الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



جذور وأعلام الفكر الإصلاحي بتونس (الحلقة 5)

محمد بيرم الخامس ديمقراطي سابق لعصره مولده ونشأته


بقلم : جعفر محمود الأكحل

ولد محمد بيرم الخامس سنة 1840 في أسرة أرستقراطية من أصول تركية ،تداولت أسرته على رئاسة المذهب الحنفي بتونس جاء جده الأول مع سنان باشا سنة 1574 في أيام السلطان سليم الثاني لطرد الاسبان وبذلك أصبحت تونس ولاية عثمانية حتى قيام الجمهورية سنة 1957. وقد أنجبت عائلته عديد الشخصيات السياسية والعسكرية والدينية والثقافية والقضائية وبالتالي تمثل عائلة البيارمة ركنا أساسيا من أركان الدولة الحسينية الحاكمة وترتبط معها بعلاقات مصاهرة معها.

وفي هذه البيئة الرفيعة نشأ شيخنا محمد بيرم الخامس في وسط مكتبة ثمينة للعائلة حيث نهل منها منذ الصغر وانشغل بالسياسة مبكرا بحكم المؤثرات العائلية والتحق بالجامع الأعظم وأصبح من نوابغ طلبته وهولا يزال حدثا .

ومن خلال انطباعاته الأولى حول المجتمع والناس وبحكم طبيعة تميل إلى الالتفاف بالناس وتفهم قضاياهم رسخت في ذهنه ملكة النقد وحب الإصلاح والاجتهاد وسرعان ما اتصل بالعلامة والمصلح الشيخ سالم بوحاجب الذي وجد لديه ضالته المعرفية والانسانية ولقي لديه أجوبة على الأسئلة التي تدور في ذهنه إلا أن الشيخ محمود قبادوالمدرس بالمدرسة الحربية بباردوكان هوأيضا ممن تأثر بهم وكان قبادو على صلة متينة بأسرته وبوالده مصطفى وبينهما زيارات ومودة .

لقد تأثر محمد بيرم الخامس بقبادووبأفكاره النقدية والاصلاحية. وقد تولى محمد بيرم بعد تخرجه التدريس بالمدرسة العنقية (سوق النحاس) بتونس سنة 1861 ثم وفي نفس السنة أصبح مدرسا بالجامع الأعظم وأصبح مدرسا من الطبقة الأولى سنة 1867،وتوفي والده سنة 1863 تاركا له ثروة كبيرة.

وفي هذه الفترة عرفت تونس أخطر مرحلة تمثلت في اندلاع ثورة علي بن غذاهم حيث ثارت الرعية على ظلم الحكام واستبدادهم. وتابع محمد بيرم الخامس هذه المحنة بكل انتباه وحلل أسبابها وانعكاساتها وما تنتج عنها من تداعيات خطيرة عمقت وعيه بضرورة الإصلاح الاجتماعي والسياسي.

وكان من النتائج السلبية لهذه الثورة لجوء الباي محمد الصادق إلى إبطال العمل بقانون عهد الأمان الذي صدر سنة 1857 م وقد تألم لذلك محمد بيرم الخامس حيث أنه كان يتطلع الى إصلاحات إضافية تزيد من تطور المجتمع فكان ذلك شديد الوقع عليه

علاقته بخير الدين التونسي

في ظل هذه الظروف السيئة تعرف على خير الدين التونسي ،أصبح بيرم الخامس يجاهر بالولاء للوزير الأكبر مصطفى خزندار ويدعوالى تنصيب مجالس شورية منتخبة لتحقيق المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية والتطوير والسياسي للبلاد(بمعنى مجالس بلدية منتخبة)

وقد لمع في هذه الفترة نجم خير الدين وخاصة بعد صدور كتابه «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» وتعرف عليه محمد بيرم وفي هذه الأثناء تولي خير الدين الوزارة الكبري سنة 1873 فكان ذلك مصدر ارتياح كبير بالنسبة اليه وكذلك والده محمد بيرم الرابع ونشر بيرم الخامس بكل جرأة مقالا بجريدة «الرائد التونسي» في عددها الصادر يوم 20 نوفمبر 1873 مقالا تحية لهذا الحدث الكبير

بل لقد وصل بيرم الخامس حد دعوة أساتذة الجامع الأعظم إلى الاحتفال بتعيين خير الدين وزيرا أكبر وإنقاذ البلاد من عصابة سوء.

توليه رئاسة «جمعية الاوقاف»

وبإلحاح من خير الدين تولى محمد بيرم الخامس أول منصب سياسي في حياته رئاسة جمعية الاوقاف التي أساسها خير الدين سنة 1875 بعد تأسيس الصادقية وبعد إصلاحات تنظيمية وهيكلية للجامع الأعظم.

توليه ادارة جريدة ومطبعة «الرائد التونسي»

وإثر ذلك عين الوزير الأكبر خير الدين الشيخ محمد بيرم الخامس مديرا لمطبعة وجريدة «الرائد التونسي» الناطقة باسم الحكومة الاصلاحية فأحسن ادارتها وطور مضمونها واصبحت تصدر اسبوعيابانتظام.

واستمر في هذا العمل الصحفي المهم مع احتفاظه بمهامه على رأس جمعية الاوقاف وعضويته في لجنة إصلاح وتطوير التعليم بالمدرسة الصادقية.

