الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


مطارحات
النصّ الأدبي في تونس:

بين جدلية التشاؤمية وهدم صنمية المواضيع


لعل أبلغ ما يروم النص الأدبي التونسي إدراكه من تأثير خلال المرحلة الراهنة يكمن في ذكاء تعاطي أصحابه مع تحولات واقعهم في مجموع قطاعاته ودون إهمال أو تجزئة أو تعالي على تفاصيله الصغيرة. ومن هذا المنطلق فإن الكتّاب الأكثر فطنة هم من يغلّبون «قيم الحياة» على «قيم المعرفة»، لحكمة في تغليب الواقعية على العرفانية.

ومثل هذا الأمر يستدعي التسلّح بوعي مُرهف بسير الأحداث والوقائع وبقدرة على مناقشتها وطرح البدائل، لا سيما أنّ صناعة الحقائق تمرّ ووفقا لما أشار إليه فيلسوف التشاؤمية شوبنهاور بمراحل ثلاثة من التعرّض إلى السخرية ومقاومتها بعنف قبل التسليم بها في نهاية المطاف واعتبارها من المسلمات.

وفي سياق متصل نشير إلى أنّه قد تكون الحياة مأساة والوجود شرا ينعكسان في خطاب لغوي تسوده أخبار الموتى وقتلى حوادث الطرقات وجرائم المجتمع والنزاعات في مناطق التوتر وبؤر الإرهاب... لكن لا يجب أن ينفي ذلك التحلي بجرعات من حس الدعابة والمرح والبحث عن مناطق التفاؤل ولو في أقاصي الروح.

وقد ينحصر فكر المجتمع التونسي ليس في ما يملكه وإنما فيما ينقصه، خاصة في ظلّ ما يعانيه المواطنون من انقطاع في مياه الشرب وفقدان للحليب وبنزين السيارات وأيضا في ظل التدهور المريع لقيمة الدينار التونسي وتنامي الإجرام الشعبي من مستقبل وطني محكوم بالإفلاس والعنف والفوضى أمام غياب الإجراءات الحكومية الجدية لمجابهة تلك الأوضاع.

لكل ما تقدّم كان من البديهي أن تطغى على النصّ الأدبي نزعة تشاؤمية لكن هذا ما لم نلاحظه فيه خلال الفترة الراهنة، ممّا يقيم الدليل لدى القارئ الناقد على أنها نصوص خارج سياقات التاريخ... ولا تكون خارج التاريخ إلا الكتابة الميّتة. والمقصود بها من الناحية الإجرائية المعرفية هي الأعمال الأدبية والفنية التي تغرق في المثالية والعقلانية والأخلاقية.

ذلك أن الجمود الفكري هو في واقع الأمر نتيجة لنقص في الوعي بأنّ الحياة صراع دائم ونزوع إلى التجاوز والتفوق على الآخر.... والكتابة بما أنها مرآة للحياة فإنها هي الأخرى يجب أن تكون بدورها امتداد للصراع الجاري في الواقع من أجل البقاء للأصلح والأجمل والأعدل، وبمعنى أشمل للأقوى.

ومن شأن غياب هذا جميعا أن يقتل النصّ الأدبي لأنه ولد مشوّها مضمونا وإن اكتمل بناؤه في المستوى الشكلي وعلى صعيد الانتماء إلى صنف أدبي معيّن.

إن ثقافة الاستكانة ألقائمة على عُمق تشاؤمي دفين يدعو إلى التحلي بأخلاق الصبر والمسالمة والرضوخ لها والتسليم بحتمية الواقع تعكس بالفهوم النيتشوي أخلاق العبيد، حيث أن مثل هذه الثقافة البائسة ولئن كانت تؤجل السعادة إلى ما بعد الحياة الفانية فإنها تمدّ في الحقيقة وفي الآن نفسه نقيضها وهو حبل التفاؤل فوق أرض مزروعة بألغام التشاؤم. ولذا فإنه الكتابة الأدبية وبما هي أداة إصلاح وتغيير مستمرين في إطار السعي الفكري نحو الأفضل والأرقى فإنه ينبغي أن تنبع أخلاق السادة... سادة العقل والفن والأدب من الإحساس بأنهم أيضا سادة واقعهم، الذين يغالبون المستبدين به وهم أساسا منافسوهم من الساسة والمتحزبين. فأهل الثقافة ليسوا ذيلا للساسة وأتباعا لهم وإنما هم منافسوهم حتى لا نقول خصومهم.

ومن هذه الرؤية يتضح أن دور الكتابة في تونس اليوم كما في كل عصر هو نقد الواقع وفضح أخلاق الخداع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي... ومهمة الأدباء في هذا المعنى يجب أن لا تقلّ ضراوة عن مهام رجال السياسة الذين يحرّكهم الطموح إلى السيادة وركوب طريق المغامرة بعيدا عن روح الدعة والاستكانة لأن الحياة تتوق من منظورهم إلى السيطرة والازدهار في ظل الصراعات.

إذن ما ينقص النص الأدبي هو كشف أصنام الأخلاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية البراقة والخادعة في آن، ثم هدمها إبداعيا لأنها أخلاق ماكرة تخفي في عمقها وجهها القبيح وهو وجه السيطرة والاستئثار بالخيرات والسعادة.

وهذا النص الأدبي المنشود حمل خطابه اليوم للأسف فنانو الراب ومعلقو البرامج الحوارية في الإعلام السمعي البصري.

وما نختم به هو التنبيه إلى أن ما ينقص السياسي هو نزاهة المبدع وما ينقص الأديب هو حسّ السياسي في امتلاك الواقع والسيطرة على الجماهير.

 


منصور