الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



باسم العدالة الانتقالية

محاكمة الماضي... بمعايير الحاضر



بقلم:منيرة رزقي

في سياق سياسي محموم يبحث فيه جل الفاعلين عن التموقع متأبطين كل الشرور يعود الصراع البورقيبي اليوسفي الذي طبع مرحلة الستينات في تونس.

وعودته هذه المرة من باب العدالة الانتقالية ضمن محاكمة تاريخية لكل الضالعين في اغتيال الزعيم الراحل صالح بن يوسف وعلى رأسهم الزعيم الحبيب بورقيبة.

هذا الاغتيال الذي شكل منعرجا بالغ الخطورة في تاريخ تونس المستقلة وكانت له ارتدادات حادة تجلت في فتنة دامية خرجت منها بلادنا بأخف الأضرار وإن كانت الجراح لم تندمل حتى اللحظة ، جراح عائلة بن يوسف وأنصاره ومريديه.

وإذا كانت كلمات نجل الزعيم بن يوسف موجعة وهو يتحدث عن ضرورة إعادة الاعتبار لوالده الراحل فإن هذه الواقعة بكل ما حف بها تحتاج إلى النظر والتدقيق كما قال علاّمتنا عبد الرحمان بن خلدون.

ومن المهم أن نقارب تلك الوقائع التاريخية بكل ملابساتها بعيدا عن الانطباعية وخاصة عن التوظيف السياسي من هذا الطرف أو ذاك.

والحقيقة أننا في مرحلة ما بعد الثورة ابتلينا بقوم ديدنهم نبش القبور والبحث عن آباء وأجداد للتمعش من ذكراهم وذاكرتهم وكان الزعيم بورقيبة ورفيقه بن يوسف من أكثر الشخصيات التي تمسّح بها الفاعلون السياسيون اليوم وهم يبحثون عن مجد لهم في تلابيب التاريخ بعد أن عجزوا عن تأسيس منجز فعلي في الواقع الراهن وفي غياب تاريخ نضالي مشرّف لهم يريدون ارتداء جلابيب ليست لهم.

وفي هذا السياق تنزلت محاكمة الزعيم صالح بن يوسف التي أدت إلى انقسام حاد بين التونسيين إجمالا والنخبة السياسية على وجه الخصوص والحقيقة أن مجمل هؤلاء المنقسمين على أنفسهم قد جانبوا الصواب وهو يتعاطون مع قضية بالغة الدقة في تاريخ تونس المعاصر.

فقد سارع البورقيبيون كدأبهم إلى تأليه الزعيم محاولين «تكفير» كل من تسول له نفسه أن يراجع تاريخه أو يفكر مجرد التفكير في الاقتراب منه ونقده وجعلوا من المحاكمة مجال سخرية وتندر محاولين التهوين من جريمة الدولة التي راح ضحيتها أحد رموز الحركة الوطنية بعد أن افترق رفاق الكفاح ولوّث الدم مسيرتهم.

وفي هذا الصدد نلمس وجود طرفين احدهما بورقيبي أصيل من أولئك الذين ساهموا بشكل مباشر أو ضمني في الأخطاء التاريخية التي وقع فيها الزعيم بورقيبة وساعدوه على الإنفراد بالسلطة وعلى تصفية خصومه بأشكال مختلفة وزينوا له الحكم مدى الحياة وتعاطوا معه بمنطق التأليه للحفاظ على مصالحهم الفئوية والجهوية وهم لم يقبلوا حتى اللحظة بالقيام بالمراجعات اللازمة التي من شأنها أن تجعل جميع التونسيين منسجمين حول تاريخهم.

وهناك طرف بورقيبي مزيف أو لنقل إنه انتهازي امتطى مركب البورقيبية في ربع الساعة الأخير وهؤلاء هم الذين يبحثون عن مشروعية واهية يستمدونها من شخصية الزعيم بورقيبة ويقتاتون منها خاصة ونحن على أعتاب انتخابات مفصلية لم يقدموا هم ولا غيرهم برامجهم المقترحة على التونسيين في هذا الاستحقاق حتى اللحظة واكتفوا بالخوض في الصراع والتجاذب وجاءت هذه المحاكمة في الوقت المناسب جدا بالنسبة إليهم ليتم توظيفها من أجل كسب الأنصار والمؤيدين.

وفي سياق متصل من المهم أيضا النظر إلى الطرف الثاني الذي يقف على الطرف النقيض من البورقيبيين ونعني المدافعين عن صالح بن يوسف والمطالبين وبشكل «ثأري» بمحاكمة بورقيبة وبعض أعضاده ومحاولة للتشفي في مرحلة تاريخية بأكملها عبر محاكمة رموزها الذين باتوا في ذمة الله والتاريخ.

