الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

جهات



القطاع الصحي العمومي بتطاوين :

معالجة خدماته الضعيفة تتطلب «عملية استعجالية»



وزارة الصحة الـعمومية مطالبة بمحاربة الفساد في ميدان الأدوية

الصحافة اليوم: خالصة حمروني

«تخفيف معاناة مواطني ولاية تطاوين في محال الخدمات الصحية العمومية أولوية حارقة وتتطلب اجراءات استثنائية خاصة بهذه المنطقة التي تعتبر منكوبة في بعض الجوانب مثل طب الاختصاص». هذا ما اكده السيد جوهر مزيد - ممثل الجمعية التونسية للدفاع عن المرفق العمومي للصحة وعن حقوق مستعمليه- خلال ندوة صحفية نظمتها خلال الأسبوع المنقضي بالعاصمة منظمة «انترناشونال آلرت/تونس» بالتعاون مع كل من مؤسسة شمسية لادارة الانظمة الصحية وبعض الجمعيات الاخرى، واهتمت بقديم دراسة حول «تقييم مجتمعي للخدمات الصحية العمومية بولاية تطاوين : تشخيص وبدائل».

وكشفت هذه الدراسة التي استندت في منهجيتها على استبيان لعينة من 11000 شخص من سكان الولاية وزيارات ميدانية ومقابلات شخصية بين فريق العمل والسلط المحلية واطباء وممرضين، أن خدمات القطاع الصحي العمومي تبقى دون المأمول ولا تستجيب بعد لحاجيات اكبر الولايات التونسية مساحة وادناها كثافة سكانية. وتبقى معضلة النقص الفادح في اطباء الاختصاص اهم مشاكل هذا القطاع لاسيما طب النساء والتوليد والعيون والقلب.

الخدمات الصحية ايضا في ولاية تطاوين تفتقد إلى وجود الادوية الموصوفة من قبل الاطباء المباشرين اذ صرح 69.6 بالمائة من جملة المستجوبين الذين يقصدون المرافق الصحية العمومية بأن الادوية «غير متوفرة». ومن الاشكاليات الاخرى التي كشفت عنها الزيارات الميدانية نذكر اشكاليات تعامل الاطار الصحي مع المرضى وعلاقته مع المواطنين اذ تغلب حسب المواطنين علاقات الوساطة على كل المعاملات هناك. كما اشتكوا من نقص فادح في الخدمات التشخيصية (خدمات التصوير الطبي والتحاليل) وفي التجهيزات الطبية واسطول الاسعاف بالاضافة الى تسجيل نقص في عدد الاقسام بالمستشفى الجهوي وفي مقدمتها قسم الانعاش الذي يحتاج الى تحسينات عديدة.

القطاع الصحي العمومي يفتقد إلى العناية بالمرضى و نقص وتيرة العيادات الطبية في جل مراكز الصحة الاساسية.

عيادة طبية واحدة في الشهر

بخصوص خدمات الرعاية الصحية الاساسية فقد كشفت هذه الدراسة أن ولاية تطاوين تعد 65 مركزا صحة عمومية ومع ذلك فإن اكثر من نصفها (36 مركزا) لا تقدم عيادات طبية سوى مرة واحدة في الاسبوع او مرة كل اسبوعين بل وحتى مرة واحدة في الشهر. أما بخصوص المستشفيات المحلية فلا يوجد بتطاوين إلا 2 واحد برمادة واخر بغمراسن وطاقة ايوائهما الجملية لا تتجاوز 55 سريرا.

ومقارنة بالمستشفى الجهوي تعتبر الظروف العامة في هياكل الرعاية الصحية الاساسية افضل حيث تحظى خدمات هذه الاماكن بنسبة عالية من رضى المواطنين. فحسب شهاداتهم يلقى المريض في هياكل الرعاية الصحية اهتماما اكثر ويعامل احسن وتبقى ظروف النظافة ايضا متوفرة.

