الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

وطنية



في ظل توجّس من الأحزاب وريبة من الجميع:

ويتواصل مشوار الغنوشي في البحث عن شريك «مضمون» وواجهة مقبولة


بقلم:محمد بوعود

حول رحلة باريس الاخيرة للشيخ راشد الغنوشي، تعالت كثير من الاصوات التي تتحدث على أن الشيخ ذهب الى باريس بحثا عن مخرج من مسألة تصنيف الاخوان المسلمين كمنظمة ارهابية، وعلل الكثيرون ذلك بخوف من ان ينعكس ذلك على وضع حزب حركة النهضة في تونس ومستقبلها في السلطة وفي الحياة السياسية.

لكن الاقرب الى المنطق ان هذه التفسيرات لا أساس لها من الصحة، وذلك للاعتبارات التالية على الاقل الظاهر منها:

*أولا الذي يبحث عن مخرج من التصنيف الارهابي لا يذهب الى باريس، ببساطة لان باريس ليست عاصمة القرار في ما يتعلق بهذه المسألة، بل يذهب الى واشنطن، ويحادث ترامب ولا يحادث مستشاري ماكرون، ويبحث في كواليس البيت الابيض والايباك والبنتاغون، وليس على عتبة الباب الخلفي لقصر الايليزيه.

*ثانيا الغنوشي، وكما يقول عن نفسه، وكما قال عنه شريكه الباجي قايد السبسي عندما ذهب الى الاتحاد الاوروبي، هو زعيم حزب «مدني» فصل بين الدعوي والسياسي، وهو أيضا حزب «تونسي» لا علاقة له بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وبالتالي هو غير معني بالتصنيف الذي ينويه ترامب.

*ثالثا وهو الأهم، أن الغنوشي بحكم تجربته وإقامته الطويلة في الغرب وتعاطيه مع رجالاته ومؤسساته، يعرف جيدا أن ترامب وغيره من حكام واشنطن، السابقون واللاحقون، لن يصنّفوا الإخوان المسلمين كإرهابيين، لأنهم ساعتها سيخسرون «فيلقا أرضيا» جاهزا لكل ما يُطلب منه، تحت شعارات الخلافة تارة والديمقراطية طورا وثورات الحرية والكرامة طورا آخر.

*رابعا أن المعنيين بهذه العملية ومتابعيها بدقة يعرفون أن عبقرية ترامب في استخلاص الأموال من عرب النفط هي التي قادته إلى هذا التلويح بالتصنيف ليس إلا، فتسارع السعودية والإمارات ومصر للدفع حتى يعجّل في تنفيذه، وبالمقابل تركض قطر وتركيا للدفع حتى لا يمضي فيه، وهو يكسب من الجهتين، وبالتالي لن يصنّف تنظيما يدرّ عليه أموالا طائلة من خمس دول على الأقل.

وبالتالي فمسألة البحث في خصوص تصنيف الإخوان كإرهابيين لم تكن مدرجة على جدول أعمال الغنوشي لا من قريب ولا من بعيد، إنما كان هاجسه الوحيد هو ومرافقوه وحركته ومفكرو قيادته، استطلاع رأي باريس في الشريك القادم لتقاسم الحكم، وفي تقديم المقترحات، وتفسير التوجهات، وبالخصوص تأكيد المواصلة على نفس التوجّه التشاركي الذي دأبت عليه منذ انتخابات 2014 الفارطة، وتجديد التزامها للاصدقاء والاشقاء بانها على نفس المسار وانها لا تنوي الخروج عن المسارات المرسومة سلفا، لكن مشكلتها في الشريك القادم، من يكون وما هي طبيعة موقفه منها وما مدى «مضمونيته» وما مدى درجة مقبوليته في عواصم القرار ورضاء الاخرين عنه.

وهي بالفعل المعضلة الرئيسية بالنسبة للحركة، التي تجد نفسها الآن في وضع غامض وغير واضح المعالم، فهي من ناحية مستقرة سياسيا وهيكليا وتُعتبر الحزب الأكثر حظوظا في الفوز بالانتخابات التشريعية، إن لم يكن في المرتبة الأولى ففي المرتبة الثانية على الأقل.

