الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


في مكتبة «الصحافة اليوم»
كتاب «الإيروس والثقافة: فلسفة الحب والفن الأوروبي»

منهج جديد في التفكير لتثمين التراث الثقافي التونسي



ضمن منشورات دار المدى للثقافة والنشر السورية صدرت ترجمة نزار عيون السود لكتاب «الإيروس والثقافة: فلسفة الحب والفن الأوروبي» لفياتشيسلاف شستاكوف. تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يلامس موضوعا بالغ الحساسية لكنه ظل مغيّبا من ثقافتنا التونسية حتى لا نقول العربية والإسلامية الراهنة. ففي حين تعيش النخب التونسية مثلا الحب في مختلف تجلياته إلا أنها لا تعيه ولا تحاول على الأقل التحوّز عليه فكريا.

وفي المقابل سعى بعض الفلاسفة الغربيين نحو التعمّق في دراسة هذا الشعور البشري وتحويله إلى أفكار منتظمة في العقل الغربي وفي أنساقه الفلسفية.

ورغم ما حفلت به الحضارة العربية الإسلامية من مواضيع ذات صلة بالحب سواء في أشعار الغزل وفي الأشعار العذرية والصوفية أو في الروايات المتناثرة بكتب التاريخ والأدب أو حتى في النصوص الدينية من قرآن وأحاديث نبوية وفتاوى ونوازل، وأيضا رغم ما نشاهده في الآثار التونسية المعروضة في المتاحف وحتى المنشورة بكتب التاريخ التونسي من لوحات فسيفسائية وتماثيل لآلهة الحب ومنحوتات فإننا نعدم للأسف أي جهد بحثي لدراسة الحب بشكل نسقي ومنتظم من الناحيتين التاريخية والفلسفية.

وخلافا لذلك التقاعس المسجل في ثقافتنا العربية المعاصرة اعتنى المفكرون الغربيون بتاريخ الحب على غرار إيريك فروم وسيغموند فرويد وهاربرت ماركيز وميشال فوكو... وفي هذا المعنى عالج شستاكوف في كتابه هذا «فلسفة الحب في تطورها التاريخي بدءا من العصور القديمة حتى عصرنا الراهن»، موضحا في سياق متصل أن «الفلسفة الأوروبية تملك تقاليد عريقة في معالجة معنى الحب»، وهي المهمة التي اضطلع بها منذ القديم وتباعا كل من أفلاطون وشيشرون وأوغسطين وباسكال وسبينوزا وكانط وشبوبنهاور وليو تولستوي...

وقد بيّن من جهة أخرى كيف أنّ «اليونان القديمة وروما هما موطن الإيروس الأوروبي، ومنهما... (وقع اغتراف) الصور والأفكار المرتبطة بفهم جوهر الحب. فقد خلقت الميثولوجيا الإغريقية صور وشخصيات الآلهة العظيمة المختصة بموضوع الحب والزواج والحب والحياة الأسرية، والتي شجعت الحب الحقيقي وعاقبت كل من يخالف قوانينه».

وعلى امتداد سبعة فصول حاول المؤلف في كتابه هذا تلخيص تاريخ الحب وفلسفته في سبع مراحل متعاقبة لكن مترابطة في موضوعها، متباينة في أنماط فهمها وأشكال تعبيرها، وهي مرحلة نشوء فلسفة الحب في اليونان وروما القديمة، ثم مرحلة الإيروس والحب الأخوي في العصور الوسطى، فمرحلة عصر النهضة التي ارتبطت بفلسفة الحب والجمال، وصولا إلى مرحلة الحالة الوجدانية فالمثالية الرومانسية ثم مرحلة فلسفة الحب بروسيا وانتهاء بالحب والجنس والعنف في ثقافة القرن العشرين، وهو ما يُفهم منه أن جهد المؤلف وبالنظر إلى توقفه في مرحلة تاريخية تجاوزها الزمن فإنه يحتاج إلى من يُضيف عليه ويُكمله حتى يصل به إلى وقتنا الراهن/القرن الحادي والعشرين.

على كل فإن ما نخلص إليه من قراءة هذه الدراسة هو أن الفلسفة بما هي حب للمعرفة فإنها مبنية في جوهرها على الحب ثم إنه وبخلاف المعنى المتداول بخصوص ترابط أو تكامل الحب والجنس فإن الحقيقة تؤكد أنهما على طرفيْ نقيض، باعتبار أن الحب يقوم على الفراق في حين أن الجنس ينهض على معنى الالتحام.

ويُمكن أن نستحضر هنا مقولة نجيب محفوظ الخالدة في هذا الإطار وهي: «لذة الحب لا تدوم ومتعة الجنس أقل من أن تكون».

هذا ويُشار إلى ارتباط فلسفة الحب بفلسفة مجاورة هي فلسفة الأخلاق، لأن فكرة الحب تبدو من خلال الحفريات المعرفية أنها وليدة السؤال الوجودي: ما معنى الحياة؟ إذن هي نتاج البحث في فكرة الموت ومحاولة تجاوزها، حيث أن تجاوز الموت لا يكون إلا بالحب باعتبار أنه يُفيد تواصل العيش في الآخرين.

كما ترتبط فلسفة الحب بعلم الجمال طالما أنه من معاني الحب الميل إلى الجمال. ولذا فإن من تعريفات الحب «أن يجد الإنسان في صورة محبوبه الجمال الحقيقي والكمال الحقيقي».

وإلى جانب اتصال الحب بالأخلاق والجمال والفلسفة فإنه يرتبط أيضا بفلسفة الثقافة، إذ ينكشف الحب ويستكمل مظهره في التقاليد التاريخية والمحلية لكل شعب، وهو ما نعاينه في تأليه الحبّ وفي الأساطير وفي المسرح والغناء والشعر...

ولعل ما نستخلصه من مطالعة مثل هذا الكتاب أن التاريخ لم يعد منحصرا في توثيق الأحداث العامة وحالات المجتمع وإنما صار معنيا بالإنسان في عمقه وفي تفاصيل حياته الشخصية، وأنه يمكن على الأقل أن ندرس فلسفة الحب في تونس انطلاقا من نفس المنهج والتمشي المعتمد في هذا البحث بعد الرجوع إلى التراث الثقافي التونسي وتثمينه من أجل إنارة الطريق أمام التونسيين وتعميق إحساسهم بالحب ودوره الفعال في الخروج من عنق الزجاجة العالقين فيها اليوم بسبب الأزمتين الاقتصادية والسياسية.

 


منصور