الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



فيلم «فاطمة» للفرنسي فيليب فوكون في المعهد الفرنسي بتونس

عن العنصرية ومصير الأجيال العربية المهاجرة



مساء الأربعاء احتضنت قاعة السينما بالمعهد الفرنسي بتونس عرضا للشريط الروائي الطويل «فاطمة» الحائز على جائزة سيزار (الأوسكار الفرنسية) لأفضل فيلم سنة 2016 وهو للمخرج الفرنسي فيليب فوكون وقام بأدواره كل من ثريا زروال وزيتا هانرو وكنزة نوعيش وشوقي عماري وفرانك أنديرو.

الفيلم مقتبس عن روايتي «صلاة إلى القمر» و«أخيرا أستطيع المشي وحيدة» للكاتبة المغربية فاطمة الأيوبي... يحكي الشريط عن المعاناة اليومية للمرأة فاطمة وهي جزائرية في منتصف الأربعينات تعيش في فرنسا منذ عشر سنوات مطلقة وتعيل ابنتيها سعاد (15 سنة) ونسرين (18 سنة)... فاطمة لا تعرف من اللغة الفرنسية سوى بعض الجمل المتعثّرة تشتغل منظفة في أكثر من بيت لتؤمن نفقات نسرين في سنتها الأولى بكلية الطب وسعاد المراهقة المتمردة الناقمة على الوضع الاجتماعي للعرب في بلدان المهجر.

تضطر نسرين للبحث عن غرفة في منطقة مجاورة لتكون قريبة من كليتها وعندما تنتقل لمعاينتها بصحبة الأم تتعلل المؤجرة الفرنسية بعدم جلب المفاتيح وتفهم فاطمة أن صاحبة الغرفة رفضت بلباقة بسبب الحجاب الذي تضعه...

في البيت وعلى طاولة العشاء تراجع فاطمة مع ابنتيها نفقات كلية الطب والسكن والتي تتجاوز الثمانمائة أورو شهريا وهو ما يعني ساعات وساعات إضافية من العمل في البيوت والتخلّص من كنزها الضئيل المتمثّل في قلادة وبضعة أساور باعتها بثمن زهيد... وإن كانت طالبة الطب نسرين مشفقة على الأم مقدّرة لمعاناتها فإن سعاد دائمة التذمّر من السكن البائس والملابس الرخيصة وغياب الأنترنات علاوة على غيرتها من شقيقتها التي تعتبرها مدللة الأم... تمرّدها لا يقف عند حدود المنزل بل يتعداه إلى المعهد حيث تجادل أستاذها بوقاحة وتتغيّب عن الدروس رغم قدرتها على التفوّق بشهادة مديرتها، سعاد لا ترى لنفسها مكانة في المجتمع الفرنسي ومهما تفوقت فلن يكون مستقبلها أفضل من أمها التي «تغسل أوساخ الآخرين»...

الفيلم عبارة عن متابعة لإيقاع الأم فاطمة وهي تتنقل للعمل من مكان الى آخر ويوم إجازتها تخصصه لإعداد مجموعة من الأكلات تأخذها في زيارتها الأسبوعية لنسرين حيث ترتب لها البيت وتأخذ ملابسها للتنظيف وتوصيها بالحرص والتركيز لأن السنة الأولى بكلية الطب من أصعب السنوات الأمر الذي تعيه الابنة جيدا فنراها لا تتوقف عن المراجعة حتى في الميترو...

أما الأب الغائب والمتزوج من امرأة أخرى فيتابع أحوال الأسرة الأولى من بعيد من خلال الإبنة الصغرى سعاد التي يلاقيها من حين لآخر لحظات بسيارته وتقف مسؤولياته في الإنفاق بشراء حذاء رياضي لها أما علاقته بنسرين فلا تتعدى زيارة خاطفة لها بشقتها نفهم من خلالها الهوة التي تفصل بينهما اجتماعيا وثقافيا.