وبشكل عام فإن تحسن خدمات الرعاية الصحية يعود بالاساس الى جهود الممرضين القارين بهذه المراكز. فعلى سبيل المثال في منطقتي «الخاتمة» و«قطوفة» يقوم الممرضون هناك بعدة وظائف كتقديم الخدمات الصحية والنظافة والبستنة حتى يقبل المريض بارتياح على خدمات المركز. ووفقا لاحصائيات الدراسة يقدم مركز الصحة الاساسية “قطوفة” خدماته لحوالي 1000 شخص ويستفيد من العيادة الطبية حوالي 60 مريضا في الشهر ومع ذلك فإن خدماته مريحة وتلاقي استحسان الاغلبية. الوضع نفسه بالنسبة الى مركز الصحة الاساسية بمنطقة «الخاتمة» الذي يقدم خدماته لحوالي 2000 شخص بمعدل 500 زيارة في الشهر. وفيما يخص خدمات الصحة الانجابية فهي تعاني اساسا من غياب فريق طبي مختص وقار في الهياكل الصحية.

مستشفى وحيد في ولاية كبيرة

يوجد في ولاية تطاوين مستشفى جهوي وحيد رغم اتساع الرقعة الجغرافية للولاية، الامر الذي يجعل متوسط المسافة للوصول اليه من طرف السكان يبلغ حوالي 59 كلم وهو الاعلى في البلاد.

وحسب نتائج الاستبيان يفتقر هذا المستشفى الى اقسام رئيسية مثل قسم لامراض القلب والشرايين واقسام الانعاش والتبنيج وايضا اقسام الامراض التنفسية.... ويقع عادة استعمال قسم الطب العام لاقامة مرضى مصابين بمثل هذه الامراض بطبيعة الحال ان توفر اطار بشري ووجدت التجهيزات اللازمة.

والاهم من ذلك أن المستشفى الجهوي بتطاوين الذي لا يتوفر سوى على 12 طبيب اختصاص حتى حدود سنة 2016 ويحتمل ان يكون هذا الرقم قد تراجع، فانه يبقى الاكثر افتقارا للاطار الطبي المختص بين المستفيات الجهوية المجاورة (مثالا في قبلي نجد 22 و 26 في توزر).

ويفسر النقص الفادح في طب الاختصاص أو غياب خدمات التصوير الطبي والتحاليل المخبرية باحتلال هذا المستشفى المرتبة الاخيرة بين المستشفيات الجهوية. ويفسر انخفاض عدد العيادات الطبية (خارج عيادات قسم الاستعجالي) بغياب طب الاختصاص.

ومن المتوقع ان ضعف مردودية هذا المستشفى يعود بالاساس الى ضعف موارده المالية الذاتية خاصة تلك المتأتية من فوترة الخدمات لمنخرطي صندوق التأمين على المرض.

ومن المشاكل التي تطرقت اليها الدراسة ايضا نذكر خدمات الاسعاف والاحالات التي تواجه هي الاخرى عدة صعوبات على غرار تأخر وصول سيارات الاسعاف الامر الذي يؤدي الى تأخير الاسعاف والى الوفاة في بعض الاحيان وطول المسافات ورداءة البنية التحتية ولعل اطرفها رفض سيارات الاسعاف الخروج في بعض الاحيان الا في حالات الحوادث الخطيرة فعلى سبيل الذكر لا الحصر : سقطت امراة على الارض مغشيا عليها اتصل اهلها بالاسعاف فكان الجواب «لا نخرج الا في حال وقوع حادث»!!

اقتراحات وحلول

إن تحسين خدمات القطاع الصحي بولاية تطاوين ممكن ولا يتطلب معجزة بل يتطلب فقط بعض الاجراءات والقرارات. وهنا عمدت هذه الدراسة الى تقديم بعض المقترحات نرى تفعيلها ممكنا وضروريا.