وهؤلاء يحاولون أن يجدوا لهم مشروعية تاريخية عبر قميص بن يوسف منخرطين في مرثية جعلتهم يحيكون الوقائع التاريخية كما يسول لهم خيالهم وخاصة مصالحهم الضيقة وفي هذا الصدد أهملوا من حساباتهم ان صالح بن يوسف كان زعيما دستوريا وهو رفيق بورقيبة وإنهما حاملان لذات الفكر المتشرب بالثقافة الغربية وأن الصراع بينهما كان سياسيا صرفا ولم يكن إيديولوجيا بأي حال من الأحوال فقد فرقتهما السياسة كدأب الكثير من رفاق النضال في منطقتنا العربية وهناك نماذج كثيرة لا يتسع المجال هنا لتعدادها معلومة للمؤرخين وللمهتمين بالشأن السياسي.

ولكن ليّ عنق الحقيقة اقتضى بالنسبة لهواة نبش القبور وسوّل لأطراف سياسية بعينها محاولة الاحتماء بقميص صالح بن يوسف والاستنجاد به لترقيع بعض المشروعيات المهترئة حتى وإن اقتضى الأمر تزييف الوقائع التاريخية وتغيير سير الزعماء ومساراتهم الفكرية والسياسية.

يحدث هذا في سياق إقليمي مرتبك وفي واقع تونسي يتعالى فيه السجال حول الكثير من القضايا الراهنة وأيضا حول الوقائع التاريخية التي ما زال بعضها يكتنفه الغموض.

وفي هذا الصدد لابد من تقديم إضاءات تقوم على قدر عال من الإنصاف للجميع إنصافا للتاريخ وللذاكرة الجماعية للتونسيين وسعيا إلى تنقيتها من شوائب الأحقاد التاريخية ونزوات الثأر وأيضا النأي برموزنا عن منطق التأليه.

وهنا لابد أن نتوقف عند تصريحات نجل الزعيم صالح بن يوسف الذي طالب برد الإعتبار لوالده وهذا مطلب له كل المشروعية لكنه ينطلق من أفكار غائمة وعامة عن طريقة تعاطي الدولة التونسية مع بن يوسف فمن المعلوم للجميع أن رفات الزعيم الراحل عادت إلى تونس من القاهرة وهو يرقد اليوم في مقبرة الشهداء مع رموز تونس وأعلامها وهو مثل كل الشخصيات التاريخية التونسية الكبيرة يحظى بمجال مهم في برامج التعليم كأحد رموز الحركة الوطنية وهذا منذ ما يربو عن ثلاثة عقود تقريبا كما أن هناك شارعا رئيسيا في العاصمة يحمل اسم صالح بن يوسف على غرار باقي الشخصيات الوطنية وبهذا المعنى فإن رد الاعتبار قد حصل.

نقول هذا مع التأكيد على الإدانة المطلقة واللامشروطة لتصفية الزعيم صالح بن يوسف واغتياله في جريمة دولة موصوفة ولا ضير اليوم من الإقرار الواضح بهذا الأمر تماما ولا ينبغي التغافل عن المظلمة التاريخية التي تعرض لها صالح بن يوسف إبان حكم بورقيبة حيث «نفي» من كتب تاريخ الحركة الوطنية الذي قدّ على مقاس الزعيم.وكذلك أسرته التي استقر بها المقام في القاهرة عندما احتضنها الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان في خلاف جوهري مع بورقيبة حول الكثير من القضايا الإقليمية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية حدث ذلك في سياق انقسام عربي حاد حول تمثل القومية العربية وقضايا التعاطي مع الغرب ومسألة الصراع العربي الصهيوني وبقدر ما كان بورقيبة براغماتيا ومستشرفا للمستقبل كان عبد الناصر حاملا لشحنة عاطفية غذتها زعامته الخالدة ولكن خياراته قادت إلى ما لا يحمد عقباه فكانت النكسة التي قسمت ظهر العرب وجعلتهم يخسرون فلسطين إلى الأبد وأثبتت الوقائع حكمة بورقيبة وبعد نظره.

والآن يعود السجال العقيم حول مسائل طواها التاريخ ولابد من أخذ العبرة منها من أجل مصالحة حقيقية مع الذات ومع التاريخ مصالحة تضمد الجراح ولا تضع الملح فوقها بنوايا صافية وخدمة لمصلحة الوطن وليس لاعتبارات سياسوية آنية موغلة في الأنانية والانتهازية مهما كان اللون السياسي للأطراف المتاجرة بالدماء وبالأحقاد.

وعلى هذا الأساس يمكن أن يكتب تاريخ تونس المعاصرة بعيدا عن رقابة الفاعل السياسي وبأدوات المؤرخين العلمية الصرفة المنصفة للجميع دون تحيز لطرف أو جهة.

نقول هذا بعد تأجيل النظر في قضية اغتيال الزعيم صالح بن يوسف وعسى أن تكون هذه المحاكمة طيا لهذه الصفحة إلى الأبد وليس منطلقا لفتنة جديدة.