لكن هذا الفوز المتوقّع لن يكون نصرا بأتم معنى الكلمة طالما أن النهضة مازالت عند ثوابتها السياسية التي تعلمتها من تجربة حكمها القصيرة في بدايات العملية السياسية الحالية، وأهم ثابت فيها، هو ان لا تكون هي في الواجهة، وان لا تكون في مرمى السهام، بل أن أحسن وضع تمارس فيه حكمها بأريحية، وتستطعم فيه انتصارها بجديّة، هو أن تكون في المرتبة الثانية في تسلسل هرم السلطة، وان تحكم من الظلّ، وان لا تتحمّل مباشرة مسؤولية الفشل، وان تستحوذ على أي نجاح يحققه شريكها أو شركاؤها.

وهي منطقة آمنة، تستوجب البحث من الآن عن شريك، يكون على المقاسات التالية:

*مضمون، أي لا يمكن أن يغدر أو يغيرّ ولاءاته أو يتحالف مع أحد غيرها لا ترضى عنه ولا تزكيه.

*أن يكون مقبولا من قواعد الحركة وغير «استئصالي» ولا يمثل «خصما عدوّا» بالنسبة لهم، حتى يمكن التسويق له، والإقناع بالتعاطي والشراكة معه.

*أن يكون مقبولا لدى الخارج، وخاصة عواصم القرار التي تتدخل في الشأن التونسي، وعلى رأسها فرنسا، وبدرجة ثانية امريكا وبريطانيا وتركيا وقطر والسعودية والإمارات، وهي عواصم يقدر الغنوشي على اقناعها، لكن المعضلة هي باريس وبالتالي كان لا بد ان يكون على عين المكان، حتى يعرف بالضبط الى أين تميل رياح الآلب، وماذا يريد الشريك الدائم والمستعمر السابق.

ورحلة البحث هذه عن شريك مضمون ومعقول ومقبول، قد تستغرق وقتا وجُهدا، لكنها في النهاية لن تخرج عن احتمال من ثلاثة:

*إمّا أن يكون المقترح المقدّم من الغنوشي هو يوسف الشاهد، وقد توافق عليه باريس ولا وجود لمشاكل لها معه.

*إما ان يعود الشيخ على بدء، الى اتفاق باريس السابق، ويضع يده من جديد في يد شريكه الذي غدر به، الباجي قايد السبسي، وهو بالتأكيد ينتظر ذلك على أحر من الجمر، خاصة بعد ان خلا عليه الجو في قصر قرطاج وانفضّ من حوله الاصدقاء والشركاء، وحتى المستشارون والموظّفون، وتقبله باريس بالتأكيد وتوافق عليه، خاصة وان له مكانة خاصة عند ماكرون وفي أروقة الايليزيه.

*وإما أن يمدّ الشيخ يده الى أحد الوجوه القريبة من أحواز السلطة، ويدعمه ويحكم معه، وتقبله باريس أيضا، كالمهدي جمعة أو كمال مرجان، ولم لا حتى محسن مرزوق ان توفّرت له عدة شروط لعل أهمها ان يخفف من علاقاته ما بعد الاطلسي وان يبتعد عن خطاب الاستئصال.

*وإما أن يغامر الشيخ ويرتمي في عملية غير محسوبة كالحكم بمفرده، وساعتها ستكون الحركة في مرمى النيران من كل الجهات، وساعتها سيكون التعويل على واشنطن وليس باريس، وستكون اسطنبول والدوحة هما الملاذ، وساعتها لن تكون العواقب مضمونة أبدا، خاصة وأن الجوار المحيط غربا وشرقا مازال مشتعلا ومازال قابلا لمزيد الانفجارات.

فهل تنجح النهضة في ايجاد الشريك المضمون والمقبول لتمارس الحكم في أريحية كما فعلت خلال العُهدة الحالية، أم أنها ستراجع كل السياسات الفارطة، وتفتح صفحة جديدة من الحكم المنفرد او المعارضة الواضحة؟