يتعلق الأمر بالدفاع عن شرف مهنة المؤرخ وأخلاقياتها يتجند المؤرخون باختلاف مشاربهم في سبيل ذلك. في هذا المجال يتوجّب أن نذكر بأن جمعية المؤرخين الجامعيين تعرضت للحلّ في بداية التسعينات في نطاق التضييق على الجمعيات المستقلة. وترك ذلك فراغا في الساحة الأكاديمية نرجو أن يتم تداركه قريبا ببعث هذه المؤسسة من جديد.

غير أن حملة التشكيك في تاريخ البلاد وإصرار البعض على تبني هذه المقاربة الإنكارية المبنية على تصفية الحسابات السياسية وإثارة النعرات وترويج معطيات غير دقيقة وتلاعب بالوثائق تفرض على الجامعيين واجب الرد الأكاديمي. وأكيد أن الأيام القادمة ستحمل أنشطة في هذا المضمار حيث ينتظر أن يقدّمّ الباحثون المختصون نماذج من أعمالهم المنجزة حول موضوع مسار الاستقلال وتصفية الاستعمار لإنارة الرأي العام ورفع كل الالتباسات الناتجة عن تناول هذا الموضوع من قبل بعض المتطفلين وغير المختصين والباحثين عن التموقع في المشهد. وسيكون تنظيمها داخل الفضاء الجامعي العمومي بعيدا عن كل توظيف شخصي أو ربحي. ونتمنّى أن تواكبها وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية حتى تعمّ الفائدة على الجميع.