تقع فاطمة من الدرج وهي تسرع لإنهاء أشغالها وتتعطل عن العمل أربعة أشهر تذهب خلالها لدراسة اللغة الفرنسية وتكتب مذكراتها باللغة العربية، تشعر أحيانا أنها امرأة ميّتة إحساسها لا يتعدى الخوف والقسوة والكره، تكتب بثقل معاناتها وتداخل مشاعرها ووضعها في مجتمع غريب لا تتكلم لغته ولا تفكّر مثله... وعندما تلتئم إصابتها يظل إحساسها بالخوف والعجز يلازمها في كوابيسها فتستفيق مذعورة من خشية الوقوع مجددا فيحيلها الطبيب المباشر الذي لا يفهم العربية إلى دكتورة نفسية تتكلم لغتها... وأخيرا تجد فاطمة شخصا تتواصل معه فتقرأ للطبيبة جزءا من مذكراتها وتتحاور معها فتنشأ بينهما علاقة خاصة بعدما أثنت هذه الأخيرة على كتاباتها ونصحتها بمتابعة الكتابة.

في آخر الشريط تتجه فاطمة ونسرين إلى الكلية لاستطلاع نتيجة السنة الأولى وبين خوف الأم وتوتّر الابنة تذرف دموع الفرح بالنجاح... وفي المشهد الأخير نتابع فاطمة تعود وحيدة إلى الكلية تعيد قراءة أسماء كل الناجحين بحثا عن اسم نسرين وعندما تجده تبتسم ابتسامة الرضا... فاطمة نجحت بدورها في اجتياز حاجز اللغة وصار لا بد أن تحظى ببعض الاطمئنان.

الفيلم يسلّط الضوء على نساء الظل/الخادمات في فرنسا اللواتي يفنين أعمارهن ليحافظ المجتمع على بريقه ونظافته، أنجز الفيلم انطلاقا من كتابين لفاطمة الأيوبي التي عاشت نفس مصير البطلة قبل أن تتعلم اللغة الفرنسية وتصبح كاتبة لتترجم كتاباتها بنفسها للغة موليير وتحظى بمكانة أرقى من الخادمة.

لم يعمد المخرج فيليب فوكون إلى تأثيرات سمعية وبصرية في إنجازه لشريط «فاطمة» الذي بدا متقشفا جدا بلا خلفية موسيقية ولا عناصر إبهار حتى أنه لم يعتمد على ممثلة معروفة لتقمص دور البطولة وإنما أعطى الدور لامرأة بسيطة عاملة تنظيف لا تتقن الفرنسية (بعد كاستينغ أجراه مع كثيرات) لتقريب المشاهد أكثر من الشخصية مما جعل ثريا زروال تتحرك أمام الكاميرا بعفوية لدرجة إحساس المشاهد بأنه يتابع شريطا تسجيليا عن امرأة مهاجرة... الفيلم يبدو بسيطا جدا محوره شخصية كادحة من الجيل الثاني للهجرة لكنه في نفس الوقت يشير إلى مصير ضبابي أو بالأحرى مجهول لفاقدي لغة التواصل الاجتماعي كما يشير إلى نزعة عنصرية بدت في موقف المؤجرة التي رفضت تأجير الغرفة بعد مشاهدة الأم بغطاء الرأس ثم عندما عمدت السيدة التي تعمل لديها فاطمة لترك بعض الأوراق النقدية في جيوب أحد الملابس لتمتحن أمانتها هذه السيدة التي يدرس ابنها بكلية الطب استغربت عندما أعلمتها فاطمة بأن ابنتها تدرس نفس الاختصاص لثقل مصاريف الكلية على امتداد سبع سنوات هذه النزعة تتأكد عند مقابلة فاطمة في إحدى المغازات لسيدة فرنسية تعرفت عليها في اجتماع الأولياء بالمعهد حيث تدرس سعاد وإجاباتها الباردة وسرعتها في المشي لتقطع الحديث.

«فاطمة» فيلم إذا تخليت عن الجانب العاطفي في حكمك عليه تكتشف أنه فيلم بسيط سينمائيا سواء من حيث الأداء المسطح للشخصيات أو الإيقاع الرتيب للأحداث... فجاء (الشريط) أشبه بأكلة صحية خالية من بهارات.

 

 


ناجية السميري