الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



انتشار الأخبار الكاذبة في تونس :

«الفايك نيوز» تتحول إلى صناعة مهدّدة للسيادة الوطنية


الصحافة اليوم: عواطف السويدي

تعددت في الاونة الاخيرة الاخبار الكاذبة والمغلوطة والاشاعات التي نشرتها منصات التواصل الاجتماعي وايضا بعض وسائل الاعلام الالكترونية، وتعلقت اغلب هذه الاخبار بالمجال السياسي على غرار مرض الرئيس السابق بن علي ورسالته للتونسيين او مرض الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي ..وتعود الاسباب غير المباشرة لانتشار هذه الاخبار المغلوطة الى قرب موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية .

«الفايك نيوز» او ما يعرف بالاخبار الكاذية خطر يهدّد كل التجارب الديمقراطية في العالم في السنوات الاخيرة حيث هناك العديد من الدول التي كانت ضحية اشاعات ،وتونس ليست بمنأى عن هذا الخطر.

في هذا السياق أعلنت شركة «فيسبوك» الخميس الماضي عن حذف مئات الصفحات والمجموعات والحسابات المزيفة على «فيسبوك»و«إنستغرام»، قائلة إنها كانت تديرها شركة إسرائيلية وتستهدف الانتخابات في دول أفريقية بينها تونس. وأوضحت شركة «فيسبوك»حسب ما نقلته «سي ن ن»الامريكية ، أن شركة «أرخميدس» الإسرائيلية أنفقت أكثر من 800 ألف دولار لعرض إعلانات فيسبوك وأن حساباتها كانت تضم حوالي 3 ملايين متابع . وقالت فيسبوك إن شركة مجموعة «أرخميدس» استخدمت حسابات مزيفة، وقدموا أنفسهم كمواطنين محليين، ووسائل إعلامية محلية، ونشروا ما زعموا أنه معلومات مسربة عن سياسيين.

غير أن اليات الديمقراطيات في البلدان الغربية تتميز بتفاعل اتصالي سريع ومتطور قادر على مواجهة الاخبار الزائفة والتقليص من حدة تأثيرها على المتلقي.ويبقى الرهان اليوم في بلادنا هو ايجاد اليات كفيلة بمعالجة الاخبار الزائفة باستمرار والتصدي لها حتى لا تؤثر على الراي العام .فما هي هذه الاليات وكيف يمكن تكريسها ؟

يعتبر استاذ الاعلام والعلاقات العامة والاتصال صلاح الدين الدريدي ان مجال الاشاعة موجود منذ قدم الزمان ويعني اصطلاحا اشاعة اخبار غير صحيحة والاذاعة هي نشر الاخبار الصحيحة .والاشاعة هي سلاح يستعمل اعلاميا وحربيا لاضعاف الخصم وتشويه صورته .

عصر ما بعد الاعلام

واكد الاستاذ الدريدي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» قائلا «اننا دخلنا اليوم في عصر ما بعد الاعلام وذلك بعد دخول عصر التكنولوجيات الحديثة للاعلام والاتصال والاستعمالات المتعددة لها حيث لم يعد الاعلام المصدر الاول للاخبار وهو ما يعرف بعصر موت الاعلام والصحافة» .واضاف الدريدي بانه في عصر الاعلام كانت الاشاعة محدودة في الزمان والمكان عكس ما يحصل اليوم من انتشار سريع جدا بفضل توفر التكنولوجيا الفيروسية .

وصرح الاستاذ بان الشبكة اليوم اصبحت تقوم على مبدإ الذكاء الاصطناعي الذي يعتمد الخوارزميات وهي الالية التي تقوم بتتبع توجهات رواد الشبكات الاجتماعية وتتحكم في ميولاتهم ، وذكر صلاح الدين الدريدي انه اليوم اصبحت هناك شركات عالمية توجد خاصة في الصين مختصة في صناعة الاخبار الزائفة حيث اصبحت صناعة مهيكلة وليست عفوية ويسمى هذا العمل شركات «محترفي الكليكات» التي تندرج في اطار صناعة الكذب وهي من اهم سمات عصر ما بعد الاعلام او عصر ما بعد الحقيقة .

التجربة التونسية

وفي تعليقه على ما أعلنت عنه شركة فايسبوك من حذف لحسابات مزيفة على المواقع الاجتماعية تديرها شركة إسرائيلية في عدة دول منها تونس ، اعتبر الدريدي انه دليل آخر على أن الكذب ارتقى الى مراتب الصناعة،ولكن في نفس الوقت هي مناورة ترويجية اذ ان خوارزميات الذكاءالاصطناعي بامكانها ان تسمح بكشف كل الأكاذيب والأخبار الملفقة في لمح البصر ومحوها مشيرا الى ان شركة «فايسبوك» تعمل بمنطق الحفاظ على المصالح العليا لأمريكا .

وشدد أستاذ الاعلام على ان هذه الاخبار المغلوطة تهدف إلى تحقيق نتائج سياسية في اطارمختلف الصراعات التي تدور في مختلف انحاء العالم .