مرضه وسفره إلى أوروبا

وفي صائفة 1875 سافر الى اوروبا للعلاج بعد اصابته بمرض الاعصاب كانت ايطاليا اول محطة في رحلته العلاجية الطويلة والتي استمرت لسنوات ونالت من صحته ومن ماله ومن وقته الشىء الكثير.

وفي ايطاليا التقى زميله وصديقه الجنرال حسين واستاذه الشيخ سالم بوحاجب حيث كانا يقيمان هناك في مهمة حكومية لمتابعة قضية نسيم شمامة لدى المحاكم الايطالية بعد ان هرب بأموال الدولة وتمكن من الحصول على الجنسية الايطالية.

تأليفه لكتابه «صفوة الاعتبار»

ومن أهم أعماله تأليفه لكتابه صفوة الاعتبار الذي ضمنه افكاره الاصلاحية وعلاقاته ورحلاته الكثيرة إلى بلاد اوروبا وتركيا ومقابلته السلطان عبد الحميد الثاني.

اعفاء خير الدين من الحكم واثره على نفسيته

وكان في أوج المرض لما تم إعفاء خير الدين من الوزارة الكبرى وتولى مصطفى بن إسماعيل مكانه فازداد مرضه وتعكرت نفسيته وحزن كثيرا على أوضاع البلاد

وكان هذا الحدث يعني بالنسبة إليه انتصار عصابة السوء على حركة الإصلاح التي بدأت تقوى ويشتد أمرها وتظهر نتائجها الإيجابية على مسيرة البلاد عامة.

وفي سنة 1878 عاد إلى أوروبا للعلاج ووصل إلى باريس وهناك لقي الجنرال حسين والشيخ سالم بوحاجب حيث زاروا معا معرض «باريس العالمي » ووصفه الشيخ بيرم في كتابه ( صفوة الاعتبار) بتفاصيل تؤكد حرصه على معرفة أدق ما يشاهده في ابتكارات الغرب واكتشافاته.

الخلاف يحتدم مع مصطفى بن اسماعيل

ومع توالي الأيام وبحكم الخلافات المبدئية بين الوزير الأكبر بن إسماعيل وبيرم فقد تصاعدت وتيرة الخلاف وخاصة بعد مقابلة الشيخ بيرم مع الباي محمد الصادق حيث طلب شيخنا من الباي مزيدا من الحرية للرعية وقد غضب الباي حيث كان الاعتقاد سائدا بين أفراد الأسرة الحسينية المتعاقبة بأن البلاد وما فيها من سكان وأملاك هي ملكهم ولا ينازعهم فيها أحد.

مغادرة البلاد والاستقرار بمصر

أدرك بيرم الخامس أن المناخ لم يعد ملائما له وأن عليه السفر فتظاهر بالحج و سافر ووصل إلى بيروت وهناك استقبل بحفاوة ومنها تحول إلى الاستانة عاصمة الخلافة وهناك بلغه أن الحكومة قد عزلته من جميع الوظائف الرسمية بل وطلبت من الباب العالي وارجاعه إلى تونس.

ويذكر الشيخ المصلح محمد السنوسي في كتابه «الرحلة الحجازية » أن السلطان عبد الحميد الثاني سأل الشيخ بيرم عن دواء لسياسة الأمة فكان جوابه :« إن الدواء هو إعطاء الامة حريتها بإقامة المجالس التي تتحمل مسؤوليتها ويستريح معها الجناب السلطاني» ويبدوأن هذا الرد لم يعجب السلطان. وهناك بلغه أن محمد الصادق باي قد أمضى معاهدة باردويوم 12 ماي 1881 وأصبحت فرنسا تحتل تونس وتتحكم في كامل سيادتها ولم يستغرب ذلك فقد كان واعيا أن التدخلات الفرنسية كبيرة ومستمرة وتعد العدة لذلك وتجد من يدعمها ويساعدها على احتلال البلاد مقابل مصالح وامتيازات ومنافع شخصية.

تألم بيرم الخامس واستمر في الاقامة بعاصمة الخلافة وهناك أكمل فصول كتابه «أقوم المسالك » الجزء الثاني والثالث ثم سافر إلى أوروبا حيث زار النمسا وسويسرا ورومانيا وبلغاريا والمجر.

السفر الى مصر والاقامة بها

قلق بيرم من أجواء الدسائس والمشاكل السياسية في دار الخلافة فسافر إلى مصر وهناك رحب به الخديوي توفيق ووفر له الاقامة على نفقة الحكومة المصرية وأصدر سنة 1885 جريدة الأعلام وهوما يؤكد أن الشيخ بيرم متعلق بالصحافة وبدورها منذ كان مديرا لجريدة « الرائد التونسي».

وفي سنة 1889 أكمل كتابه صفوة الاعتبار الذي ضمنه بقية مشاهداته وتأملاته في دار الخلافة وفي مصر وانطباعاته عن تونس كما وصلته أخبارها وهوفي الغربة مع بداية العهد الاستعماري وعاوده المرض واشتد عليه وفي يوم الاربعاء 18 ديسمبر 1889 توفي عن سن 49 سنة وخرج في جنازته في القاهرة رئيس الحكومة رياض باشا وفي تونس ابنه الشيخ « الطاهر بن عاشور الجد» والشيخ محمد الشاهد والشيخ الشاذلي بن صالح كان وطنيا ومحبا للحرية ولتطوير نظام الحكم. لقد كان سابقا لعصره في فهم الحريات

الحلقة القادمة:

الوزير ابن ابي الضياف وكتابه الاتحاف