الدراسة اكدت أن اشكاليات القطاع تلخص اولا في غياب اطباء الاختصاص ما يبدو معضلة وطنية عموما لكنها اكتست طابعا شبه درامي في تطاوين نظرا لشساعة مساحتها ونقص المواصلات فيها وسوء مؤشرات الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لسكانها. ومن هذا المنطلق نرى ان الوضع يتطلب اعطاء «الاولوية القصوى» لمجال طب الاختصاص في اطار التكريس الفعلي لمبدإ التميز الايجابي وذلك عبر توفير الحاجيات الدنيا من اطباء الاختصاص سواء في اطار الاليات الوقتية مثل واجب الخدمة الوطنية او برامج دعم طب الاختصاص في الجهات الداخلية. كما يتطلب الامر ضرورة تصنيف المستشفى الجهوي بتطاوين «مؤسسة ذات اولوية في الانتداب» وتوفير ما هو ضروري لضمان ممارسة هذه المهنة.

وبخصوص خدمات الاسعاف والحالات الاستعجالية، اقترحت الدراسة توفير عدد كاف من السيارات المجهزة لتأمين النقل الصحي لكل من تتطلب حالته الصحية ذلك وايضا احداث قسم للمساعدة الطبية الاستعجالية بمركز الولاية وتركيز وحدة للتنقل الاستعجالي الطبي بكل من رمادة والذهيبة اعتبارا لطابعهما الحدودي. الوضع يتطلب توفير اماكن انتظار كافية للمرضى في قسم الاستعجالي مع ضمان توفر فريق متكامل ومتجاوب لتأمين الخدمات الاستعجالية بشكل مستمر وتوفير التجهيزات اللازمة لاداء هذه الخدمات.

ولأن معظم المستجوبين اشتكوا من نقص الادوية، فقد طالبت الدراسة وزارة الصحة العمومية وكافة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها في محاصرة الفساد في ميدان الادوية من سرقة وتهريب والضرب بقوة ومحاسبة كل من يتورط في ذلك. وهذا الامر من شأنه أن يوفر الادوية بصفة مستمرة بالصيدليات ووضع حد لنقصها. كما طالبت بتوحيد قائمة الادوية المعتمدة بين مراكز الصحة الاساسية والمستشفيات وضمان توفر المستلزمات الطبية في مختلف الهياكل الصحية.

تحسين الخدمات الصحية ممكن ايضا اذا ما عملت السلط المعنية على توسيع قائمة التحاليل التي تجرى في مخابر المستشفيات المحلية والمركزية الصحية لتتلاءم مع الحاجيات واعتماد اخذ العينات للتحاليل في مراكز الصحة الاساسية وتوصيلها الى المخابر المعنية. وبخصوص خدمات الصحة الانجابية دعا الساهرون على هذه الدراسة الى تطوير الخدمات المقدمة في مثل هذه المراكز عبر توفير كافة الفحوصات المرافقة للروزنامة وذلك بصفة مستمرة ومجانية ودون عناء المرأة الحامل او تنقلها. ودعت كذلك الى تطوير الخدمات في كافة مراكز المعتمديات بتوفير التصوير بالصدى وعيادات متابعة.

تساؤلات؟

كل ما ورد في هذه الدراسة من أرقام وتحاليل أمر مثير للاهتمام ويدفع كاتبه وقارئه إلى التساؤل «كيف لمنطقة شاسعة جغرافيا ان تنقصها ابسط الخدمات الصحية؟ كيف لمريض ان يتحمل رحلة الستين كيلومترا اي ما يقارب الساعة ليصل الى مستشفى جهوي يحتل المرتبة الاخيرة وطنيا؟ كيف لمنطقة باطنها غني بالذهب الاسود وعلى ارضها شركات تنتج النفط الخام وتبيعه بآلاف الدولارات، ان تتوفى فيها امرأة حامل لم تجد طبيبا مختصا يؤمن لها ولادة سالمة؟»

لقد نص دستور تونس الجديدة في فصله 38 على «ان الصحة حق لكل مواطن. تضمن الدولة الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن. وتوفر الامكانيات الضرورية لضمان السلامة ووجود الخدمات الصحية». وعلى هذا الاساس من حقنا ان نتساءل : متى ستتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة لتكون موجودة بالفعل في تطاوين، وفي خدمة أبنائها وهم جزء لا يتجزأ من هذا البلد؟