ومن بين النماذج الهامة للاخبار الزائفة او«الفايك نيوز» في التجارب الديمقراطية ،حسب صلاح الدين الدريدي،الانتخابات الامريكية التي كانت فيها اتهامات بأن روسيا قامت باستعمال الذكاء الاصطناعي لخلق اشاعات تروج ترويجا فيروسيا منها ان هيلاري كلينتون مريضة ولديها قضايا فساد ..باعتبار ان روسيا كانت داعمة لفوز ترامب انذاك .اما المثال الثاني فيتعلق بالبريكيست البريطاني حيث كانت نتائج الاستفتاء نتيجة لنشر المعارضين لفكرة بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي لاخبار زائفة ، وهناك مثال اخر يتعلق بالانتخابات الاوروبية وستتدخل روسيا باعتماد الاخبار المغلوطة «الفايك نيوز» لدعم مرشحين يخدمون مصالحها ، وشدد الاستاذ على ان وسائل الاعلام اليوم اصبحت ضحية الفايك نيوز .

وفي السياق التونسي راينا ان محمد البوعزيزي تم ترويج صورة مغلوطة عنه وعن الجنرال رشيد عمار وايضا عن عديد الاحداث المتعلقة بالثورة .

وتختلف طرق مواجهة الاخبار الزائفة في الدول الغربية حيث تعتمد الولايات المتحدة الامريكية وايضا الدول الاوروبية برمجية «الفاكتشيكينغ» وهي عبارة عن شبكات مجمعة متعددة من الوسائل الاعلامية للتثبت من صحة الأخبار مثل وكالة الانباء الفرنسية «ا ف ب» ،وقامت شركة غوغل بتخصيص مخابر بحثية لمتابعة تطور اساليب الكذب .واختارت بعض الصحف الفرنسية ان تحدث مخبرا مشتركا للقيام بمهمة «الفاكتشيكينغ» .

واذا تناولنا الوضع في تونس فان بلدنا لا يمكنه ان يتصدى للاخبار الزائفة تقنيا لانه لا توجد لدينا بنية تحتية تكنولوجية ولا مهارات ، هذا فضلا عن مستوى التكوين الصحفي في هذا المجال ، ليبقى بذلك الحل فرديا ويتعلق بمسؤولية الصحفي والتزامه باخلاقيات المهنة .

ومن الحلول المقترحة إدراج التربية على الاعلام في البرامج الدراسية لبث الوعي لدى الجمهور التلمذي برهانات الإعلام ولتنشئة الجيل الجديد على الفهم الصحيح للإعلام ووظائفه في المجتمع ولفرنسا وكندا تجربة ثرية في مجال التربية على الاعلام.

المواطن يصنع الخبر

يقول الباحث في العلوم السياسية محمد الصحبي الخلفاوي ان الاخبار الزائفة وجدت تاريخيا منذ القدم سواء في الغرب او في الحضارة العربية الاسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم .وابرز محدثنا في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان انتشار الاخبار الزائفة اليوم اصبح اكبر ، بسبب وجود الشبكات الاجتماعية ، فقبل ظهور هذه الشبكات كانت الانظمة السياسية تستعمل الاشاعة لاختبار الراي العام في مسألة ما مثلما كان يفعل نظام بن علي على سبيل المثال .

واليوم اصبح المواطن هو الذي يصنع الخبر والمعلومة على الشبكات الاجتماعية ولم تعد حكرا على وسائل الاعلام التقليدية لان هذه الشبكات تساهم في انتشار الاخبار بسرعة فائقة .

ويرى الخلفاوي ان الاخبار الكاذبة تضطلع بوظيفة التاثير في الاخر سواء كان خصما سياسيا او غيره ولها دائما معنى سلبي وذلك بالرغم من ان «الفايك نيوز» يعتمد اساسا على خبر قابل للتصديق .وبين ان معالجة الاخبار الزائفة ومواجهتها عملية تتطلب الكثير من اليقضة حيث يقوم اليوم المشاهير في عالم السياسية والفن وفي مختلف المجالات باستباق الاخبار ونشر اخبار شفافة تفاديا للاشاعات .

وفي السياق التونسي ، وتعليقا على الاخبار الرائجة مؤخرا حول الوضع الصحي للرئيس السابق بن علي والرئيس الحالي الباجي قايد السبسي اوضح محمد الصحبي الخلفاوي ان الحديث عن الوضع الصحي لبن علي من طرف محسن مرزوق قد يكون لاهداف سياسية تتمثل في استعادة الدستوريين نحو حزبه مشروع تونس .اما بخصوص وضعية الباجي قايد السبسي الصحية فالمسالة مطروحة منذ سنة 2011 وقد تكون معلومة صحيحة وتستطيع رئاسة الجمهورية مواجهتها بالكشف عن الوضع الصحي لرئيس الجمهورية كل ستة اشهر مثلما يحصل في الدول الديمقراطية او معلومة خاطئة وكان هدفها الرئيسي قطع الطريق امام المناشدين للسبسي لاي امل في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة .

واصبحت مختلف وسائل الاعلام في العالم وفي الدول الديمقراطية ضحية للاخبار الزائفة لذلك فكرت فرنسا لمواجهة هذا الاشكال في اصدار قانون يتعلق بالتلاعب بالمعلومات الذي تم تبنيه في ديسمبر 2018 ويسمح هذا القانون لمترشح او حزب بالاستنجاد بقاضي لوقف نشر الاخبار الزائفة خلال الاشهر الثلاثة التي تسبق الانتخابات الاوروبية .

في العموم يبدو ان السياق الانتخابي الذي تعيش على وقعه بلادنا يحتاج الى اليات عديدة للتصدي لتزايد الاشاعات وتتعلق اساسا بتطوير العمل الصحفي وايضا العمل على تنمية وعي المواطن .